fbpx

جدران الفصل الأوروبية: الإسمنت بوجه المهاجرين!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بغالبية 322 صوتاً ومعارضة 290 وامتناع 20، دعا النواب المفوضية الأوروبية إلى “توفير التمويل الملائم لإدارة الحدود والتأشيرات بما يلبي الاحتياجات الطارئة على الحدود الخارجية للاتحاد”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خلال جلسة مناقشة التوجهات العامة لميزانية العام المقبل، تبنى البرلمان الأوروبي بنداً مثيراً للجدل. 

بغالبية 322 صوتاً ومعارضة 290 وامتناع 20، دعا النواب المفوضية الأوروبية إلى “توفير التمويل الملائم لإدارة الحدود والتأشيرات بما يلبي الاحتياجات الطارئة على الحدود الخارجية للاتحاد”.  

عبارة فضفاضة لا تشير إلى أي خطوات ملموسة، لكن محللين ووسائل إعلام أوروبية وجدوا فيها مدخلاً قد يؤدي إلى تشييد جدران فاصلة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لمنع وصول اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى أيٍ من دول الاتحاد الأوروبي عموماً، وإلى منطقة “الشنغن” على وجه التحديد.

عن عمد، أسقطت عبارة “الجدار” كي لا يصار إلى رفض البند المقترح نظراً للرمزية التي تنطوي عليها. إسقاطها لا ينفي وجود مناخ يدفع باتجاه تعزيز البنية التحتية على الحدود الخارجية، بما في ذلك  نشر عوائق وحواجز الثابتة. 

تمويل مشروع كهذا هو النقطة الأكثر إشكالية: كما جرت الإشارة آنفاً، تم التصويت على هذا البند في إطار جلسة لمناقشة ميزانية الاتحاد الأوروبي وليس سياسة الهجرة. 

المفوضية الأوروبية، بشخص رئيستها أورسولا فون دير لاين، لم تعارض في السابق توفير التمويل اللازم لاقتناء أجهزة تساعد السلطات المحلية على ضبط حدودها (رادارات، طائرات مسيرة …)، لكن ليس لبناء جدران أو ما شابه من العوائق. 

موقف يستند إلى سياسة الاتحاد في ما يخص قوانين الهجرة واللجوء. فالعوائق مسألة إشكالية من شأنها عرقلة وصول من هناك خطر على حياته، خصوصاً اللاجئين منهم، إلى مكان آمن. من جانب آخر، الشراكة الأوروبية التي أفضت إلى الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية، ارتكزت على جملة من القيم: الالتزام بتعزيز السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون مع الشركاء غير الأوروبيين لإيجاد حلول مشتركة. وعليه، فإن تشييد جدران بتمويل أوروبي يتناقض مع تلك المبادئ وشموليتها. 

بالمقابل، لم تتحرك المفوضية لردع عدد من الحكومات الأوروبية عن بناء جدران فاصلة على حدودها:  ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بلغ عدد الدول المطالبة بتمويل أوروبي لبناء جدران وعوائق، 12 دولة. لكن رفض المفوضية التجاوب معهم لم يمنعهم من السير بمشاريعهم تلك. 

مع نهاية عام 2014، بلغ طول العوائق والحواجز (بما فيها الجدران) المشيدة على حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية 300 كلم. رقم ارتفع إلى 2000 كلم عام 2022، وفقاً للبرلمان الأوروبي. 

من الواضح أن تشييد الجدران عرف مداه بعد أزمة الهجرة في أوروبا عام 2015. أطول تلك الجدران يمتد على 502 كلم على الحدود بين ليتوانيا وروسيا البيضاء، إلى جانب العوائق على الحدود البلغارية – التركية، الهنغارية – الصربية. حتى فرنسا لم تتردد في بناء جدار، بتمويل بريطاني، في منطقة كاليه الساحلية لمنع تسلل المهاجرين الراغبين بالتوجه إلى بريطانيا، خصوصاً اللاجئين منهم. كما لجأت بعض دول منطقة الشنغن إلى استحداث نقاط عبور وتفتيش على الحدود “الملغاة” في ما بينها (النمسا وايطاليا، النمسا وسلوفينيا، هنغاريا وكرواتيا) بغرض ضبط حركة المهاجرين واللاجئين.

تكلفة تلك البنى التحتية تحولت أيضاً إلى مادة سجال: لتشييد جدار على طول الحدود البلغارية – التركية (240 كلم) تقدر التكلفة بملياري يورو، كما بلغت تكلفة الجدار الذي يفصل بين بولونيا وروسيا البيضاء 350 مليون، بطول 186 كلم. 

النائبة عن كتلة الوسط، فاليري هاير، أبدت قلقها من إقرار هذا البند. ففي تصريح صحافي اعتبرت أنه بدل توجيه هذه الأموال في مشاريع تنموية، ستستفيد منها شركات البناء والمقاولات ذات العلاقات الوطيدة مع الأحزاب اليمينية. 

لإقامة تلك الجدران والعوائق، استندت السلطات الوطنية إلى حجتين: نصت التشريعات الأوروبية على أن الدول هي صاحبة السيادة في ما يخص ضبط الحدود الخارجية. كما مُنحت صلاحية فرض قيود موقتة على حدودها المشتركة مع دول منطقة الشنغن إذا دعت الحاجة. 

وهو حق استخدمته ألمانيا عند استضافتها بطولة كأس العالم عام 2006، كما فرضت فرنسا قيوداً على حدودها الأوروبية بعد الهجمات الإرهابية عام 2015، من دون نسيان أزمة “كوفيد- 19″، وما تلاها من تقييد لحركة المسافرين في جميع دول الاتحاد الأوروبي. ما يعني أن الجدران، بخاصة بين دول منطقة الشنغن،  ستتحول إلى قيود دائمة لا موقتة.  

الحجة الثانية كانت الحكم الصادر عام 2020 عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بخصوص ترحيل إسبانيا مهاجرين أفارقة دخلوا مدينة مليلة بصورة غير قانونية. الحكم صب في مصلحة الجانب الإسباني لتعتبر المحكمة أن العوائق والجدران لا تشكل معضلة قانونية في ظل وجود نقاط حدودية يمكن العبور من خلالها على نحو قانوني.

غياب الإجماع الأوروبي وانتفاء مواد قانونية في اتفاقية الشنغن تمنع بناء الجدران أو تسمح بها على نحو صريح، يفضي إلى حالة من الضبابية السياسية والقانونية ما يعطي دفعاً لمؤيدي المشروع. لكن أكثر ما يثير خشية المعارضين هي اصطفافات الكتل البرلمانية لحظة التصويت: نجح البند المذكور في حشد أصوات جميع الكتل اليمنية، من ليبرالية ومحافظة ومتطرفة، إلى جانب دعم محدود من نواب وسطيين واشتراكيين. هذا الاصطفاف الذي ينحو يميناً، قد يعزز نفوذ المتشددين منهم ويمنحهم مساحة أوسع للمزايدة السياسية، ما يؤدي إلى فرض المقترح في نهاية المطاف. 

بناء جدران فاصلة لن يكون استحداثاً لواقع ميداني جديد، لكن الدفع باتجاه تمويله من ميزانية الاتحاد الأوروبي يشكل تحولاً في مقاربة الأوروبيين لمسألتي الهجرة واللجوء. علاوة على ذلك، يرى فيه معارضوه عنواناً للفشل، مستندين إلى سوابق تاريخية ومعاصرة: جمهورية ألمانيا الشرقية لم تبنِ حائط برلين إلا بعد فشلها في وقف “النزيف السكاني” من برلين الشرقية نحو الجارة الغربية. عوضاً عن ورشة إصلاحية لنظامها السياسي، اختارت ألمانيا الشرقية الهروب إلى الأمام. 

فشل مشروع جدار ترامب ما زال حاضراً في الأذهان مع تحوله إلى عنوان للفشل على أكثر من صعيد: تكلفته المرتفعة، جدواه المحدودة، توتر العلاقات الأميركية – المكسيكية لتفضيل الرئيس الأميركي خياراً صدامياً عوضاً عن الحوار. إلى جانب اعتبار هذا الجدار رمزاً للعزلة الأميركية، إضافةً إلى المعوقات اللوجستية والقانونية التي أدت في نهاية المطاف إلى إجهاضه. 

المعارضون يتسلحون بتلك الشواهد كي لا يُذكر الاتحاد الأوروبي في كتب التاريخ كعنوان للعزلة والعدوانية وانتهاك حقوق الإنسان.  

10.05.2023
زمن القراءة: 4 minutes

بغالبية 322 صوتاً ومعارضة 290 وامتناع 20، دعا النواب المفوضية الأوروبية إلى “توفير التمويل الملائم لإدارة الحدود والتأشيرات بما يلبي الاحتياجات الطارئة على الحدود الخارجية للاتحاد”.

خلال جلسة مناقشة التوجهات العامة لميزانية العام المقبل، تبنى البرلمان الأوروبي بنداً مثيراً للجدل. 

بغالبية 322 صوتاً ومعارضة 290 وامتناع 20، دعا النواب المفوضية الأوروبية إلى “توفير التمويل الملائم لإدارة الحدود والتأشيرات بما يلبي الاحتياجات الطارئة على الحدود الخارجية للاتحاد”.  

عبارة فضفاضة لا تشير إلى أي خطوات ملموسة، لكن محللين ووسائل إعلام أوروبية وجدوا فيها مدخلاً قد يؤدي إلى تشييد جدران فاصلة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، لمنع وصول اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى أيٍ من دول الاتحاد الأوروبي عموماً، وإلى منطقة “الشنغن” على وجه التحديد.

عن عمد، أسقطت عبارة “الجدار” كي لا يصار إلى رفض البند المقترح نظراً للرمزية التي تنطوي عليها. إسقاطها لا ينفي وجود مناخ يدفع باتجاه تعزيز البنية التحتية على الحدود الخارجية، بما في ذلك  نشر عوائق وحواجز الثابتة. 

تمويل مشروع كهذا هو النقطة الأكثر إشكالية: كما جرت الإشارة آنفاً، تم التصويت على هذا البند في إطار جلسة لمناقشة ميزانية الاتحاد الأوروبي وليس سياسة الهجرة. 

المفوضية الأوروبية، بشخص رئيستها أورسولا فون دير لاين، لم تعارض في السابق توفير التمويل اللازم لاقتناء أجهزة تساعد السلطات المحلية على ضبط حدودها (رادارات، طائرات مسيرة …)، لكن ليس لبناء جدران أو ما شابه من العوائق. 

موقف يستند إلى سياسة الاتحاد في ما يخص قوانين الهجرة واللجوء. فالعوائق مسألة إشكالية من شأنها عرقلة وصول من هناك خطر على حياته، خصوصاً اللاجئين منهم، إلى مكان آمن. من جانب آخر، الشراكة الأوروبية التي أفضت إلى الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية، ارتكزت على جملة من القيم: الالتزام بتعزيز السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون مع الشركاء غير الأوروبيين لإيجاد حلول مشتركة. وعليه، فإن تشييد جدران بتمويل أوروبي يتناقض مع تلك المبادئ وشموليتها. 

بالمقابل، لم تتحرك المفوضية لردع عدد من الحكومات الأوروبية عن بناء جدران فاصلة على حدودها:  ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بلغ عدد الدول المطالبة بتمويل أوروبي لبناء جدران وعوائق، 12 دولة. لكن رفض المفوضية التجاوب معهم لم يمنعهم من السير بمشاريعهم تلك. 

مع نهاية عام 2014، بلغ طول العوائق والحواجز (بما فيها الجدران) المشيدة على حدود الاتحاد الأوروبي الخارجية 300 كلم. رقم ارتفع إلى 2000 كلم عام 2022، وفقاً للبرلمان الأوروبي. 

من الواضح أن تشييد الجدران عرف مداه بعد أزمة الهجرة في أوروبا عام 2015. أطول تلك الجدران يمتد على 502 كلم على الحدود بين ليتوانيا وروسيا البيضاء، إلى جانب العوائق على الحدود البلغارية – التركية، الهنغارية – الصربية. حتى فرنسا لم تتردد في بناء جدار، بتمويل بريطاني، في منطقة كاليه الساحلية لمنع تسلل المهاجرين الراغبين بالتوجه إلى بريطانيا، خصوصاً اللاجئين منهم. كما لجأت بعض دول منطقة الشنغن إلى استحداث نقاط عبور وتفتيش على الحدود “الملغاة” في ما بينها (النمسا وايطاليا، النمسا وسلوفينيا، هنغاريا وكرواتيا) بغرض ضبط حركة المهاجرين واللاجئين.

تكلفة تلك البنى التحتية تحولت أيضاً إلى مادة سجال: لتشييد جدار على طول الحدود البلغارية – التركية (240 كلم) تقدر التكلفة بملياري يورو، كما بلغت تكلفة الجدار الذي يفصل بين بولونيا وروسيا البيضاء 350 مليون، بطول 186 كلم. 

النائبة عن كتلة الوسط، فاليري هاير، أبدت قلقها من إقرار هذا البند. ففي تصريح صحافي اعتبرت أنه بدل توجيه هذه الأموال في مشاريع تنموية، ستستفيد منها شركات البناء والمقاولات ذات العلاقات الوطيدة مع الأحزاب اليمينية. 

لإقامة تلك الجدران والعوائق، استندت السلطات الوطنية إلى حجتين: نصت التشريعات الأوروبية على أن الدول هي صاحبة السيادة في ما يخص ضبط الحدود الخارجية. كما مُنحت صلاحية فرض قيود موقتة على حدودها المشتركة مع دول منطقة الشنغن إذا دعت الحاجة. 

وهو حق استخدمته ألمانيا عند استضافتها بطولة كأس العالم عام 2006، كما فرضت فرنسا قيوداً على حدودها الأوروبية بعد الهجمات الإرهابية عام 2015، من دون نسيان أزمة “كوفيد- 19″، وما تلاها من تقييد لحركة المسافرين في جميع دول الاتحاد الأوروبي. ما يعني أن الجدران، بخاصة بين دول منطقة الشنغن،  ستتحول إلى قيود دائمة لا موقتة.  

الحجة الثانية كانت الحكم الصادر عام 2020 عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بخصوص ترحيل إسبانيا مهاجرين أفارقة دخلوا مدينة مليلة بصورة غير قانونية. الحكم صب في مصلحة الجانب الإسباني لتعتبر المحكمة أن العوائق والجدران لا تشكل معضلة قانونية في ظل وجود نقاط حدودية يمكن العبور من خلالها على نحو قانوني.

غياب الإجماع الأوروبي وانتفاء مواد قانونية في اتفاقية الشنغن تمنع بناء الجدران أو تسمح بها على نحو صريح، يفضي إلى حالة من الضبابية السياسية والقانونية ما يعطي دفعاً لمؤيدي المشروع. لكن أكثر ما يثير خشية المعارضين هي اصطفافات الكتل البرلمانية لحظة التصويت: نجح البند المذكور في حشد أصوات جميع الكتل اليمنية، من ليبرالية ومحافظة ومتطرفة، إلى جانب دعم محدود من نواب وسطيين واشتراكيين. هذا الاصطفاف الذي ينحو يميناً، قد يعزز نفوذ المتشددين منهم ويمنحهم مساحة أوسع للمزايدة السياسية، ما يؤدي إلى فرض المقترح في نهاية المطاف. 

بناء جدران فاصلة لن يكون استحداثاً لواقع ميداني جديد، لكن الدفع باتجاه تمويله من ميزانية الاتحاد الأوروبي يشكل تحولاً في مقاربة الأوروبيين لمسألتي الهجرة واللجوء. علاوة على ذلك، يرى فيه معارضوه عنواناً للفشل، مستندين إلى سوابق تاريخية ومعاصرة: جمهورية ألمانيا الشرقية لم تبنِ حائط برلين إلا بعد فشلها في وقف “النزيف السكاني” من برلين الشرقية نحو الجارة الغربية. عوضاً عن ورشة إصلاحية لنظامها السياسي، اختارت ألمانيا الشرقية الهروب إلى الأمام. 

فشل مشروع جدار ترامب ما زال حاضراً في الأذهان مع تحوله إلى عنوان للفشل على أكثر من صعيد: تكلفته المرتفعة، جدواه المحدودة، توتر العلاقات الأميركية – المكسيكية لتفضيل الرئيس الأميركي خياراً صدامياً عوضاً عن الحوار. إلى جانب اعتبار هذا الجدار رمزاً للعزلة الأميركية، إضافةً إلى المعوقات اللوجستية والقانونية التي أدت في نهاية المطاف إلى إجهاضه. 

المعارضون يتسلحون بتلك الشواهد كي لا يُذكر الاتحاد الأوروبي في كتب التاريخ كعنوان للعزلة والعدوانية وانتهاك حقوق الإنسان.  

10.05.2023
زمن القراءة: 4 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية