fbpx

 مسلسل “معاوية”: ماضي الاحتقان الذي لا ينضب   

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المسلسل في أسوأ الأحوال إضافة تاريخية إلى صراع شيعي – سني موغل في الزمن، ورافد لحاضر مثقل بتاريخ لا يريد أكثرهم الخروج منه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 لن يُحسب على مسلسل “معاوية” الذي أنتجته قناة MBC، أنه استدراج لفتنة  كان أبرز من عبر عن الخوف منها، رجل الدين العراقي  مقتدى الصدر. المسلسل في أسوأ الأحوال إضافة تاريخية إلى صراع شيعي – سني موغل في الزمن، ورافد لحاضر مثقل بتاريخ لا يريد أكثرهم الخروج منه.

 أن تتكفل القناة السعودية بإنتاج المسلسل المذكور، أفضى شيعياً إلى تلقف الحدث، ومنازلة جديدة من منازلات الصراع الذي يتماهى فيه المذهبي بالسياسي، إنه والحال سعفة ذهبية لمريدين كثر.

 لم ينسحب رد الصدر كشخصية شيعية وازنة، على كثر من العلماء والمؤسسات الدينية والسياسية الشيعية، أقله راهناً، لكنه وجد صدى واسعاً لدى جمهور مستغرق في ماضيه.

 سنَّ معاوية سُنة شتم علي ابن أبي طالب على المنابر، وتنكب وريثه يزيد فاجعة كربلاء، وفي السياق كانت معركة “صفين” والتحكيم بينهما في تنازع الحُكم،  لكن حدثي السب والفاجعة هما الأكثر التصاقاً بالوعي الشيعي، ويقيمان أيضاً في وعي سني غالب، تخفف من الواقعتين بالإدانة والتبرؤ.

لم يمثل معاوية بن أبي سفيان شخصية مقدسة في التاريخ الإسلامي، وتحديداً في البعد العقائدي السني، وغالب الظن أن معاوية كتاجر وسياسي، ثم كخليفة، لم يبحث عن هذه القداسة،  هو بهذا المعنى ليس كالخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان إذا ما استثنينا رابعهم علي ابن أبي طالب. الأخير يستلب الوجدان الشيعي، يتساوى غالباً في الوجدان السني مع سابقيه، لكن المفارقة أن استحضاره يقترن غالباً بمعاوية، والصراع الدموي بينهما، وإرثهما الديني والسياسي والبيولوجي.

نزع القداسة عن معاوية، لم ينزعه من الوجدان السني كبطل، فهو مؤسس الدولة الأموية التي تكثفت انتصارات المسلمين معها، واتسعت حدودها خارج الجغرافية الإسلامية. المسلسل الذي سيُعرض في رمضان المقبل، هو في الشكل محاكاة لسوابق عن شخصيات تاريخية كعمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد صارت من طقوس شهر رمضان، لكنها لم تثر ما أثارته شخصية كمعاوية من جدل راهن، ولأسباب تتعلق بالإرث الذي سبق ذكره.

لم يمثل معاوية بن أبي سفيان شخصية مقدسة في التاريخ الإسلامي، وتحديداً في البعد العقائدي السني، وغالب الظن أن معاوية كتاجر وسياسي، ثم كخليفة، لم يبحث عن هذه القداسة.

  يبدو كثيرون قبل عرض المسلسل، محكومين بتأويل المتن، لا بأس إذاً من الخوض، ولو احتمالاً، في استقراء أحداثه. غالب الظن، أن القيمين على المسلسل سيحاولون بحذر ملامسة الأحداث التي تلتصق بجوهر الخلاف المذهبي بين شطري الإسلام. ولئن الأمر مستعصياً عموماً، ومؤشراته الراهنة تغذي هذا الاستعصاء، لكنْ هناك أحداث أخرى تسعف هؤلاء. فمعاوية ليس بلا أثر،  هو والي الشام في زمن الخلفاء الراشدين، ومن قادة الفتوحات، و”بطل” معركة ذات الصواري، وهو أخيراً المؤسس الأول للنظام الأوتوقراطي (المُلك) بعد ثيوقراطية(الشورى) الخلافة الراشدية، وصاحب المشروع التوسعي في الحكم، وهذه وقائع تُثري لا شك السجل التاريخي للرجل، بقدر ما تتيح للمسلسل إثراء حلقاته.

  راهناً، كما ماضياً، لا يمكن إحالة الإرث التاريخي شيعياً وسنياً كما لو أنه صراع عقائدي بحت  يُمكن أن يبدده، أو يخفف من وقائعه صوت العقل. أمر كهذا كان ليجعل من رموز دينية كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وهاني فحص ومحمد حسن الأمين وشيوخ الأزهر، يسودون في مللهم أكثر من أن ينتهوا كمغتربين عنها.

 ما ساد قبل المسلسل ومعه، هو الاستثمار في ماضٍ لا تزال وقائعه تُطرح  كجدليات وإشكاليات حتى داخل المذهب الواحد. إنه زمن الإسلام السياسي ، وزمن مقتدى الصدر. لكن الصمت السياسي الشيعي الراهن، لم ينسحب على مواضٍ قريبة كان فيها الإرث الدموي البعيد ضالة المستثمرين. 

 الاستثمار الأكثر إثارة في المواءمة بين الماضي والحاضر، كما بين الإرث الإسلامي والسياسة، يلحظه المرء في المشروع الذي باشره النظام الإيراني بعد انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979. فنحن حيال نظام يتبنى المشروع السياسي لمعاوية بن أبي سفيان بإرث علي ابن أبي طالب.

  تحتشد في المشروع الإيراني الراهن كل المسميات التي تكثف الحضور التاريخي الشيعي،  ألوية الفاطميون، وأبو الفضل العباس، وزينبيون، وحتى “حزب الله”، هذه مسميات عميقة الدلالات في الوعي الشيعي وخارجه. وإن بدا إرث علي التوسعي ضامراً، ومحكوماً بحدود مركز الخلافة في الكوفة، عثر المشروع  الإيراني في إرث معاوية على ما يُثري به طموحه التوسعي، وهذا على الأرجح ما يُضفي أكثر على المسلسل تلك القرينة التي أرادها، وبذكاء، القائمون عليه. إنه موقع معاوية في التاريخ دهاءً وسياسة، والأهم دولته التي تخوض في الحدود عبر الحرب.

 لا بد من الإشارة إلى مفارقة أخيرة عن التلازم بين السياسة وذلك الإرث الدموي، والاستثمار فيهما، فمقتدى الصدر ذاته، وفي العام 2013، وعلى وقع الصراع السياسي الشيعي – الشيعي حينها،  في بلد هو الأكثر قابلية للعصف المذهبي، وربطاً بالتاريخ، خرج على الناس معلناً براءة يزيد ابن معاوية من قتل الحسين ابن علي، في سابقة لم يتجرأ عليها أي شيعي، بل ويتحاشى السني نفسه مقاربتها. كان مقتدى الصدر حينها يراوغ وجدان العراقيين السنة مع مباشرة تنظيم “داعش” دولته الإسلامية كنموذج آخر يغرف من ماضٍ لا ينضب.

24.02.2023
زمن القراءة: 4 minutes

المسلسل في أسوأ الأحوال إضافة تاريخية إلى صراع شيعي – سني موغل في الزمن، ورافد لحاضر مثقل بتاريخ لا يريد أكثرهم الخروج منه.

 لن يُحسب على مسلسل “معاوية” الذي أنتجته قناة MBC، أنه استدراج لفتنة  كان أبرز من عبر عن الخوف منها، رجل الدين العراقي  مقتدى الصدر. المسلسل في أسوأ الأحوال إضافة تاريخية إلى صراع شيعي – سني موغل في الزمن، ورافد لحاضر مثقل بتاريخ لا يريد أكثرهم الخروج منه.

 أن تتكفل القناة السعودية بإنتاج المسلسل المذكور، أفضى شيعياً إلى تلقف الحدث، ومنازلة جديدة من منازلات الصراع الذي يتماهى فيه المذهبي بالسياسي، إنه والحال سعفة ذهبية لمريدين كثر.

 لم ينسحب رد الصدر كشخصية شيعية وازنة، على كثر من العلماء والمؤسسات الدينية والسياسية الشيعية، أقله راهناً، لكنه وجد صدى واسعاً لدى جمهور مستغرق في ماضيه.

 سنَّ معاوية سُنة شتم علي ابن أبي طالب على المنابر، وتنكب وريثه يزيد فاجعة كربلاء، وفي السياق كانت معركة “صفين” والتحكيم بينهما في تنازع الحُكم،  لكن حدثي السب والفاجعة هما الأكثر التصاقاً بالوعي الشيعي، ويقيمان أيضاً في وعي سني غالب، تخفف من الواقعتين بالإدانة والتبرؤ.

لم يمثل معاوية بن أبي سفيان شخصية مقدسة في التاريخ الإسلامي، وتحديداً في البعد العقائدي السني، وغالب الظن أن معاوية كتاجر وسياسي، ثم كخليفة، لم يبحث عن هذه القداسة،  هو بهذا المعنى ليس كالخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان إذا ما استثنينا رابعهم علي ابن أبي طالب. الأخير يستلب الوجدان الشيعي، يتساوى غالباً في الوجدان السني مع سابقيه، لكن المفارقة أن استحضاره يقترن غالباً بمعاوية، والصراع الدموي بينهما، وإرثهما الديني والسياسي والبيولوجي.

نزع القداسة عن معاوية، لم ينزعه من الوجدان السني كبطل، فهو مؤسس الدولة الأموية التي تكثفت انتصارات المسلمين معها، واتسعت حدودها خارج الجغرافية الإسلامية. المسلسل الذي سيُعرض في رمضان المقبل، هو في الشكل محاكاة لسوابق عن شخصيات تاريخية كعمر ابن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وهارون الرشيد صارت من طقوس شهر رمضان، لكنها لم تثر ما أثارته شخصية كمعاوية من جدل راهن، ولأسباب تتعلق بالإرث الذي سبق ذكره.

لم يمثل معاوية بن أبي سفيان شخصية مقدسة في التاريخ الإسلامي، وتحديداً في البعد العقائدي السني، وغالب الظن أن معاوية كتاجر وسياسي، ثم كخليفة، لم يبحث عن هذه القداسة.

  يبدو كثيرون قبل عرض المسلسل، محكومين بتأويل المتن، لا بأس إذاً من الخوض، ولو احتمالاً، في استقراء أحداثه. غالب الظن، أن القيمين على المسلسل سيحاولون بحذر ملامسة الأحداث التي تلتصق بجوهر الخلاف المذهبي بين شطري الإسلام. ولئن الأمر مستعصياً عموماً، ومؤشراته الراهنة تغذي هذا الاستعصاء، لكنْ هناك أحداث أخرى تسعف هؤلاء. فمعاوية ليس بلا أثر،  هو والي الشام في زمن الخلفاء الراشدين، ومن قادة الفتوحات، و”بطل” معركة ذات الصواري، وهو أخيراً المؤسس الأول للنظام الأوتوقراطي (المُلك) بعد ثيوقراطية(الشورى) الخلافة الراشدية، وصاحب المشروع التوسعي في الحكم، وهذه وقائع تُثري لا شك السجل التاريخي للرجل، بقدر ما تتيح للمسلسل إثراء حلقاته.

  راهناً، كما ماضياً، لا يمكن إحالة الإرث التاريخي شيعياً وسنياً كما لو أنه صراع عقائدي بحت  يُمكن أن يبدده، أو يخفف من وقائعه صوت العقل. أمر كهذا كان ليجعل من رموز دينية كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وهاني فحص ومحمد حسن الأمين وشيوخ الأزهر، يسودون في مللهم أكثر من أن ينتهوا كمغتربين عنها.

 ما ساد قبل المسلسل ومعه، هو الاستثمار في ماضٍ لا تزال وقائعه تُطرح  كجدليات وإشكاليات حتى داخل المذهب الواحد. إنه زمن الإسلام السياسي ، وزمن مقتدى الصدر. لكن الصمت السياسي الشيعي الراهن، لم ينسحب على مواضٍ قريبة كان فيها الإرث الدموي البعيد ضالة المستثمرين. 

 الاستثمار الأكثر إثارة في المواءمة بين الماضي والحاضر، كما بين الإرث الإسلامي والسياسة، يلحظه المرء في المشروع الذي باشره النظام الإيراني بعد انتصار الثورة الإسلامية في العام 1979. فنحن حيال نظام يتبنى المشروع السياسي لمعاوية بن أبي سفيان بإرث علي ابن أبي طالب.

  تحتشد في المشروع الإيراني الراهن كل المسميات التي تكثف الحضور التاريخي الشيعي،  ألوية الفاطميون، وأبو الفضل العباس، وزينبيون، وحتى “حزب الله”، هذه مسميات عميقة الدلالات في الوعي الشيعي وخارجه. وإن بدا إرث علي التوسعي ضامراً، ومحكوماً بحدود مركز الخلافة في الكوفة، عثر المشروع  الإيراني في إرث معاوية على ما يُثري به طموحه التوسعي، وهذا على الأرجح ما يُضفي أكثر على المسلسل تلك القرينة التي أرادها، وبذكاء، القائمون عليه. إنه موقع معاوية في التاريخ دهاءً وسياسة، والأهم دولته التي تخوض في الحدود عبر الحرب.

 لا بد من الإشارة إلى مفارقة أخيرة عن التلازم بين السياسة وذلك الإرث الدموي، والاستثمار فيهما، فمقتدى الصدر ذاته، وفي العام 2013، وعلى وقع الصراع السياسي الشيعي – الشيعي حينها،  في بلد هو الأكثر قابلية للعصف المذهبي، وربطاً بالتاريخ، خرج على الناس معلناً براءة يزيد ابن معاوية من قتل الحسين ابن علي، في سابقة لم يتجرأ عليها أي شيعي، بل ويتحاشى السني نفسه مقاربتها. كان مقتدى الصدر حينها يراوغ وجدان العراقيين السنة مع مباشرة تنظيم “داعش” دولته الإسلامية كنموذج آخر يغرف من ماضٍ لا ينضب.

24.02.2023
زمن القراءة: 4 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية