fbpx

نحن وبيئة “حزب الله”… “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الحقيقة أن ثنائية “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا” إذا ما نُظر إليها اليوم تبدو تحبيذاً لعالم الهويات الحادة والمتصارعة التي يعيشها عالمنا المضطرب بتأثير القوميات الشعبوية، لكنها تعاكس الميل الآخر في العالم، وهو ديمقراطي وتعددي يمجّد الاختلاف ويؤكد على أهمية “الآخر”.

قبل سنوات قليلة بدأ يدرج في لبنان تعبيران متلازمان ومتعاكسان: “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا”. وأغلب الظن أن توسيع “حزب الله” لدرجة الاختلاف القائمة أصلاً بين اللبنانيين، هو ما كان وراء انتشار هذين التعبيرين. ففي بعض الملبس والطقوس وبرامج أو مواد التعليم لم تفترق بيئة “حزب الله” عن بقية اللبنانيين فحسب، بل افترقت أيضاً عن الشيعة الذين لا يدورون في فلك الحزب. وقد أخذ الافتراق أشكالاً أخرى على صعيد المؤسسات والأمكنة: فإذا كانت للبنانيين عاصمة هي بيروت، فعاصمة الحزب هي الضاحية الجنوبية، وإذا كان لهم رئيس هو رئيس الجمهورية فإن “رئيس” الحزب هو أمينه العام حسن نصر الله، وفي مقابل الجيش اللبناني هناك جيش الحزب. وهذا فضلاً عن خلافات عميقة وكثيرة في النظر إلى العالم والعلاقات الخارجية وسوى ذلك.

وربما كان هناك سبب آخر وراء ثنائية “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا”، هو شعور قسم غير ضئيل من اللبنانيين بأن سياسات معينة فُرضت عليهم وأبعدتهم من الغرب الذي يُفترض أنه “يشبههم”، وهذا إنما يرجع إلى تاريخ طويل كان يقال فيه إن لبنان جزء من الغرب ومن حضارته. بهذا المعنى، اشتملت ثنائية “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا” على نوع من الحنين المحبط والممنوع. 

لكن رد هذه الاختلافات والعواطف، سواء بسواء، إلى “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا”، لا يصف إطلاقاً مشكلات اللبنانيين، وقد يكون، في الوقت نفسه، خطيراً في دلالاته كما في الاحتمالات التي قد تترتب عنه.

فالحقيقة، إذا ما دخلنا في شخصيات البشر وتفاصيلها الداخلية، فلا أحد يشبه أحداً بالمعنى المطلق، لا الأخ وأخوه ولا الزوجة وزوجها. أما درجة الشبه فهي، بالمعنى النسبي، أعلى ما تكون في القبائل والقرى والبيئات المغلقة، حيث يعيش الإخوان وأبناء العم وأبناء الخال متجاورين، وعلى مقربة من إخوان وأبناء عم وخال مشابهين لهم إلى هذا الحد أو ذاك. لكن درجة الشبه تنخفض كثيراً في المدن التي تقوم على الاختلاط بين جماعات مختلفة، وعلى السكن في جوار غرباء، وعلى استقبال هجرات جديدة ومتواصلة لأجانب وطارئين قد يتحدثون لغات أخرى ويدينون بأديان أخرى، وقد تتلوّن سحناتهم نفسها بألوان غير مألوفة تقليدياً في البلد المعني.

وحتى في زمن ما قبل حزب الله، كانت هناك اختلافات يصعب تجاهلها، ليس فقط داخل المدن، بل أيضاً داخل القرى، تنجم عن فوارق في العمل والدخل أو في السكن أو التعليم أو مدى الاحتكاك بالمدينة. وكانت القرية الواحدة تضم من تضع المنديل على رأسها ومن لا تضعه، ومن تلبس فساتين “قليلة الاحتشام” ومن لا تلبس، ومن يؤدون فرائض دينية ومن لا يفعلون. وفي هذا يصح في اللبنانيين ما يصح في شعوب الأرض قاطبة.

وإلى ذلك، نذكر أن الفولكلور الثقافي اللبناني كان، عن قصد أو غير قصد، يحتفل بالاختلاف، حين يؤكد أن لبنان هو عدد من الطوائف، وهو اجتماع البحر والجبل، ولقاء الإسلام والمسيحية، وتفاعل الشرق مع الغرب، إلى ما هناك من صيغ ذات دلالة وإن لم تخلُ من مبالغات وامتداح للذات. أما حين يُكتب تاريخ هذا البلد فتُذكر أقوام وشعوب تعود إلى الفينيقيين ومن سبقهم ولا تتوقف عند العرب ومن أتى بعدهم. 

المشكلة ليست ما إذا كان آخرون “يشبهوننا” أم لا، بل المشكلة هي ما إذا كنا قادرين على تنظيم اختلافنا والعيش معاً.

والحقيقة أن ثنائية “يشبهوننا” و”لا يشبهوننا” إذا ما نُظر إليها اليوم تبدو تحبيذاً لعالم الهويات الحادة والمتصارعة التي يعيشها عالمنا المضطرب بتأثير القوميات الشعبوية، لكنها تعاكس الميل الآخر في العالم، وهو ديمقراطي وتعددي يمجّد الاختلاف ويؤكد على أهمية “الآخر”.

يُستخلص مما سبق أن الاحتفال بعدم الشبه أغنى وأكثر تقدماً وعصرية من الاحتفال بالشبه. أما الذين يفعلون العكس، وكما تقول تجارب كثيرة، فهم إما انطوائيون مرضى بكراهية “الغريب”، أو قوميون متعصبون، وربما فاشيون، يزعمون أن ثمة فوارق في الدم والعرق بينهم وبين سواهم. وعندنا في لبنان، وإن على نحو مخفف، عرفنا هذا الخط في التفكير مع الذين أصروا على “هوية عربية” تستبعد سواها وتعيّره بالخيانة، أو الذين أصروا على “لبنانية قحة” لا تطيق أدنى شراكة مع ما هو “قليل اللبنانية”.

وهكذا فإن المشكلة ليست ما إذا كان آخرون “يشبهوننا” أم لا، بل المشكلة هي ما إذا كنا قادرين على تنظيم اختلافنا والعيش معاً. وهذا يعني الاتفاق على بديهيات العيش المشترك، كاحترام القانون، والتسليم باحتكار الدولة وحدها لأدوات العنف، والتوافق على تاريخ مشترك وبرامج تعليم موحدة، ووضع مصالح البلد ومواطنيه على رأس الاهتمام، والتوافق على أين تكمن تلك المصالح، وهو ما يمكن قياسه بالأرقام… 

فإذا أمكن ذلك، وهو الآن لا يبدو ممكناً، فلنختلف بعده ما طاب لنا الاختلاف.

إقرأوا أيضاً: