fbpx

كيف ساد التعليق الرياضي الرديء عربياً؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بات مألوفاً أن تسمع الرأي القائل بأن “متعة كرة القدم” تتركز في التعليق الحماسي المصاحب للمباريات، رغم كل ما يحمله من ضجيج وصراخ وأخطاء وشعبوية، تحول بعض المعلقين إلى نجوم مؤثرين لا يكفون عن الهرف بكل المواضيع.

قبل نحو عامين، وصف المعلق التونسي عصام الشوالي المهاجم البلجيكي روميلو لوكاكو- لاعب إنتر ميلان الإيطالي بـ”الدب”، بعدما فوّت اللاعب الضخم فرصة خلال انفراده بحارس مرمى الفريق المنافس. مرّ التعليق الغريب الى حد الإهانة مرور الكرام. 

لم يُثر الوصف الذي يعتبر شتيمة في الثقافة العربية على الأقل، ردود فعل مستنكرة جديرة، ولا حتى نقاشاً عاماً حول المعايير المهنية التي تسمح للمعلق أن يستخدم وصفاً كهذا (بالأحرى غياب تلك المعايير)، ولم يُطرح جدل بشأن صوابية استخدام هكذا وصف، حتى لو كان وصفاً محبّباً، بحق لاعب ضخم البنية أسمر البشرة. على العكس تقريباً، احتفت بعض الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي بما اعتبرته تعليقاً ظريفاً.

وفي الواقع، لم تكن تلك الحادثة هي الوحيدة التي تستحق أن تثير استنكاراً، أو على الأقل، جدلاً مفيداً وصحّيّاً وضروريّاً حول التعليق الرياضي، وتحديداً التعليق على مباريات كرة القدم، في العالم العربي، حول مستوياته ورداءته أو تميزه، معاييره المهنية، وقيمه الثقافية والاجتماعية، وحتى السياسية. وبينما بات مألوفاً أن تسمع الرأي القائل بأن “متعة كرة القدم” تتركز في التعليق الحماسي المصاحب للمباريات، رغم كل ما يحمله من ضجيج وصراخ وأخطاء وشعبوية، تحول بعض المعلقين إلى نجوم مؤثرين لا يكفون عن الهرف بكل المواضيع، والحديث حول أي شأن سواء خلال بث المباريات أو خارجها عبر حساباتهم على السوشال ميديا، حيث يحظون بمتابعة هائلة (للمعلق الجزائري حفيظ دراجي نحو 3 ملايين متابع على تويتر، ولعصام الشوالي أكثر من مليونين، ولمواطنه رؤوف خليف نحو مليوني متابع).

ساد نمط من التعليق قائم على الكلام المستمر بدون توقف، لا تنقصه أخطاء لغوية، ومعرفية في بعض الأحيان، والحديث في مواضيع ليست ضمن نطاق اختصاص المعلقين، لا مكان للصمت والتقاط الأنفاس، أو الاستماع للصوت الطبيعي القادم من الملعب، لصيحات المدربين، وأهازيج الجمهور. 

وربما يكون من المناسب بشكل مضاعف فتح النقاش حول التعليق الرياضي العربي وأبرز المعلقين، مع انعقاد كأس العالم، مرة لأن المونديال يقام للمرة الأولى في دولة عربية، ومرة أخرى لأن شبكة “بي إن سبورتس”، تملك حقوق بث المباريات للمنطقة العربية (إلى جانب قنوات الكأس)، ولديها، أي شبكة “بي إن سبورتس”، يعمل أبرز المعلقين العرب وأشهرهم. 

فالشوالي مثلاً، وخلال تعليقه على مباراة إسبانيا وألمانيا في الدور الأول، استخدم عبارة لافتة للتعليق على تقدم المنتخب الإسباني بهدف: “واحد إسبانيا… صفر الألوان”، للسخرية من الفريق الألماني والشماتة به، بعد وضع لاعبي المنتخب الألماني أيديهم على أفواههم، خلال التقاط صورة الفريق قبيل انطلاق مباراته الافتتاحية في المونديال ضد اليابان، وذلك على خلفية خلاف مع الاتحاد الدولي لكرة القدم بشأن ارتداء شارة “حب واحد” الداعمة لمجتمع الميم عين.

وفيما قد تكون صورة المنتخب الألماني مثيرة للجدل بالفعل، وقد لا يكون فقط من قبيل الـWhataboutism طرح أسئلة حول صمت اللاعبين الألمان والساسة ووسائل الإعلام  خلال مونديال روسيا قبل أربع سنوات، بشأن الدعاية الرسمية الروسية المعادية للمثليين، عدا احتلال موسكو شبه جزيرة القرم الأوكرانية، وتدخلها العسكري في سوريا دعماً لنظام بشار الأسد ومسؤوليتها هناك عن ارتكاب جرائم حرب واستخدام أسلحة محظورة، وفق منظمات حقوقية محلية ودولية، فإن تعليق الشوالي لم يأت من هذا الباب، وإنما من باب الهوموفوبيا ورفض الاختلاف وتسخيف الرأي الآخر، وسط موجة كراهية ضد المثلية تجتاح وسائط التواصل الاجتماعي العربية منذ الصورة الألمانية.

إقرأوا أيضاً:

لكن كيف تسيّد هؤلاء المعلقون بالذات المشهد الرياضي، ولماذا باتت لهم هذه الشعبية الطاغية في المنطقة العربية؟

قبل عقود، وبين نسختي 1978 و1998، كانت مباريات كأس العالم، تُبث على الشاشات المحلية، عن طريق اتحاد إذاعات الدول العربية. وكان المألوف حينها، أن يواكب المباراةَ تعليقٌ متزن إلى حد ما، باستثناء مباريات المنتخبات العربية، التي كانت مهمة التعليق عليها تذهب، على الأرجح، لمذيع ينحدر من البلد العربي المشارك، وكان الحماس حينها مفهوماً، إذ يمضي على سنّة المباريات الخارجية للفرق الوطنية، والتي كانت تستثير عادة همم المعلقين وصراخهم، سواء في المونديال أو في بطولات أخرى، بينما لم يكن الانحياز والانفعال في مباريات دولية بين فرق عالمية أمرين شائعين. 

إلّا أن تغيرات متسارعة ومتزامنة غيرت المشهد تماماً:

فثورة الاتصالات أتاحت عولمة أكبر لكرة القدم، ولم تعد متابعة كرة القدم مقتصرة على شرائح مهتمة من هواة اللعبة، بل اتسعت شعبيتها بشكل متزايد، ولم تعد الجماهير تنتظر المونديال كل أربع سنوات، بل باتت بطولات الدوريات الأوروبية الكبرى السنوية والبطولات الأوروبية على مستوى الأندية تستقطب اهتماماً متزايداً، وأمسى بإمكان مشاهد جالس في منزله في أي مكان بالعالم، مشاهدة عشرات المباريات شهرياً، بدون أدنى مبالغة، وترافق هذا مع انزياح في شكل المتابعة والتأثير، فرجحت كفة الأندية التي باتت شركات رأسمالية كبرى عابرة للحدود على كفة المنتخبات الوطنية الدولية في عالم الشعبية، وبينما كان المألوف في السابق الجواب على سؤال: ما هو فريقك المفضل؟ باسم منتخب دولة ما، سواء أوروبية أو لاتينية، بات الجواب على السؤال ذاته ينزاح باتجاه أندية تلعب في الدوريات الإنكليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية وغيرها. 

وما كان بإمكان دولة ما بعد الاستعمار العربية المهترئة ومؤسساتها المترهلة، أن تواكب هذه التغيرات الهائلة، وما كانت ميزانيات أجهزتها الإعلامية تسمح بشراء حقوق بث هذا الكم الكبير والنوعي من المباريات، فبات الطريق ممهداً أمام الجهات الوحيدة القادرة مالياً على سد الفراغ، والمقصود هنا قنوات فضائية تجارية خليجية ثرية. 

وأتت نقطة تحول رئيسية مع تأسيس قناة الجزيرة الرياضية (التي سترثها بي إن سبورتس لاحقاً) قبل نحو عقدين، لتبدأ ببث مباريات الدوري الإسباني مجاناً، وسرعان ما انضمت له بطولات أخرى، هذا فيما كانت الصحون الفضائية تغزو أسطح المنازل ونوافذها حتى في أفقر الأحياء الشعبية. وبعد ذلك بأعوام، تحول تفوّق الشبكة عربياً إلى ما يشبه الاحتكار مع شرائها شبكة راديو وتلفزيون العرب- “إيه آر تي”.

وكقوّة إعلامية رياضية شبه وحيدة أو متسيدة بشكل طاغ، لم تستجب “الجزيرة الرياضية” للـ”جمهور عايز كده” عندما كرست هؤلاء المذيعين، وعندما كرس هؤلاء بدورهم هذه الأنماط من التعليق بانفعالاتها المصطنعة وصراخها وانحيازاتها، بل بدت الشبكة وكأنها هي من صنعت الذائقة العربية الرياضية على هذا النحو، رغم أنها تضم صحافيين أكفاء بعيداً عن واجهتها من المعلقين (مع الإشارة إلى أن منافسي الشبكة القلائل لم ينطلقوا من موقع مختلف مهنياً وقيمياً، وإنما من باب المنافسة الاقتصادية والسياسية على مراكز القوة والنفوذ والتأثير، وعلى الأرجح ما كانوا ليكرسوا نماذج مختلفة لو أتيح لهم تحقيق اختراق واسع لاحتكار الجزيرة للمشهد).

 ومنذ البداية، ساد نمط من التعليق قائم على الكلام المستمر بدون توقف، لا تنقصه أخطاء لغوية، ومعرفية في بعض الأحيان، والحديث في مواضيع ليست ضمن نطاق اختصاص المعلقين، لا مكان للصمت والتقاط الأنفاس، أو الاستماع للصوت الطبيعي القادم من الملعب، لصيحات المدربين، وأهازيج الجمهور. 

كما لم تفسح الشبكة وغيرها من القنوات الرياضية العربية مكاناً لبروز معلقات رياضيات من النساء، هذا بينما بات معتاداً على مشاهدة صحافيات ومحللات ولاعبات ومذيعات في استديوهات المباريات المحلية والدولية على شاشات قنوات عالمية.

تبدو المفارقة الأكبر في أن رئيس “الجزيرة الرياضية” و”بي إن سبورتس” السابق أيمن جادة، هو من الأسماء القليلة التي كان بإمكانها تكريس تعليق رياضي مغاير وعالي الجودة، هادئ وغير قائم على الثرثرة والضوضاء، وربما لا يذكر كثيرون أن جادة بالتحديد، أنيطت به مهمة التعليق على نهائي كأس العالم 1994 بين البرازيل وإيطاليا أيام البث العربي المشترك، أما لماذا لم يعمل على ترسيخ المدرسة التي يبدو أنه ينتمي إليها؟ فالجواب لديه.

إقرأوا أيضاً: