نساء في الإعلام: حضور في المشهد…
غياب في القرار

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

“صفر” في كل من الأردن وفلسطين على مستوى مشاركة النساء في قيادات التحرير العليا، وهو رقم يعكس بفظاظة الطبيعة المحافظة والتقليدية التي لا تزال حاضرة بقوة في المجتمعين الأردني والفلسطيني، برغم كل ما حققته نساء بارزات فيهما.

في فلسطين والأردن بلغ عدد النساء اللواتي یشغلن المنصب الأعلى في مؤسسات إعلامية صفراً.

لنتأمل ملياً في هذا الرقم ودلالاته التي قد لا تكون مفاجئة لكنها بالتأكيد مربكة ومحبطة لجهة حقائق لا مفرّ من قراءتها والتمعن في معانيها. 

“صفر” في كل من الأردن وفلسطين على مستوى مشاركة النساء في قيادات التحرير العليا، وهو رقم يعكس بفظاظة الطبيعة المحافظة والتقليدية التي لا تزال حاضرة بقوة في المجتمعين الأردني والفلسطيني، برغم كل ما حققته نساء بارزات فيهما. 

والرقم صفر على مستوى قيادة وسائل الإعلام ظهر في تحليل بيانات أجرته الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار-النساء في الأخبار. التحليل شمل 192 شركة إعلامية داخل 17 بلداً بينها 4 بلدان عربية هي لبنان ومصر والأردن وفلسطين، حيث تم توثيق من يشغل أعلى منصب تحريري وأعلى منصب تجاري في كل شركة، وفق نوع الجنس.

هناك 5 بلدان من بین 17 بلداً، بلغ فيها عدد النساء اللواتي یشغلن المنصب الأعلى في المؤسسة صفراً، ومن بين هذه الـ17 بلداً، هناك بلدان عربيان أي فلسطین والأردن إضافة إلى الصومال ورواندا وكینیا.

بحسب الدراسة وعلى مستوى العالم تشكل النساء 10 في المئة من القيادات المؤسسية و31 في المئة على مستوى القيادة التحريرية. أما في المنطقة العربية فتشكل النساء 7 في المئة من القيادات المؤسسية، في مقابل 22 في المئة على مستوى القيادات التحريرية.

لمزيد من التوضيح على مستوى بعض الدول، في مصر تساوت نسبة النساء في القيادات المؤسسية بنسبتها في القيادات التحريرية وبلغت 9 في المئة فقط. أما لبنان فقد بلغت نسبة القيادات المؤسسية 22 في المئة نساء، مقابل 31 في المئة قيادات تحريرية.

في فلسطين والأردن بلغ عدد النساء اللواتي یشغلن المنصب الأعلى في مؤسسات إعلامية صفراً.

وكان المنصبان اللذان استھدفتھما الأبحاث هما المنصب المؤسسي الأعلى أي الرئاسة التنفيذية ورئاسة مجلس الإدارة، إضافة إلى رئاسة التحرير.

فهذا المنصبان هما المسؤولان بالدرجة الأولى عن الأعمال والسياسات المالية والتحريرية وفي بعض الدول العربية يتم ملء تلك المناصب من قبل سلطات رسمية.

في المؤسسات الإعلامية الخاصة، تحضر المرأة في معظم مراحل إنتاج المحتوى الصحافي، على مستوى المضمون والقدرات التقنية، لكنها تكاد تختفي على مستوى صنع القرار في هرمية المؤسسات. مهم عملياً ورمزياً فهم هوية الأشخاص الذين يشغلون مناصب تحريرية عليا في وسائل الإعلام ويتمتعون بالسلطة والنفوذ. إنهم يشكلون شكل الأخبار وغرف الأخبار ويلعبون دوراً في كيفية رؤية الجمهور للصحافة وللمحتوى المقدَّم.

متابعة الأخبار اليومية لجهة الانتهاكات والعنف الذي تتعرض له نساء في دول مختلفة في منطقتنا، تجعل من تلك الأرقام امتداداً لسياق إجحاف نعيشه بشكل يومي. فالفجوة الهائلة بين الجنسين على مستوى التمييز القانوني وعلى مستوى القرار الاقتصادي والسياسي، كان لا بد لها أن تنسحب على واحدة من أهم مفاصل العلاقة مع المجتمع، أي الإعلام.

على مستوى المشهد، تبدو النساء العربيات حاضرات بقوة، وهو حضور يبدو مراوغاً بصرياً، وله سطوة خصوصاً مع بروز أسماء إعلاميات مشهورات وصحافيات ميدانيات بارزات، لكن هذا لا ينسحب على واحد من أهم مفاصل العمل الصحافي أي القرار المالي الإداري والتحريري. 

فحين تواصل وسائل إعلام عدة مقاربتها النمطية لحضور المرأة ودورها وموقعها، وحين يستمر ذلك الغياب المدوي للنساء في مراكز قرار سياسية واقتصادية أساسية كان لا بد أن يكون القرار الإعلامي صدى مماثلا لتلك المساحة. 

صحيح أن الرقم اللبناني (22 إلى 31 في المئة)، لجهة دور النساء في إدارة القرار المالي والتحرير متقدم نوعاً ما على مصر والأردن وفلسطين، وصحيح أن مشكلة انعدام التوازن جندرياً هي مسألة عالمية، لكن من الصعب عدم قراءة هذه الأرقام في سياقها العربي وتحديداً في الدول الأربع تلك.

إقرأوا أيضاً:

تمثيل ناقص

هل لدينا عدد صحافيات مواز للصحافيين؟ 

هل لدينا أجندة حقوقية ونسوية جندرية بشكل متوازن؟ وهل ينتبه معدو القصص الصحافية لتضمين خبرات نسوية اقتصادية وسياسية ومهنية مختلفة في التحقيقات التي يتم إنتاجها؟ 

كم حجم الحضور النسوي بين العاملين في المؤسسات؟

بعض من أسئلة لا تزال ملحة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار حقيقة أن تمثيل المرأة، على رغم حضورھا في المجال العالم لا يزال ناقصاً، ولا تزال الخطوات نحو تحقیق المساواة الجندریة في المناصب القیادیة بطیئة. 

طغيان الحساسية المجتمعية والقانونية على قضايا أساسية، خصوصاً تلك المتعلقة بقضايا مثل العنف ضد النساء والأمهات العازبات والإجهاض والهوية الجنسية، انعكست على الهرمية التي قامت عليها وسائل إعلام كثيرة.

فتلك قضايا يلقى عليها كل الإرث الثقافي والديني والاجتماعي، بحيث تنعكس المقاربة الإعلامية بوصفها أحكاماً موجودة في المجتمع، ويتعثر الصحافيون والصحافيات العاملون عند حقيقة أن القرار التحريري والقيادي في المؤسسات الإعلامية لا يرغب بالخروج عن ما يتوقعه المجتمع في مقاربة تلك القضايا.

الإعلام مرآة قاسية للحقيقة

لم تحظ المرأة في المجتمعات العربية في أي مرحلة بحقوقها المساوية للرجل. لكن معاناتها في المقابل لم تبلغ ما هي عليه اليوم قهراً وتعنيفاًَ. نحن نرصد على مدار الساعة خليطاً من أحداث تطاول نساء وفتيات، تشي بكم تراجعت قيم المساواة وكم انتعشت الأفكار الظلامية. الاستبداد والإفقار والبطالة وتراجع الحريات وتدني مستوى التعليم وصعود قيم الدعاة الدينيين الذين يكرسون موقعاً دونياً للمرأة في المجتمع في الإعلام الاجتماعي، كلها ظواهر تضخمت في السنوات الأخيرة. هي نفسها السنوات التي تصاعدت فيها معدلات الكتل المهاجرة واللاجئة. 

في معظم تلك الحالات، وقعت على عاتق المرأة أكلاف مضاعفة، في ظل “كورونا” وتصاعد العنف المنزلي والتدهور الذي أصاب حقوق الإنسان وانتكاس العدالة في حقبة انهزام الثورات العربية وانتعاش الأنظمة الاستبدادية.

هذه كلها مؤشرات من المحال ألا تنعكس في شكل وسائل الإعلام ومقارباتها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني