fbpx

من يقنع جوردان بيترسون بأنه ليس كارل ماركس؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شهرة جوردن بيترسون وآراؤه الإشكالية جعلته محط إعجاب البعض، وسخط البعض الآخر، إذ يُتهم بالتطبيع مع الذكورية والعنف الجندريّ مستمداً شرعيته وآراءه من بلاغته والكاريزما الخاصة به.

يمكن القول إن جوردان بيترسون هو المعالج النفسي الأشهر في عالمنا اليوم. المفارقة أن شهرته لم تأتِ من مساهماته التي لا تُذكر في علم النفس،  بل من ميله الى امتهان صناعة المحتوى كيوتيوبر وصانع “بودكاست” مثير للجدل. فبعكس علماء النفس أمثال فرويد ويونغ، الذين تركزت كتبهم على بحوثهم العلمية، يرتكز معظم محتوى بيترسون على المستجدات كالحرب الأوكرانية وانتقال الأمير هاري إلى كندا والممثل إيلين بايج العابر جنسياً وفيلم الأميرة والوحش بنسخته الجديدة، مروراً بإنكار الاحتباس الحراري وغيره من القضايا الراهنة.

تثير شهرة بيترسون وتنوع المواضيع التي يتناولها الاستغراب، فعدد متابعيه على “إنستغرام” يقارب 7 ملايين ونصف المليون، وعدد مشتركي قناته على “يوتيوب” يبلغ 6.08 مليون، فكيف تمكّن بيترسون من حصد هذا الكم الهائل من المعجبين العرب والأجانب، عبر إنتاج محتوى لا علاقة له بعمل بيترسون الأساسي؟ خصوصاً أنه اعتمد على عمله ومرتبته الأكاديميّة ليستمد شرعية مزيّفة تتيح له إبداء رأيه في كل شيء؟ 

التماهي مع الـ”عدو” ركيزة أساسيّة للمصداقيّة

اتُّهم بيترسون بمساهمته في الترويج لموجة اليمين المتطرف والذكورية الصاعدة في الغرب. إذ كرس أعماله الأدبية والرقمية للترويج للقيم والمفاهيم الليبرالية الكلاسيكية في الغرب، واعتماد النظرة الاستشراقية حين الحديث مع جمهوره العربي. أبرز هذه الأعمال هو كتاب بعنوان “المانيفستو المحافظ” أو Conservative Manifesto المقتبس عن اسم “المانيفستو/ البيان الشيوعي” الذي كتبه كارل ماركس، وكان نواة للحركات اليسارية حول العالم. 

المثير للاستغراب في كتاب بيترسون، هو دأبه على التماهي الثقافي بماركس عبر محاكاة اسم كتابه، في حين أنه ينتمي إلى تيار فكري مغاير كلياً يرفض اليسار الليبرالي ويقوم على رفض جميع المطالب المحقة والداعية إلى المساواة. ناهيك بقيامه بمدح الكنيسة ونكران العنف الممارس تاريخياً ضد المرأة، وواجب احترام تعدد الهويات الجندرية وحماية فئات المجتمع الأضعف والأكثر هشاشة اقتصادياً، مؤكداً أهمية “حتمية عدم المساواة الاقتصادية” كأساس للازدهار والتقدم. 

المساواة هدف مؤجل  

“نكذب على النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 15 و16 عاماً عندما نقول لهن أن مسيرتهن المهنية هي أهم شيء في الحياة”. يعتبر بيترسون أننا، كمجتمعات، خدعنا الجيل الجديد من النساء عبر إلقاء أهمية كبيرة على النجاح المهني، فتكبر نساء هذا الجيل جاهلات أهمية تكوين أسرة، وتصبحن كئيبات بعمر 35 و40 سنة. طبعاً هذه النظرية ليست جديدة. يسند بيترسون دحضه نظرية عدم المساواة بين الجنسين لمصلحة الرجال، إلى وجود أكثرية ذكورية في السجون وعمالة البناء وضحايا التشرد، أي أن الرجل في الحقيقة هو الضحية لعدم المساواة. وهذا المُستغرب في طرح بيترسون، الذي يعتبر نفسه وتعتبره شريحة واسعة من الناس، مُثقفاً. 

“نكذب على النساء اللواتي تبلغ أعمارهن 15 و16 عاماً عندما نقول لهن أن مسيرتهن المهنية هي أهم شيء في الحياة”.

هل استند إلى إحصاءات وبيّن مصدر الأرقام التي يذكرها؟ طبعاً لا، فمحتوى بيترسون هو رأيه الشخصي مختفياً وراء شرعية تمنحه إياها شهادته الجامعية وخبرته الطويلة في الغرب، وجنسيته ولغته الإنكليزية الرصينة في الشرق. نسأل، هل سينجح أي شخص عربي على مواقع التواصل لو طرح نظرية كهذه؟ طبعاً لا، بل سيهاجم لأنه ليس خريج جامعة مرموقة، ولا يُنتج محتوى بلغةٍ إنكليزية متمكّنة، ولا يستضيفُه الإعلام الغربي مصفقاً لإبداعه في مجاله الذي بالكاد يعمل به أصلاً. 

ينفي بيترسون وجود الرجل الأبيض. وهو موقف مثير للسخرية نظراً الى حمله جنسية بلد وإقامته في بلد آخر. بلدان بُنيا على أنقاض حضارات دمرها الرجل الأبيض ليحمي مصالحه ويتوسع في بقاع الأرض. في صورة أخرى، الرجل الأبيض الذي يستمد صدقيته ونفوذه وماله من كونه الرجل الأبيض، ينفي فكرة الرجل الأبيض. يتم هذا النفي عبر توظيف سلسلة طويلة ومعقدة من أعمال بيترسون القائمة على نكران تام لكل الامتيازات التي يتمتع بها هو نفسه، بسبب موقعه كرجل كندي ثري ولد في عائلة من الطبقة الوسطى أو  أثرى، لم يُضطر أبداً للهجرة ولا يعرف الانتماء الى مجتمعات مهمّشة، لكن يسمح لنفسه بالتنظير عنهما. 

الاستشراق مخاطباً العالم العربي

يبتكر بيترسون محتوى خاصاً بالعالم العربي نظراً إلى حضور العرب ضمن جمهوره الإلكتروني. لكن خطابه هذا لا يخلو من نبرة استعلائية لرجل أبيض ينتمي إلى “العالم المتحضر”، ويتوجّه بكلامه إلى أفرادٍ من “مجتمعات بدائية”. يحدث أن يجد بيترسون حلاً لمشكلات الشرق الأوسط في أحد فيديواته: “حان الوقت للشيعة والسنة في العالم الإسلامي أن يتوقفوا عن الصراع في ما بينهم”. وهو حل لا يختلف كثيراً عن الحلول التي تقدمها وتمولها سفارات وجهات أجنبية لتحسين الشرق الأوسط. كما أنه لم ينسَ طبعاً أن يذكّرنا بوجوب التصالح مع الأديان الأخرى، بخاصة اليهود، في المنطقة.  

نفهم ربما أن بيترسون لا يعي شيئاً عن العالم العربي انطلاقاً من تصريحاته تلك. لن تُحلّ مشكلاتنا إذا وجهنا رسائل لطيفة لبعضنا. لكن المدهش أن جمهور بيترسون في العالم العربي يتبنى وجهة النظر هذه. طبعاً، جوردان لم يتابع عن كثب أحداث الربيع العربي ولا الانقلابات العسكرية التي سبقتها. لم ير قارب هجرة غير شرعية يغرق إطلاقاً. لم يسكن مخيماً لسنوات بانتظار تحرير بلاده. ولم تقصف الدبابات الإسرائيلية منزله أو تجتاح نظيراتها الأميركية قريته. لم يفقد أحد أحبائه بقصف أو اغتيال سياسي، ولم يدمّر بيته بحرب أهلية أو انفجار نيترات الأمونيوم أو قنابل الهاون. 

يسهل على بيترسون وأمثاله ممارسة هوايتهم المفضلة بالتنظير من مسافة أمان تتيح الإصلاح النظري، من دون أن تتسخ يداه بطين الواقع الذي يعج بالتناقضات والدم. لكن نقل مقاربته تلك إلى آخرين يعيشون هذا الواقع ويفهمونه عبر مقاربة بيترسون التي تعج بالامتياز، هو ما يخيف بالفعل. 

أسس علم نفس لدى بيترسون: الهوس بالقوة 

النزعة ضد بيترسون تملأ الجامعات وتسيطر على بعض الوسائل الإعلامية والعالم الرقمي وتزعجه أحياناً، ويوضح بيترسون في إحدى مقابلاته: “تمكنت من تجنب التظاهرات ضدي عندما ألقي خطابات في الجامعات، وذلك باختيار موعدها في الساعة الثامنة صباحاً، لأن لا أحد من الطلاب سيترك سريره ليتظاهر ضد النازية عند الثامنة صباحاً”، يستنكر في مقابلة أخرى وصفه بالنازي لأن هذه المقارنة تؤدي إلى تسطيح الاتهام عبر استهلاكه. 

المؤكد أن بيترسون لا يتحمل النقد ولا يجيد الظهور الإعلامي إن لم يكن غرض الإعلامي من خلاله التصفيق لبيترسون وإنجازاته. يقول بيترسون في إحدى المقابلات لمذيعةٍ سألته عن إهانته الدائمة أفراد مجتمع الميم عين: “انظري الى وضعك، أنت فاشلة على رغم الجهد الذي تبذلينه”. لتبرر له: “ومع ذلك عملت بجد لأصل الى ما أنا عليه”. 

هوس بيترسون بنفسه خصوصاً وبالقوة عموماً، مبني على منطق نيتشاوي وماكيافيلي يطبّقه بنفسه ضمن حالات كثيرة كالمقابلة المذكورة أعلاه. يحضّ الناس على أن يكونوا خطيرين. وهو يميز بين القدرة على أن يكونوا خطيرين وبين أن يكونوا خطيرين بالفعل، إذ يرى فرضية “أن نستطيع أن نكون خطيرين” وسيلةً لحماية الذات.

يكره بيترسون الضعفاء بشكل عام. يسأل في أحد منشوراته: “هل تريد حقاً مكاناً آمناً؟ بل تريد أن تكون ضعيفاً إلى درجة طلب الاحتماء من الأخطار. أنت أرنب مشلول في حفرة وهذه ليست حياة للناس. يجب أن تواجه الأخطار والخبث. الحل لمشكلة المأساة والضغينة هو عبر مواجهتها فتنمو وربما تصبح أكبر من الضغينة والفوضى نفسها”. نعم، أحد أعظم علماء النفس والمفكرين والمثقفين اليوم يدعونا الى مواجهة الضغينة بأن نكون أكبر منها.  

تطرح أسئلة كثيرة حول كيفية تعامل بيترسون مع مرضاه الذين يشعرون بالوهن. هل يهينهم هكذا ويشبههم بالحيوانات؟ أم يختلق وصفات ميتافيزيقية لمعالجتهم؟ والأهم، كيف يتعامل متابعو بيترسون مع من حولهم من الضعفاء الذين لم يؤذوا أحداً، وكيف ينظرون الى من هم أقل منهم ويفتقدون الثروة والقوة؟

الخطير في بيترسون وأمثاله هو الاستقطاب الشديد الذي يشكله لدى الجيل الجديد، واتباع نهج ماكيافيلي مع متابعيه، نهج يُطبّع مع الاستضعاف والنظرة الدونية تجاه الآخر/ الأرنب، الشأن مثير للقلق كونه يُؤدي إلى تطبيع مع العنف في الحياة الاجتماعية كما طبعها ماكيافيلي في الحياة السياسية، فتمسي علاقاتنا مجرد حذر دائم  من الآخر وأخطاره…

إقرأوا أيضاً: