fbpx

هل لوّح جعجع بالفيدرالية اللبنانيّة؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

غالب الظن أن أفضل تأويل لمواقف جعجع الأخيرة هو ما قاله في سياق اللقاء عن “سلاح الموقف الذي لا يزال الأقوى في العالم”، وسمير جعجع لا يملك راهناً سوى موقف واحد متاح هو رفضه سلاح “حزب الله”.

في لقائه  الأخير، والطويل، مع قناة “الجديد”، لم يباشر رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع، جديداً في مواقفه المعروفة من سلاح “حزب الله”، إلا في الموقف الذي فتح شهية الخصوم والحلفاء على تأويله. “كل الخيارات متاحة ولن نقبل أن نبقى محكومين من دون شيء قانوني من خلال حزب الله”، قال جعجع.

  في المقابلة المذكورة، استفاض جعجع في تحميل “حزب الله” مسؤولية الفراغ الرئاسي وانسداده عبر محاولة إيصال مرشح مقرب منه، وذلك عبر تعطيل آلية الانتخاب.

  في موقف آخر يقترب من الذي سبق، يقول جعجع: “نرفض سيطرة حزب الله على الشرعية اللبنانية، وإذا استمر في ذلك، فسنعيد النظر بالعمل السياسي”. 

    في الموقفين المذكورين، مارس سمير جعجع التورية السياسية. سوء الظن أيضاً أفضى إلى ما هو أبعد من السياسة على ما وشت تأويلات الخصوم. إنها عموماً معضلة المواقف التي تُرمى بلا سياقاتها ومآلاتها.

 “أخشى ألا يتحمل العرب انتصار المقاومة على إسرائيل أكثر من إسرائيل نفسها”.

  الخشية أعلاه أفضى بها رئيس مجلس النواب نبيه بري لأمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله، بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. لكن بري لم يفصح لنا كلبنانيين من هم العرب الذين ستتملكهم تلك الخشية، لا سيما أن العرب في نظرتهم لإسرائيل، ليسوا على سوية واحدة أمام مفاعيل انتصاراتها أو هزائمها، وحتى في مقاربتهم عداوتها.

  وبري حينها وضعنا أمام خشية ملتبسة على الأرجح. فهل كان يرمي خشيته في وجه الأنظمة العربية التي تعتقد أن العداء لإسرائيل هو شرعيتها التي  تتبدد دونها كل مساوئها؟  وفي أيار/ مايو 2000، كانت هذه حال النظام السوري بصفته الوحيد الباقي من طينة تلك الأنظمة.

  أم أن إيراد تلك الخشية في حضرة أمين عام “حزب الله”، يُفقد السؤال، كما التأويل المذكور واقعيته، حتى لو استحضرنا أيضاً العلاقة الملتبسة بين بري والنظام السوري منذ وصول بشار الأسد إلى الحكم.

  إنها إذاً الأنظمة التي تخففت من حروب إسرائيل بالسلام أو التطبيع، أو بالنفور من حروب راحت تكتسب بعداً مذهبياً حين آل أمر إدارتها إلى إيران. 

 وغالب الظن أن خشية كهذه أكثر واقعية في عقل “حزب الله”، إذا ما افترضنا أن مؤشرات أسبابها هي ما تبدى لاحقاً في سوريا والعراق واليمن.

“نرفض سيطرة حزب الله على الشرعية اللبنانية، وإذا استمر في ذلك، فسنعيد النظر بالعمل السياسي“. 

  خرج “حزب الله” عام 2000 منتصراً على إسرائيل، ولم يُقدَّر له أن يخرج من المهمة الوحيدة التي يتقنها. لكن كلفة الحرب، أو إبقاء الأيدي على الزناد، وتسييل تلك القوة في لبنان وخارجه، أفضت راهناً إلى الكلام الأخير لسمير جعجع عن الخيارات المتاحة في مقابل اتهامه “حزب الله” بفرض خياراته على لبنان.

  رئيس “حزب القوات اللبنانية” كما بري في خشيته آنفة الذكر، لم يفصح عن تلك الخيارات. وغالب الظن أن استدراجه التأويل إلى عقل خصومه كان متعمداً، وقد باشر هذا العقل تأويله من باب “التقسيم”على ما “غرد” نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم.

 في وجدان المسيحيين غالباً، فإن لبنان 1920 قام على قياسهم. والمسحة الوجدانية هذه ولدت لا شك مع السياسة، ثم تكثفت معها لاحقاً.

   وجد المسيحيون لبنانهم ماضياً تحت وطأة السلاح الفلسطيني فاستعانوا بإسرائيل، ووجدوه راهناً في ظلال سلاح “حزب الله” فكان كلام سمير جعجع. ولئن كانت كلفة الواقعة الأولى عليهم هي شكوى راهنهم، فكلفة الخيارات المتاحة في كلام جعجع تبدو ضئيلة.

   وضآلة كهذه تتبدى أقله في أمرين. أولهما أن قدرة جعجع على صرف خياراته، وأياً تكن تلك الخيارات، محكومة راهناً بانقسام مسيحي حاد لم يكن عليه ماضيهم، ثم في استشعار عام بأن قدرة جبران باسيل على التأثير هي أكثر مما هو متاح لجعجع، نظراً إلى الوقائع السياسية الراهنة، وفي موازنة مختلة بين من هو حليف “حزب الله”، وبين ألد خصوم الأخير.

  الأمر الآخر، والمفترض عدم غيابه عن عقل جعجع، أن الذهاب نحو خيارات تطاول التركيبة اللبنانية، وفي ظل استعصاء القدرة داخلياً، يفترض الاستعانة بخارج ما، لن يكون  إسرائيل بالطبع، كما يهذي الممانعون، فيما المتاح  راهناً يقارب العدم  إذا ما استثنينا المملكة العربية السعودية التي تصارع للحفاظ على ما تعتبره أكبر إنجازاتها اللبنانية، اتفاق الطائف.

  السعودية تعيدنا إلى خشية الرئيس نبيه بري ذاتها.

  شكلت خصومة “حزب الله” مشتركاً بين المملكة العربية السعودية وسمير جعجع. الأخير صار أحد حليفين هما الأقرب إليها في ظل التصدع السني. لكن التماهي في علة الخصومة لا يفترض بالضرورة تماهياً مماثلاً في مواجهتها. قد يصح الظن أن الطرفين يتقاطعان عند حتمية مستعصية مع “حزب الله”، الحرب، لكن  الأخيرة  خارج تورية الخيارات التي تحدث عنها جعجع، أقله لأسباب تتعلق بتلاشي القدرة على خيار كهذا بين حزب مسلح، وحزب يحاول تكثيف “مدنيته”، ويعرف أن خياراً كهذا، بافتراض إتاحته، هو الانكسار الأخير للمسيحيين.

 الحليف الآخر هو وليد جنبلاط. تغريدة الأخير التي أعقبت كلام جعجع وشت على الأرجح بتواطؤ سعودي- جنبلاطي، تكفل رئيس “الحزب التقدمي الإشتراكي” بتظهيره. 

 والحال، تحدث سمير جعجع عن خيارات متاحة، عازياً  فعل مباشرتها الى غياب المسوغات القانونية، من خلال تحكم “حزب الله بالبلد، وهذا مؤشر الى أن مواقفه محكومة بالقانون، وتدفع إلى  تجفيف تأويلات كثيرة اذهبت نحو خيارات مستحيلة . لكنه فِعل التورية في الخيارات، وقد تعمدها، وتم تأويلها حرباً حيناً او تقسيماً أحياناً، أو فيدرالية آونةً، لكنها لن  تكون أكثر من جولة من جولات التنافر المسيحي – المسيحي بين سمير جعجع وجبران باسيل، أو محاولة هشة لكسر الانسداد الرئاسي، على غير ما يشتهي “حزب الله”.

     غالب الظن أن أفضل تأويل لمواقف جعجع الأخيرة هو ما قاله في سياق اللقاء عن “سلاح الموقف الذي لا يزال الأقوى في العالم”، وسمير جعجع لا يملك راهناً سوى موقف واحد متاح هو رفضه سلاح “حزب الله”…

إقرأوا أيضاً: