fbpx

كويتية في أنقرة… صقيع الغربة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

غيرتني الغربة كثيراً، بت أسخر من مخاوفي وهمومي، وأقدر كل لحظة جميلة، كما أنني تعلمت عادة جديدة، وهي أن أتوقع غير المتوقع دوماً.

لا أعرف كم مضى من الوقت مذ كتبت آخر مرة.

فقدت شهيتي للكتابة لمدة لا بأس بها لا سيما تلك القابلة للنشر، لأسباب لن أذكرها حتى لا أصيبكم بالملل. حالياً أنا أعمل في الخارج تحديداً تركيا، وهو بلد لا أفضله للسياحة.  

تم ترشيحي من مكان عملي في الكويت في وكالة أنباء مهمة لأكون مراسلة في مكتب أنقرة في تركيا بعد خبرة 15 سنة في الصحافة. 

كل ما كنت أفقهه في مجالي في الكتابة لم يكن كفيلاً ليجعلني أستوعب التجربة. الآن أنا في بلد جديد وسياسة جديدة. 

كنت متخصصة في الصحافة الإنسانية، أما اليوم فعلي أن ألم بكل أنواع الأخبار، تلك التي أحبها، والتي لم أكن لأكترث لها، كالأخبار الاقتصادية والرياضية.

حالياً درجة الحرارة 1 تحت الصفر، ولعطل ما في الباب أنا حبيسة المكتب لمدة لا أعلمها. لكن لحسن الحظ، نوبة الهلع لم تصبني كعادتها في مواقف أقل صعوبة.

شتاء أنقرة كان مرعباً، لا سيما أنني من بقعة تغلي صيفاً وشتاؤها ربيع في عيون أنقرة.

ربما يجب أن أحتجز جبراً لأعود إلى الكتابة التي هجرتها طوعاً.

أظن أن السبب الذي جعلني لا أصاب بنوبة هلع اليوم يعود إلى المشكلات اليومية التي تمر علي هنا، والمواقف الغريبة التي تصادفني، لا سيما أن حاجز اللغة مرهق بالنسبة إلي.

الجميع ينصحني بتعلم اللغة التركية، لكنهم لا يدركون صعوبة الأمر وأنا في عقدي الرابع… يشعرونني بفوقية ذكائهم وغبائي. 

لم أكن معتادة على الأعمال المنزلية ولست أتباهى بذلك، بل حقيقة أنا نادمة لقلة خبرتي التي لو اكتسبتها لوفرت علي الكثير من العناء هنا في غربتي.

لا أعرف مهارات من نوع غسيل الملابس والطبخ وشؤون المنزل لسبب يبدو في الكويت بدهياً، فنحن كمعظم بيوت الكويتيين لدينا عاملة منزلية تقوم بذلك.

هذا ليس “ترفاً” فردياً بل هو طبيعي في معظم البلدان الخليجية، لذلك لم أضطر يوماً لمعرفة كيفية تشغيل الغسالة، حتى أنني أتذكر حين تأملت الغسالة للمرة الأولى، أصبت برعب. شعرت وكأنها مركبة فضائية وكانت كل التعليمات باللغة التركية. مع الوقت أصبحت أدمن غسيل الملابس، لدرجة أن جارتي سألتني ذات مرة هل تغسلينها كل يوم؟ أجبت نعم أليس هذا الطبيعي؟ قالت، لا أعتقد.

ولأنني كائن اجتماعي، يحب زحمة الناس وخوض الحوارات، والاستمتاع بوجبة لذيذة مع صديقاتي اللواتي أتشارك معهن الاهتمامات والمطاعم، شعرت بخيبة أمل من وحدتي، ومع الوقت تأقلمت على تناول وجباتي وحيدة، فيما تؤانسني على الهاتف إحدى صديقاتي في الكويت التي تثرثر كثيراً لتشعرني بأنها معي. تلعب صديقاتي فعلاً دوراً مهماً لتخفيف طول الوقت، بتن يتصلن بشكل متكرر في اليوم الواحد حتى لا أشعر بفراغ وأنا ممتنة لهن، برغم أن ثرثرتهن ترهقتني أحياناً.

لا أعرف مهارات من نوع غسيل الملابس والطبخ وشؤون المنزل لسبب يبدو في الكويت بدهياً، فنحن كمعظم بيوت الكويتيين لدينا عاملة منزلية تقوم بذلك.

ما زلت محتجزة، وما زال زميلي من الخارج يحاول فتح الباب، وما زال الباب عالقاً، وأنا هنا أكتب، حتى إنني حالياً أصور ما يحدث لي في “إنستغرام ستوري” بعدما هجرته فجأة، لاحظوا المفارقة زميلي متوتر أكثر مني، وأنا أكتب وأستمع لأغنية أحبها.

غيرتني الغربة كثيراً، بت أسخر من مخاوفي وهمومي، وأقدر كل لحظة جميلة، كما أنني تعلمت عادة جديدة، وهي أن أتوقع غير المتوقع دوماً.

يعتقد كثيرون أن ما أعيشه، امتيازات وربما هم على حق، لكن كأساً من المرارة لا يمكن تجاهلها، ترافق هذه المرحلة، مهما بدت حلوة من بعيد.

ربما يجب أن أحتجز جبراً لأعود إلى الكتابة التي هجرتها طوعاً.

إقرأوا أيضاً: