fbpx

رحيل سيدة الشعر القصير… من يحرس أرشيف صونيا بيروتي وآخرين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الشعور بالخسارة الذي يداهمنا مع رحيل إعلاميين وإعلاميات مثل صونيا، لا يأتي من قسوة الموت وحسب، بل لأن الخسارة تبدو أكثر عمقاً حين نسترجع زمنهم ونشاهده يتساقط من حولنا من دون أن نملك أرشيفه الحقيقي خارج “ويكيبيديا” و”غوغل إرث برو”.

تبقى صونيا بيروتي أول امرأة بشعر “غارسون” مرت في حياتي على مدى 31 عاماً حتى الآن. كانت تسريحتها بالنسبة إلي، الدليل الأول على قدرة النساء على الاختلاف والتمرّد، هي من أولى النسويات وبطلات الوعي النسوي اللواتي عرفهن جيلي. الإعلامية المتكلّمة، ذات الجمل المفهومة، وروح الفكاهة والرصانة النابعة من ثقافة عالية حيث الثقة والامتلاء والكاريزما…

عاشت صونيا في زمن آخر اختلف فيه الإعلام، حينها كان خروج النساء إلى الحيز العام صعباً ومضنياً، لا يقارن بما نعيشه الآن. كان خيار من هذا النوع بمثابة انتحار، لكن صونيا بيروتي فعلتها واخترقت الجدار وصنعت مكانتها، ليبدو رحيلها الآن عن عمر 87 عاماً كمن يقطف آخر ورود الحديقة.

صونيا بيروتي

عاشت صونيا كل مراحل المهنة قبل “الأونلاين”، بدأت في الصحافة المكتوبة لتنتقل عام 1963 إلى الإذاعة وبرنامج «فنجان قهوة»، الذي استمر بنجاح نحو خمس سنوات، وتخللته «اسكتشات» كتبتها وشاركت في تمثيلها.

ثم دخلت مصادفة إلى التلفزيون لتقدم “استوديو الفن”، وتحدث جدلاً اجتماعياً بسبب طلّتها وشعرها القصير وقوة شخصيتها وتفرّدها وملابسها وذكائها.

هذه المحطات من المسيرة التي توثق جزءاً كبيراً مما عاشه الإعلام اللبناني على مدى عقود، هي تقريباً كل ما نملكه عن صونيا وعن الزمن الذي كانت إحدى أبرز سيداته.

“نكش” الأرشيف الحقيقي للأشخاص ليس بالسهولة التي يوهمنا بها “غوغل”، فالعثور على مقالة أو مقابلة مكتوبة، عمرها أكثر من 20 سنة يبدو مهمة صعبة بالفعل، وكذا أرشيف صونيا وسواها من المنتمين إلى زمن ما قبل السباق نحو “الأونلاين”. فمسألة جمع ما كتبته صونيا على مدى سنوات طويلة (تتجاوز مسيرتها الـ50 عاماً)، لا سيما أن الكثير من الصحف والجرائد القديمة اندثرت وابتلعتها الثورة التكنولوجية فتبخرت وتبخّر معها أثرها، تبدو مهمّة بحثية شاقة وبعيدة التحقق.

حين سيُذكر اسم صونيا في وقت لاحق، لن يفهم جيل الالكترونيات ماذا يعني بالفعل، ودور صونيا في النضال الإعلامي والنسوي والثقافي، ربما ما يمكن إيجاده هو بعض الفيديوات أو المقابلات سيئة الجودة، عن ما فعلته صونيا وعما قالته وعن مقابلات أجرتها مع أبرز شخصيات العالم العربي، لا سيما مع انتقالها إلى التلفزيون، بعد سنوات أمضتها خلف ميكروفون “فنجان قهوة” في الإذاعة اللبنانية.

في المقابل، يبدو ما كتبته في أكثر من جريدة ومجلة، ذاهباً على الأرجح إلى مصير التداعي، كما حصل مع الكثير من كتاب وصحافيي الأجيال السابقة. فحتى الآن لا تمكن العودة إلى أرشيف جريدة “السفير” (أقفلت في بداية عام 2017)، إلا عبر التواصل المباشر، فيما الموقع الالكتروني يكتفي بنشر المقاطع الأولى من كل مقال. وهو طبعاً لا يحوي كل شيء، ويكتفي بنشر بعض مما كُتب بعد الانتقال إلى الصحافة الالكترونية.

“نكش” الأرشيف الحقيقي للأشخاص ليس بالسهولة التي يوهمنا بها “غوغل”، فالعثور على مقالة أو مقابلة مكتوبة، عمرها أكثر من 20 سنة يبدو مهمة صعبة بالفعل.

مراحل طويلة عاشتها المهنة منذ العهد العثماني وجريدة “حديقة الأخبار” إلى “الأحوال”، وصولاً إلى سليمة أبي راشد ومجلة “فتاة لبنان” عام 1914… إلى كامل مروة وجريدة “الحياة”، ثم “النهار” وجبران تويني و”الأنوار” و L’orient (الشرق) عام 1923… واغتيال سليم اللوزي رئيس تحرير مجلة “الحوادث”، عام 1980، وسلسلة الاغتيالات التي بدأت عام 2005 وطاولت صحافيين مثل جبران تويني وسمير قصير ومي شدياق.

من يبحث الآن قد يجد معلومات عامّة عن المؤسسات الصحافية التي نشأت في السلم والحرب والجوع والقهر والتغيرات الصناعية والاقتصادية والفكرية، وقد يستطيع أن يفهم المرحلة السياسية أو الاجتماعية من خلال الصحف وتطورها… لكن البحث عما كتبه صحافيون وصحافيات تحديداً، لا يبدو مسألة بهذه البساطة، هنا تبدو ذاكرة “غوغل” هشة ومتداعية… تشعر بأنه ينظر إليك معتذراً، آسفاً لأنك كشفت لتوّك واحدة من نقاط ضعفه التي يعمل على إخفائها برشاقة.

في مراحل سابقة في لبنان كانت الصحافة سلطة حقيقية، ترعب السلطات الأخرى والاحتلالات المتتالية، وكانت مصدر الأخبار والتحليلات الوحيد لفهم العالم، وكانت كتابات صونيا بيروتي في جريدة “الحصاد” و”الحسناء” وغيرهما، جزءاً من هذا العالم الذي تم تهميشه تماماً مع الانتقال إلى محرك البحث السريع. وبذلك تمّ التصويب على حكمة البطء لقتلها إلى الأبد، حتى تعيش العجلة وتموت الكثير من الأسماء والقيم والمعاني.

الشعور بالخسارة الذي يداهمنا مع رحيل إعلاميين وإعلاميات مثل صونيا، لا يأتي من قسوة الموت وحسب، بل لأن الخسارة تبدو أكثر عمقاً حين نسترجع زمنهم ونشاهده يتساقط من حولنا من دون أن نملك أرشيفه الحقيقي خارج “ويكيبيديا” و”غوغل إرث برو”.

إقرأوا أيضاً: