fbpx

عن حذاء المرابي والمضارب رياض سلامة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الصورة لا تجيب على أكثر من أنه لم يسرق الذهب. علينا أن نقدر له حفظه أمانة ثروتنا الذهبية التي لا تتجاوز قيمتها الخمسة مليارات دولار، أما المئة والعشرين ملياراً التي أطاحتها هندساته المالية، فهي خارج الكادر، ومن المستحيل أن تشملها الصورة، ثم إنها أوراق وأرقام، وليست ذهباً لامعاً

الصورة التي التقطها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لنفسه وسط سبائك الذهب، والتي أراد منها أن يقول للبنانيين أنه لم يسرق ذهبهم، تقول أكثر مما أراد الحاكم أن يستنطقها به، فللحاكم قوام رجل المافيا، والثياب التي انتقاها لهذه اللحظة “الاستثنائية” تبعث على الحيرة. الحذاء ليس حذاء حاكم للمصرف المركزي، والبنطلون أضيق من أن يرتديه رجل تجاوز السبعين من عمره، وربطة العنق لا تكفي لقول كل شيء. 

هو رجل المافيا الذي لم يسرق ذهبنا، لكنه وحده من يتاح له أن يلتقط صوراً لنفسه محاطاً بالسبائك اللامعة التي تعكس بريقاً يشبه الضوء الذي حرمنا منه بسبب انقطاع الكهرباء في مطابخنا. 

رجل المافيا، ذو الحذاء البني، المبتسم وسط سبائك الذهب، تظهر نعمة ودائعنا على محياه. مشبع بالحياة، وممتلئ بالمنصب الذي يشغله منذ نحو 30 عاماً، لم تقترب الكوليرا من منازله الكثيرة، ولم يتعثر بدفع مستحقات الجامعات لأولاده. الصورة لا تجيب على أكثر من أنه لم يسرق الذهب. علينا أن نقدر له حفظه أمانة ثروتنا الذهبية التي لا تتجاوز قيمتها الخمسة مليارات دولار، أما المئة والعشرين ملياراً التي أطاحتها هندساته المالية، فهي خارج الكادر، ومن المستحيل أن تشملها الصورة، ثم إنها أوراق وأرقام، وليست ذهباً لامعاً. علينا أن نهملها وأن نبقي على صورته في خزنة الذهب.

رياض سلامة لم يسرق الذهب. شكراً رياض، لقد غمرتنا بلطفك. يكفينا بريق السبائك وقد أشع على وجهك فظهرت الابتسامة التي لطالما افتقدناها في حاكم مصرفنا منذ يفاعته.

ربما أراد رياض سلامة من خلال الصورة أن يرشح نفسه لولاية جديدة بعد انقضاء ولايته التي أهداه إياها ميشال عون عندما جدد له، أو أن يقترح نسخة عنه، وأن يقول للبنانيين أنتم بحاجة لمرابٍ جديد للمنصب، وليس لمحام أو قاض يحاصر نفسه بالقوانين، ويعجز عن تجاوزها. نعم الصورة تقول ذلك أيضاً. حذاؤه البني يقول ذلك.

هذا الرجل يحب الحياة، وهو لا يشبه سلفه الذي اشتُهِر بصورة له مختبئاً وراء المتراس في المبنى ذاته الذي كان أيضاً يحوي سبائك الذهب. إنه إدمون نعيم. هل تذكرونه؟ المحامي الزاهد والذي لا يحب بريق الذهب، والذي لا تملك زوجته متجراً لبيع التحف المرتفعة الثمن في “الداون تاون”، ولا تملك مساعدته مطعماً فاخراً في اليونان. ادمون نعيم الذي لم يحتج صورة بين سبائك الذهب. لم يشك أحد بأمانته، ووحدهم قناصة الحرب الأهلية من وجهوا بنادقهم إلى مكتبه.

صورة رياض سلامة وسط سبائك الذهب تقول كل هذا، وتقول أكثر. تأخذنا إلى حاجة الرجل إلى أن يذكرنا بأنه لم يسرق الذهب، وأن خلف ابتسامته طمأنينة إلى أن ثروته لن تحد منها الدعاوى القضائية التي تحاصره في فرنسا وسويسرا وليختنشتاين وغيرها من دول الفساد وغسل الأموال. والصورة تقول أيضاً “إن ميشال عون غادر القصر ورياض سلامة لم يغادر مصرف لبنان”، على ما غردت وسيلة إعلام يمولها من ودائعنا، وأن الأشهر المتبقية من ولايته ستكون أشهر عسل، على رغم الكوابيس التي سترافق اللبنانيين خلالها.

بعد أشهر ستنتهي ولاية رياض سلامة. هل تتخيلون لبنان من دونه؟ ثم ماذا عن خليفته؟ من سيتولى إدارة الكارثة التي خلفها؟ وهل سيعثر الحاكم الجديد على الوثائق التي أفضت إلى أكبر انهيار مالي في التاريخ؟ هل سيكون بمستطاعه معرفة من نجح بتحويل أرصدته إلى الخارج؟ الحاكم الجديد سيتم اختياره لكي يحفظ ويحمي كل هذه الأسرار.

وربما أراد رياض سلامة من خلال الصورة أن يرشح نفسه لولاية جديدة بعد انقضاء ولايته التي أهداه إياها ميشال عون عندما جدد له، أو أن يقترح نسخة عنه، وأن يقول للبنانيين أنتم بحاجة لمرابٍ جديد للمنصب، وليس لمحام أو قاض يحاصر نفسه بالقوانين، ويعجز عن تجاوزها. نعم الصورة تقول ذلك أيضاً. حذاؤه البني يقول ذلك.

أما آخر ما تقوله الصورة فهو أن الذهب لم يسرق، وكل ما عداه لم يعد له من أثر. هذا كل ما بقي في المصرف، أما الودائع فقد تم تسفيرها وتحويلها إلى الخارج، وعليكم أن تتعايشوا مع هذه الصورة ومع ما تقوله. فالرجل ظهر علينا فجأة من خارج المشهد. ظهر علينا من بين سبائك ذهبنا الذي ائتمناه عليه، وها هو يؤدي الأمانة لأصحابها. أما الودائع فليست أكثر من أرقام وأوهام. 

الحذاء البني هو أقوى ما في الصورة، وهو ما يعيدنا إلى حقيقة أننا أتينا بمراب ومضارب لنستأمنه على مدخراتنا. إنه حذاء المرابي.        

إقرأوا أيضاً: