fbpx

المصارف اللبنانيّة تستنزف ما تبقى من أموال المودعين لسدّ خسائرها 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

مع تواصل انهيار الليرة اللبنانية وتخطي سعر الصرف عتبة الـ90 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد، استغلت المصارف الظرف لرفع عمولتها، من دون إعلام زبائنها بذلك برسائل نصية أو إلكترونية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عندما توجّهتُ إلى مصرف “الاعتماد اللبناني” فرع بيروت – كورنيش المزرعة، للحصول على كشف حساب الـ”فريش” دولار لتقديمه إلى السفارة الفرنسية لإنهاء معاملة التأشيرة، قالت لي الموظفة إن العمولة 15 دولاراً أميركياً عدا عن رسوم الطوابع. هذه ليست المشكلة الوحيدة، لا بل تفاجأت أيضاً أنّ معاملة كشف الحساب التي كنّا نستلمها خلال عشر دقائق، أصبحت تستغرق يومي عمل ريثما توافق عليها الإدارة. 

في اليوم ذاته، اتصلت شقيقتي بـ”بنك عودة” حيث حسابها “فريش”، وطرحت الأسئلة عينها لأتفاجأ بالتفاوت الكبير من حيث التكلفة ومدة المعاملة، إذ إنّ المعاملة تكلّف 5 دولارات ويستلمها العميل فور الطلب، على أن يحضر صاحب الحساب شخصيّاً، حسب الموظّفة. أما في “بنك ميد” فقيمة العمولة 10 دولارات على حسابيْ الدولار و “اللولار”، أي مدخرات بالدولار الأميركي يسحبها المودعون بالليرة اللبنانية ، منذ أواخر العام 2019 كنوع من الـ”هير كات”. 

يلاحَظ التباين الواضح لقيمة العمولات بين مصرف وآخر، والتي شهدت ارتفاعاً كبيراً بعد الأزمة الاقتصادية وتطبيق الـ”كابيتال كونترول” غير القانوني، أي تحديد سقف للسحوبات في ظل حجز أموال المودعين. وهذا التباين لا تتبعه مراقبة من مصرف لبنان ولا من جمعية المصارف، إنما كل مصرف يغنّي على ليلاه ويحاول استغلال ما تبقى من فتات المودعين لدفع رواتب الموظفين ولجم خسائرهم، لإنقاذ أنفسهم وتحميل المودعين المسؤولية. 

التحويلات الخارجية 

عندما أراد ح.ل تحويل نحو 450 دولاراً إلى موظف لديه في الخارج عبر حسابه الـ”فريش” في “بنك عودة”، وصلته رسالة بريد إلكتروني تعلمه بأن الحوالة رُفضت. لذا، وجب الاستفسار عن السبب، وتبيّن أن الإدارة أرادت إبلاغه بأن العمولة إلى الخارج بالحد الأدنى هي 45 دولاراً والحد الأقصى 500 دولار. 

في التفاصيل، شرحت الإدارة لـح.ل أن العمولة تُحسب على الشكل التالي: “يرجى ملاحظة أن العمولة تعتمد على المبلغ (الرسوم السريعة 15 دولاراً أميركياً + 2 في المئة، بحدّ أدنى 30 دولاراً أميركياً وبحد أقصى 500 دولار أميركي)”. 

في مقارنة مع بدايات الأزمة وحتى منتصف عام 2020، كان “بنك عودة” يسحب على مبلغ 500 دولار وما دون نحو 10 دولارات، عدا عن عمولة سحب المبلغ التي كانت تقدر بنحو دولارين إلى ثلاثة دولارات. آنذاك، كان الدولار الواحد يساوي ما يقارب الـ 7 آلاف ليرة لبنانية تقريباً. 

في حادثة أخرى مع واحدة من الزبائن في مصرف “بيروت والبلاد العربية” المعروف بـ”BBAC”، أوضحت المودعة لـ”درج” أنها حصلت على 200 دولار بدل أتعاب لمشروع معين مع شركة صحافية، وعند وصول المبلغ وبعد مماطلة لتسليمها المبلغ، قال لها الموظف إن العمولة 60 دولاراً، أي باستطاعتها استلام 160 دولاراً من المبلغ فقط. فكانت إجابتها: “خليها عندكم، ما بقى بدي ياها”. 

مع تواصل انهيار الليرة اللبنانية وتخطي سعر الصرف عتبة الـ90 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد، استغلت المصارف الظرف لرفع عمولتها، من دون إعلام زبائنها بذلك برسائل نصية أو إلكترونية. 

يلاحَظ التباين الواضح لقيمة العمولات بين مصرف وآخر، والتي شهدت ارتفاعاً كبيراً بعد الأزمة الاقتصادية وتطبيق الـ”كابيتال كونترول” غير القانوني، أي تحديد سقف للسحوبات في ظل حجز أموال المودعين.

كيف تفرض العمولة؟ 

بما أن المصارف التجارية اللبنانية هي مؤسسات خاصة، فهي غير ملزمة بقانون معيّن لفرض سقف محدّد للعمولات، وهذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي باتريك مارديني، الذي يوضح أن الهدف من العمولات التي تفرضها المصارف على زبائنها، تغطية تكاليفها من رواتب الموظفين والصيانة، ومستلزمات أخرى. 

لكن يُعتبر ذلك هامشياً مقارنة مع القروض المتمثلة بأموال مهولة قُدمت للقطاع العام بشقّيْه المصرف المركزي وخزينة الدولة، والتي تخطت الـ150 مليار دولار، وفقاً لمارديني. في حين تمتنع الحكومة عن تسديد ديْنها، ويحاول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلقاء اللوم على الحكومة بذريعة أنه اقترضها لصالحها. 

لذا، بحجة تعويض هذه الخسائر، رفعت المصارف من قيمة العمولات من دون تحديد سقف لها، خصوصاً أن لا قانون يحدد هذا السقف، عدا عن حجز أموال المودعين وتحديد سقف لسحوباتهم وتحويل حسابات الدولار إلى لولار. وهذه المتطلبات تشمل: 

1- زيادة رسوم صيانة الحساب: زادت مصارف عدة رسوم صيانة حساباتها لتغطية تكاليف الخدمات المصرفية وصيانة أنظمة تكنولوجيا المعلومات الخاصة بها.

2- انخفاض أسعار الفائدة على الودائع: لجأت مصارف كثيرة الى تخفيض أسعار الفائدة على الودائع، بحجة إدارة السيولة وتقليل تعرّضها للمخاطر.

3- زيادة رسوم المعاملات: زادت بعض المصارف رسوم المعاملات الخاصة بها مثل التحويلات البرقية، وهي التحويلات المصرفية الدولية، ودفع الفواتير، والسحب من أجهزة الصراف الآلي.

4- إدخال رسوم جديدة: أضيفت إلى الخدمات التي كانت مجانية، مثل الخدمات المصرفية عبر الإنترنت وبطاقات الخصم ودفاتر الشيكات.

الرادع الوحيد لتحديد السقف هو خسارة الزبائن، لأنهم يفضلون العمولات المنخفضة، لكن في ظل الأزمة المصرفية السائدة، فمن غير المسموح فتح حساب جديد في المصارف إلا في حال كان الإيداع شيكاً مصرفياً، وهذا يعني خسارة نحو 25 في المئة من قيمته.  

العلاقة المتغيّرة بين المصارف وزبائنها 

شهدت العلاقة بين المصارف وزبائنها في لبنان، منحى مختلفاً عما كان عليه قبل الأزمة المالية التي ضربت البلاد أواخر 2019، إذ كانت تعتبر الزبائن أولوية، تعاملهم أفضل معاملة، كما أنها كانت حريصة على كسب ثقتهم. هذه الثقة متعددة الأشكال، منها الإعلانات التي تؤكد ضرورة الاستثمار في المصارف، أو التحفيز على أخذ القروض مقابل فوائد متدنية طويلة الأمد، مع الإشارة إلى أن العمولات كانت منخفضة مقارنة مع الدول الأخرى في المنطقة، والتي ساعدت القطاع المصرفي على التنافس مع المصارف إقليمياً. 

لكن إثر الأزمة، انعكست هذه العلاقة وأصبحت الفوائد منخفضة والعمولات مرتفعة واختفت القروض. حتى إن طريقة الاستقبال أصبحت أشبه بالدخول الى سجون محصّنة، أبوابها حديدية، ويتطلب الحضور إليها موعداً مسبقاً في غالبية الفروع. 

مع حجز الودائع من دون سابق إنذار وغياب خطة لإعادتها، لجأ مودعون إلى استخدام السلاح لاسترجاع أموالهم تحت قانون استيفاء الحق بالذات، أي محاولة استرداد ما سُلب بالقوّة. كما لجأ البعض ممن يستطيع، إلى تحويل الأموال إلى الخارج أو تجميعها في المنزل، ما أثر على الوضع سلباً

بسبب الفلتان الأمني وزيادة حالات السرقة. 

بدأ العمل بالتعميم 165 الذي أصدره مصرف لبنان في نيسان/ أبريل 2023، والذي يعطي المصارف مهلة محددة حتى العاشر من أيار/ مايو 2023 لفتح حسابات جديدة بالليرة اللبنانية أو بالدولار استعداداً لسياسة دمج المصارف بحجة تنشيط الاقتصاد. ولكن لم تُصدر جمعية المصارف أي تعميم للتوضيح، ويبقى مصير أموال المودعين غير معروف، والسؤال هو: هل ستستمر المصارف باستنزاف ما تبقى من أموال المودعين لإنقاذ نفسها؟.