fbpx

إحراق المصحف في السويد… قمّة هرم العنصريّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا أشعر أبداً بالأمان وأنا أمشي في شوارع ستوكهولم وسط البلد حيث الغالبية البيضاء، بينما نحن “الأجانب” نعيش في ضواحي المدينة. أمشي واعيةً بتلك الحوادث العنصرية، وأقول في سري دائماً، يا ترى هل سيأتي دوري اليوم؟

لم أستغرب أبداً إحراق اليميني المتطرف راسموس بالودان، المصحف أمام السفارة التركية في السويد، الأمر الذي يستفزّ شريحة واسعة من المسلمين. يدرك راسموس ذلك تماماً، إذ فعل ما فعله بهدف الاستفزاز الذي نجح بإثارته. 

يُوظف بالودان حقه القانونيّ في التعبير، الذي يضمنه الدستور السويدي، من أجل الترويج لأفكاره المتطرفة. ومع ذلك، استنكر رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون الواقعة، خصوصاً أنها تزامَنت مع أزمة سياسية مع تركيا، التي تعترض على انضمام السويد إلى حلف الناتو.

لم يكن تصرف بالودان مستغرباً، فكراهية الأجانب في السويد تتصاعد، والتصريحات الرسميّة عن “ترحيل” اللاجئين تزرع الرعب في قلوب المهاجرين في السويد، ناهيك بأن جرائم الكراهية بدوافع عنصرية تزداد بحسب بيان عن السجل الدوري لحقوق الإنسان في السويد 2020، خصوصاً بين عامي 2013 و2016. يشير البيان أيضاً، إلى زيادة جرائم الكراهية بدوافع معادية للدين، ووفق المجلس الوطني السويدي لمنع الجريمة في 2021، لا يُبلّغ عن جرائم كراهية كثيرة، في ظل انخفاض مستوى الثقة في الشرطة. 

لا أشعر بالارتياح كصحافية وباحثة يمنية عربية سمراء مقيمة في السويد، أكتب باللغة الإنكليزية عادةً، لكني أشعر غالباً بعدم ارتياح حين  أتناول  السويد بأي لغة كانت.

أقيم في السويد منذ نحو 12 عاماً، استوعبت خلالها هذه الكراهية وجذورها، إذ شكل انفجار ستوكهولم الإرهابي نهاية 2010 نقطة مفصلية في تاريخ السويد، إذ تكررت بعدها حوادث واعتداءات تحركها “كراهية الأجانب”، بعضها يصل حدّاً لا يصدق، فخلال الأشهر الستة الماضية دفعت امرأة سويدية رجلاً ذا بشرة داكنة نحو سكة الحديد في ستوكهولم، لعلّ القطار يدهسه، لكن لحسن الحظ، توقف القطار على مسافة بسيطة من الرجل ولم يدهسه. 

شهد شهر تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، جدلاً أثارته السيدة كات زو، الأميركية من أصل آسيوي، المقيمة في ستوكهولم، إذ نشرت على “تويتر” توثيقاً لحوادث عنصرية مقيتة اختبرتها في ستوكهولم، هاجمها فيها أناس ذو بشرة بيضاء وشتموها بألفاظ عُنصريّة، تحوّل الأمر لاحقاً إلى قضية رأي عام في السويد، وهُوجمت زو واتُّهمت بأنها عميلة وجاسوسة صينية. 

لا أشعر أبداً بالأمان وأنا أمشي في شوارع ستوكهولم وسط البلد حيث الغالبية البيضاء، بينما نحن “الأجانب” نعيش في ضواحي المدينة. أمشي واعيةً بتلك الحوادث العنصرية، وأقول في سري دائماً، يا ترى هل سيأتي دوري  اليوم؟

لا أشعر بالارتياح كصحافية وباحثة يمنية عربية سمراء مقيمة في السويد، أكتب باللغة الإنكليزية عادةً، لكني أشعر غالباً بعدم ارتياح حين  أتناول  السويد بأي لغة كانت، حتى إنني  أتجنب الكتابة عن السويد بالإنكليزية تماماً. أذكر أنني حين كتبت عن السويد أول مرة عام 2012، صُدِمت من رد الفعل. كتبت آنذاك عن منطقة رينكيبكي Rinkeby في عاصمة ستوكهولم وعن الفصل الاجتماعي والتمييز العنصري. بعدها، تلقيت أعداداً مهولة من الشتائم ورسائل الكراهية عبر موقع مدونتي، رسائل كـ”عودي إلى بلدك”، “عودي إلى بلادك، بلاد القاعدة”، “كان يجب أن تكوني ضحية زواج الصغيرات في بلدك وعدم القدوم الى السويد”.

“كيف لم تتزوجي من سويدي في السويد؟”، “أليس هناك رجال صالحون للزواج في السويد”.

أعرف أن ردود أفعال كهذه شائعة تجاه أي أحد خارج “العرق الأبيض”، فخلال الأعوام الماضية، كانت الإعلامية والفنانة السويدية من أصل فلسطيني غنى ديراوي، محط هجوم حاد قادَه أنصار اليمين العنصري المتطرف، ووصل الأمر إلى تهديدها بالقتل من خلال آلاف الرسائل. أما لاعب كرة القدم السويدي من أصل بوسني زلاتان إبراهيموفيتش، فيتحدث بوضوح وصراحة عن العنصرية التي عانى منها في السويد في طفولته وحتى في قمة نجاحه في مسيرته الكروية. 

القضية المركزية في السويد هي سيادة البيض Swedish whiteness،  وفي ما عدا ذلك فهو شأن ثانوي، أما بقية “الألوان” فهم أسفل السلم العرقي والاجتماعي. وفي السويد مصطلح مثير للاهتمام، قادممن زمن الفايكنغ الإسكندنافي، ألا وهو “الجماجم السوداء”، ما يعني أي شخص شعره أسود. لا يُستخدم هذا المصطلح العنصري اليوم، هو شأن معيب، لكنه يختزن نظرة المجتمع السويدي الأبيض، لكل ما هو غير أبيض وأشقر.

لا تعكس قضية إحراق المصحف الأخيرة من راسموس، القصة الكاملة ولن تكون الأخيرة. أتوقع حوادث أكثر مع انتشار التيار اليميني في السويد، والدليل أن الحزب العنصري اليميني السويدي “ديمقراطيو السويد” هو ثاني أكبر حزب في البرلمان السويدي. 

انهالت عائلتي عليّ بالأسئلة في زيارتي الأخيرة إلى اليمن: “كيف لم تتزوجي من سويدي في السويد؟”، “أليس هناك رجال صالحون للزواج في السويد”، أجيب، لم يأت النصيب بعد. لم أستطع أن أخبرهم عن تجربتي الصعبة في الحديث مع الرجال السويديين البيض عبر تطبيقات المواعدة في السويد. يبدأ الحديث عادة بأسئلة كـ “هل أنت متدينة؟”، “هل سبق أن لبستِ الحجاب؟”، “هل أنت مسيحية أم مسلمة؟”، “هل أنت سنية أم شيعية؟” ينتهي الحديث عادةً بعدَ أسئلة كهذه. 

على رغم أن السويد بلد جميل، فهو كأي مكان في العالم، لديه إجابياته وسلبياته. أنا كأجنبية في السويد أعيش في نضال شخصي مستمر لأن ثقافة السويد لا ترحب بي كأجنبية، وأدرك تماما أيضاً، أن بلادي اليمن التي أعشقها لا تقبلني بعملي السياسي والإعلامي. 

إقرأوا أيضاً: