جمهورية البطّيخ وسكّين حسن نصرالله

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

زمن البطيخ المهجّن هو زمن “حزب الله”. الزمن الذي لم تعد تتزاحم فيه السكاكين على البطيخ، الذي تحول إلى حوافز يمنحها الأمين العام للحزب. رئاسة الجمهورية بالمناسبة لم تكن إلا نموذج عن البطيخ المهجّن.

“تريدون المحاصصة، إذن عالسكين يا بطّيخ”.العبارة تعود إلى تسعينات القرن الماضي حين انقلب سياسي لبناني على مؤسس علم الإدارة فريدريك تايلور، وباشر نظريتة التي صارت معها  عبارته  مدخلاً لإدارة الدولة .

   قائل العبارة هو رئيس “حركة أمل”، ورئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، والذي كررها في استحقاقات كثيرة لاحقة كما لو أنها مُسلَّمة، لا مجرد نزوة تجارية سقطت على السياسة قبل ثلاثين عاماً.

     والمرء لا يحتاج إلى فطنة ليعرف مبتدأ العبارة ومنتهاها. يكفي أن يستدرجه إلى معناها بائع بطيخ يفترش بضاعته على قارعة الطريق. العبارة والحال بنت التجارة، وبنت السوق.

 نحن إذن أمام عبارة تتناسب مهنياً مع بائع بطيخ “عدلوني”(نسبة إلى بطيخ بلدة عدلون في الجنوب)، أو تاجر بطيخ في سهل الوزاني على الحدود مع فلسطين، وهي غالباً مُحفِّز لاستدراج الزبائن. لكن أن يكون قائلها “رجل دولة” كنبيه بري، فالظن أن المآل الذي بلغه حال هذه الدولة، يفترض أن يعفي اللبنانيين عموماً من تقصي أسبابه.

  أيضاً،العبارة  غالباً ما يستحضرها مناصرو رئيس حركة “أمل” لدفع التهمة عنه كشريك في تحلل الدولة- الجثة في راهنها. في رأي هؤلاء أن رئيسهم هو مع قيام الدولة، لكن خيار شركائه في المحاصصة، واستئصال الكفاءة منها، أملى عليه مجاراتهم. وهذا منطق يفترض أن يصح في تجارة البطيخ، بقدر ما يدفع برجل الدولة إلى مواجهة هكذا مقاربة من موقع المعارضة، وهذا لم يكن حال نبيه بري.

   ورئيس حركة “أمل” لم يُكلِّف اللبنانيين كثيراً مشقة تقصي أي من مقاربتين حكمتاهم على مدى ثلاثة عقود. اختار نبيه بري بالتكافل والتشارك مع كل السلطويين أن تسود في لبنان “دولة البطيخ والسكين”.

     البطيخ  فقد على مدى عقود ثلاثة، بالتواتر، الكثير من مذاقه. متذوقوه يعرفون ذلك. وهو خضع لمحاولات تهجين عديدة غايتها الربح، وبجودة أقل. صرنا والحال هذه، أمام فاكهة بأحجام غير معهودة في فطرتها الأولى، وتستوفي نضجها قبل أوانها. صرنا أمام بطيخ “خديج” غير ذي نكهة، لكن لونه أحمر. واللون، فقط اللون، هو تحديداً سعفة السكين في البطيخ وفق عبارة بري.

 وحال “دولة البطيخ ” يتناسب مع حال تلك الفاكهة الصيفية. هذا حال التضخم الوظيفي مثلاً، وبكونه أبرز وجوه نظرية “عالسكين يا بطيخ”، أما الطائفة فليست إلا اللون في ذلك التناسب بين الدولة والبطيخ.

  “دولة  البطيخ”هي مشاع سياسي لمستثمرين كثر. وليد جنبلاط مثلاً أكثر من يقترب زمنياً من صاحب نظريتها. والأخيرة لا شك تؤسس نوعياً لشراكة بين “قطبين” محترفين في تسويقها. واحترافية كهذه استطاعت أن تستدرج ممن استدرجتهم إلى سوقها، رجل الأعمال رفيق الحريري ، ثم وريثه سعد الدين. الأخير سيكون بالتقادم أسير نظرية “البطيخ والسكين” قبل أن يجد نفسه “تاجراً” مفلساً ترك مكانه لشريك نموذجي آخر إسمه نجيب ميقاتي.

     ومشاع البطيخ السياسي يتسع ولا يضيق. كان الياس الهراوي الشريك المضارب الخامس في ذلك المشاع ، لكن بكفاءة أقل من شركاء كبري والحريري(الأب) وجنبلاط وميشال المر. مثله أيضاً ميشال سليمان في مرحلة انتقالية شهدت دخول شريك مضارب جديد ، وبإمكانيات هائلة، وسيتحول لاحقاً إلى الشريك الذي لا شريك له.

   زمن البطيخ المهجّن هو زمن “حزب الله”. الزمن الذي لم تعد تتزاحم فيه السكاكين على البطيخ، الذي تحول إلى حوافز يمنحها الأمين العام للحزب. رئاسة الجمهورية بالمناسبة لم تكن إلا نموذج عن البطيخ المهجّن.

  وحده إذن سكين السيد حسن نصرالله ساد في المشاع. أما التحفيز الزبائني الذي باشر وراكم مساره مع نبيه بري والآخرين، فقد آل مع نصرالله إلى زبون وحيد، ميشال عون (ومعه جبران باسيل) زبون جنى بطيخ السنوات الست الأخيرة  التي كانت كلفتها عالية جداً على اللبنانيين، حين جرى تسليط السكين على رقابهم.

   عود على بدء. يستدرجنا البطيخ إلى مثل من الموروث الشعبي: “البطيخ بيسلي وبيحلِّي وبيطعمي حمار”.

راهناً، التسلية مزاج أنس آيل إلى الإنقراض لصعوبة المواءمة بين “بزر” البطيخ والبؤس العام. أما “الحلاوة” فمذاق يندثر أمام المرارة الكثيفة التي يتذوقها اللبنانيون يومياً. بقي الحمار، وهو متروك لمخيلة القارئ.

 والحال، ورغم افتقار المثل راهناً إلى الكثير من متنه، لكنه لم يفقد أساسه. البطيخ باقٍ ويتمدد.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني