fbpx

شركات عربية متورطة في سد روفيجي التنزاني… خطر يهدد الحياة البرية وغابات المنغروف 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تحقيقات تكشف عن العلامات الأولى الآثار الكارثية المحدقة بالبيئة التي يسببها مشروع سد “يوليوس نيريري” الكهرومائي في تنزانيا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

محطة يوليوس نيريري الكهرومائية لتوليد الكهرباء 2021، الفضل منسوب لموقع شركة “المقاولون العرب”

أنتج هذا التحقيق بالتعاون مع مركز “بوليتزر

 أخبرنا درويشي*، الناشط البيئي المحلي الذي لم يرغب في أن نكشف عن هويته “هذا المشروع كارثة بيئية حقيقية. أصبحت الحيوانات مرتبكة بل وعدوانية أيضاً”.  يرغب في أن يأخذنا إلى موقع بناء يوليوس نيريري.

 من السهل تفهم المخاوف التي دفعت الشاب لطلب عدم الكشف عن اسمه وهويته فقد سبق أن حذر وزير البيئة التنزاني السابق عام 2018 من أن: “كل من سيعارض المشروع سيكون مصيره السجن”. وبالتأكيد فإن السجن ليس مكاناً يرغب خريج جديد أن يبدأ حياته المهنية فيه.

 يقف الشاب عند البوابة الشرقية لمنتزه نيريري، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، يشاهد موكب الشاحنات الغريب وهي تدخل، وهي عبارة عن شاحنات بناء ضخمة تتبعها بعض سيارات “لاند كروزر” التي يشغلها بعض العمال الأجانب.

 لا يتوقع السائح العادي أن يكون جزءاً من هذا المشهد، لكن الحديقة تظل مفتوحة على الرغم من بناء أحد أكبر السدود في شرق أفريقيا، عبر نهر روفيجي، أطول نهر في تنزانيا.

وللتنقل عبر المحمية- الأكبر في تنزانيا – يتعين عليك السير في سحب دائمة من الغبار التي تثيرها شاحنات الإسمنت والأنابيب العملاقة.

شاحنات البناء تصطف عند البوابة الشرقية لمحمية نيريري ، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو ، ألكسندر بروتيل ، سبتمبر 2022

أثار هذا المشروع الضخم للطاقة الكهرومائية “مخاوف جسيمة” لدى لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، والتي دعت الحكومة التنزانية في النهاية إلى التخلي عنه عام 2020، وفقاً لوكالة التحقيقات البيئية (EIA). والسبب الرئيسي لذلك هو عدم كفاية البحث حول التأثير الاجتماعي والبيئي للسد.

حتى إن الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) أعلن أن مشروع السد “غير متوافق” مع كون المحمية أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، بناءً على التقييم البيئي الاستراتيجي للمشروع (SEA)، والذي وجدت المراجعة أنه “غير كاف”.

يمكن أن يؤثر التنفيذ غير السليم للسد الذي يبلغ ارتفاعه 430 قدماً وعرضه 2300 قدم بشدة على نهر روفيجي ونظامه الهيدرولوجي المعقد، ما يتسبب في مجموعة واسعة من الأضرار قصيرة وطويلة الأمد للحياة البرية وحتى أنظمة غابات المنغروف، والتي توفر الموارد الأساسية للسكان في دلتا روفيجي عند مصب النهر.

نظرة عامة على موقع البناء والأصول البيئية المتصلة به ، كريستينا أوريشنيغ، منتدى التحقيقات البيئية]

وفقاً لكريستينا أوريشنيغ، الباحثة في الهيدرولوجيا ومهندسة الاستشعار عن بعد لدى منتدى الاستقصاء البيئي، فإن بيانات التنوع البيولوجي الموزعة مكانياً تظهر أنه يمكن العثور على 12 نوعاً مهدداً بالانقراض في المنطقة المجاورة مباشرة للمتنزه. ومن بينها الفيل الأفريقي بوش، وماساي الزرافة، والنسر المقنع.

لقد شهد درويشي بالفعل النتائج الأولى والفورية لمشروع الطاقة الضخم هذا. فقد سبق وعمل كحارس لنيريري بارك سنة 2021، كجزء من الواجبات المفروضة في برنامج دراسات حفظ الطبيعة. وعلى حد قوله أصبح التأثير السلبي للبناء الجاري على هذه الأنواع محسوساً بالفعل على أرض الواقع.

يمر ما يتراوح بين الـ50 و60 شاحنة عبر هذه البوابات كل يوم. يتسبب الغبار والضوضاء في حدوث اضطراب كبير لبعض الفصائل الحيوانية المميزة هنا، علماً أنها واحدة من أكبر 5 مناطق”. ويوضح “الخمسة الكبار هو التعبير المستخدم للترويج لعروض رحلات السفاري لمشاهدة الزرافات والجواميس والأسود والفيلة ووحيد القرن”.

توزيع أماكن مشاهدة الأنواع المهددة في المنطقة الأوسع المحيطة بموقع البناء، كريستينا أورنشيغ  لمنتدى التحقيقات البيئية

لكن العدد الفعلي للأنواع المتأثرة يمكن أن يكون أكبر بكثير من عدد الأنواع التي تعيش في مساحة المنطقة المتوقع ملؤها (حوالي 964 كم 2) بالمياه. وفقًا لبحث أورنشيج “قد تتأثر مجموعة كبيرة من الأنواع المهددة بهذا المشروع”.

وتخلص في دراستها إلى أن “مساحات ممتدة من مواطن الأنواع المهددة بالانقراض مثل الفيلة والحيوانات البرية ستضيع بسبب حجز المياه خلف السد”. ويبدو أن هذه الأنواع منزعجة بالفعل اليوم.

يقول درويشي “تتسبب أعمال البناء الجارية بالفعل في هروب الفيلة والحيوانات الأخرى من المحمية لشعورها بالارتباك أو حتى لمهاجمة بعض الشاحنات. وهذا لا يؤثر على موقع البناء فقط، بل على المحمية بأكملها. تم تسجيل مشكلات عدة في الحديقة، والتي شملت حوادث الطرق التي تحصل للظباء بشكل معتاد”.

يؤدي هذا الموقف إلى مشاهد سوريالية قام عمال البناء أنفسهم برفعها على الإنترنت ليراها الناس على مراجعات “غوغل”:

فرس نهر يسير على طريق أحد مواقع البناء. الصورة من: مراجعات جوجل

لم تفرض سلطات المنتزه أي غرامات على شركات البناء بسبب هذه الحوادث المتكررة. ومن بين هذه الشركات، شركة البناء المحلية تانسكو وشركتان مصريتان إحداهما مملوكة للدولة وهي شركة “المقاولون العرب” والأخرى “شركة السويدي” الخاصة وكذلك شركة “صينوهيدرو” المملوكة للحكومة الصينية. 

وفي مقابلة صحافية حديثة، اعترف ممثل عن شركة “المقاولون العرب” بحوادث فردية معزولة أثناء البناء، لكنه تجنب الحديث عن الجوانب السلبية بعيدة المدى للمشروع. 

يسطرد قائلاً “الحرس يساعدون الشركات هنا ويحرصون على عدم دخول أي أحد إلى موقع البناء وتوثيق ما يحصل”. وبالفعل بعد رحلة شاقة استغرقت ساعات على طرق المتنزه الوعرة المؤدية إلى موقع البناء، أوقفتنا سلطات المتنزه وأرجعونا إلى مدخل المنتزه. وحذرونا قائلين (إذا واصلتم على الطريق ذاته سيكون عليكم التعامل مع الجيش)”. 

برغم إجراءات المراقبة المشددة هذه، لا تتوانى شركة المقاولون العرب عن نشر أفلام وصور من موقع العمل بطريقة هوليوودية، كالفيديو التالي الذي التقط بطائرة مسيرة تصور التفجيرات المختلفة التي نفذتها الشركة في موقع التراث العالمي. 

[لقطات من شركة المقاولون العرب المملوكة للحكومة المصرية في مشروع يوليوس للطاقة الكهرومائية، 2020]

يظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته أورشنيغ تغيرات في سطح الأرض على امتداد 7.4 كيلومتراً مربعاً في موقع العمل. وتشمل خسارة 87 في المئة من الغابات في تلك المنطقة وتصحر مناطق نباتات الجنبات بنسبة 12 في المئة. 

تعد هذه أرقاماً صغيرة مقارنة بأرقام التصحر التي توقعتها منظمة “اليونسكو” و”المنظمة الدولية للحفاظ على البيئة”، والتي تبلغ 1000 كيلومتر مربع. والسبب في ذلك أن السد لم يدخل حيز الخدمة بعد والأرقام التي نشرتها هذه المنظمات تتوقع حدوثها على المدى البعيد. 

برغم أن خسارة 1000 كيلومتر مربع من الغابات في المحمية تمثل كارثة في حد ذاتها على الحياة البرية في المنطقة، إلا أن هناك خطراً آخر يهدد الحياة الطبيعية على بعد 150 كيلومتراً من موقع البناء على السواحل التنزانية. 

مشهد دلتا روفيجي: مركز غابات المنغروف في شرق أفريقيا. المشهد من مرفأ الصيد في قرية نيامباتي، التقطها ألكسندر بروتلي، أيلول/ سبتمبر 2022

في مصب النهر، تعد دلتا روفيجي موطناً لـ55 ألف هكتار من غابات المانغروف، وهو نوع استوائي من الغابات الساحلية، التي تلعب دوراً مهماً في خفض نسبة ثاني اكسيد الكربون على مستوى العالم، وتوصف بأنها أحواض تصريف لغاز ثاني أكسيد الكربون. الدلتا نفسها جزء من منطقة روفيجي مافيا كيلوا رامسار الرطبة التي تحظى بأهمية دولية. 

ومع تصحر 30 إلى 50 في المئة من غابات المنغروف على مستوى العالم في الخمسين سنة الماضية أي استهلاك ما يعادل 317 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في العام، يمثل الحفاظ على ما تبقى منها أمراً حيوياً في جهود مكافحة أزمة التغير المناخي. 

في دلتا نهر روفيجي، يدرك الكثير من المزارعين المحليين والصيادين وعمداء القرى أهمية حفظ هذه الغابات الاستوائية المطيرة، برغم أن التوسع الزراعي ما زال يمثل عقبة في طريق جهود الحفاظ على هذه الغابات، خصوصاً زراعة الأرز. 

لكن الجهود التعليمية للحكومة التنزانية والتي بدأت في التسعينات من القرن الماضي، لم تحدث سوى تقدم بطيء لدى السكان المحليين الذين لا تزال نسبة كبيرة منهم غير مدركين لمشروع بناء سد جوليوس نيريري وآثاره المحتملة على غابات المنغروف المحلية. 

مشونغ، إحدى قرى الصيادين الأكثر عزلة في دلتا روفيجي، الكسندر بروتلي، أيلول 2022

في قرى متوندا وكيكالي ونيامبامي ومشوجو المعزولة الواقعة في دلتا روفيجي، لا تكاد تجد شخصاً واحداً يعرف بوجود مشروع لبناء سد قد يؤدي إلى التصحر على مقياس أكبر بكثير من نمط حياتهم. 

قد يؤدي تغيير مناسيب المياه في النهر وتدفقه الطبيعي إلى خنق غابات المنغروف المحلية، التي تعتبر الأكبر في شرق إفريقيا. لكن وفقاً لأوريشنج، من الصعب التنبؤ بمقدار الضرر في غياب البيانات اللازمة لإعداد نموذج التحليل. 

رغم عدم تقديمهم لهذه المعلومات، اعترفت شركة المقاولون العرب بوقوع حادثتي فيضان أثناء فترة البناء أدتا إلى تدمير أجزاء من موقع البناء لكن من “دون أي آثار سلبية”. 

هل ستكون الآثار المحتملة على غابات المنغروف خطيرة أو معتدلة أو طفيفة؟ من دون إتاحة المعلومات ستكون الإجابة على هذا السؤال مستحيلة. هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع اليونسكو والمنظمة الدولية للحفاظ على الطبيعة ومنظمة EIA بالتعبير عن مخاوفها والتعليق على التقييم البيئي الاستراتيجي غير المكتمل الذي أجرته مجموعة الشركات المشاركة في المشروع. 

هل هذا هو الثمن الذي يجب دفعه لتحقيق اكتفاء تنزانيا من الطاقة؟ على خلاف الخطاب العام الذي تستخدمه السلطات التنزانية لتبرير المشروع، قد لا يكون لهذا المشروع أي فوائد اقتصادية واجتماعية واضحة. في الحقيقة قد تبلغ تكلفته الفعلية 9.852 مليون دولار، أي أعلى من التكلفة الاجمالية المتوقعة في البداية بـ2.7 ضعف، وفقاً للباحث المستقل جورج هارتمان.

لم تستجب شركة “السويدي إلكتريك” لطلب التعليق. ولم تستجب كذلك الحكومة المصرية مالكة الشركة والتي استضافت مؤتمر المناخ COP27، لطلب التعليق. ورفض الشركاء الصينيون التعليق على الأمر برغم مشاركة الحكومة الصينية في اتفاق COP15 للتنوع البيئي، الذي وعد بحماية 30 في المئة من سطح الأرض بحلول عام 2030. 

وحين سئلت الحكومتان عن مدى التزامهما بالمشاريع المهددة للبيئة في المناطق المحمية، مثل موقع التراث العالمي في نيريري، امتنعت وزارات البيئة في كلا الدولتين عن التعليق أو الإجابة على السؤال. 

وفقاً لمصدر صحافي محلي، فإن الجسم الرئيسي للسد اكتمل بناؤه في تشرين الأول/ أكتوبر 2022. ومع ذلك لم ينشر بعد على الملأ أي نموذج تدفق يوضح العمليات المستقبلية للسد. 

ومن حينها صنفت منظمة اليونسكو نيريري على أنها موقع تراث عالمي مهدد بالخطر، رداً على استمرار السلطات التنزانية في بناء السد، برغم تصريح “المنظمة العالمية للحفاظ على الطبيعة” بأن آثاره السلبية قد تهدد حياة 200 ألف إنسان يعيشون على ضفاف النهر. 

هذه هي النسخة العربية من التحقيق الذي نشر بشراكات إعلامية عدة بلغات مختلفة.

ترجمة - هآرتس | 25.05.2024

الجيش الإسرائيلي يبتزّ الغزيين…تعاون معنا أو نتهمك بالتجسس على جيرانك لصالح “حماس”!

بدأ الجيش الإسرائيلي بنشر تفاصيل تعريفية عن سكان غزة، الذين يدّعي أنهم تجسسوا على مدنيين لصالح جهاز الأمن العام التابع لـ"حماس"؛ وحسب صحيفة هآرتس، حصل الجيش الإسرائيلي على إذن قانوني لممارسة عملية الابتزاز هذه.

تحقيقات تكشف عن العلامات الأولى الآثار الكارثية المحدقة بالبيئة التي يسببها مشروع سد “يوليوس نيريري” الكهرومائي في تنزانيا.

محطة يوليوس نيريري الكهرومائية لتوليد الكهرباء 2021، الفضل منسوب لموقع شركة “المقاولون العرب”

أنتج هذا التحقيق بالتعاون مع مركز “بوليتزر

 أخبرنا درويشي*، الناشط البيئي المحلي الذي لم يرغب في أن نكشف عن هويته “هذا المشروع كارثة بيئية حقيقية. أصبحت الحيوانات مرتبكة بل وعدوانية أيضاً”.  يرغب في أن يأخذنا إلى موقع بناء يوليوس نيريري.

 من السهل تفهم المخاوف التي دفعت الشاب لطلب عدم الكشف عن اسمه وهويته فقد سبق أن حذر وزير البيئة التنزاني السابق عام 2018 من أن: “كل من سيعارض المشروع سيكون مصيره السجن”. وبالتأكيد فإن السجن ليس مكاناً يرغب خريج جديد أن يبدأ حياته المهنية فيه.

 يقف الشاب عند البوابة الشرقية لمنتزه نيريري، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، يشاهد موكب الشاحنات الغريب وهي تدخل، وهي عبارة عن شاحنات بناء ضخمة تتبعها بعض سيارات “لاند كروزر” التي يشغلها بعض العمال الأجانب.

 لا يتوقع السائح العادي أن يكون جزءاً من هذا المشهد، لكن الحديقة تظل مفتوحة على الرغم من بناء أحد أكبر السدود في شرق أفريقيا، عبر نهر روفيجي، أطول نهر في تنزانيا.

وللتنقل عبر المحمية- الأكبر في تنزانيا – يتعين عليك السير في سحب دائمة من الغبار التي تثيرها شاحنات الإسمنت والأنابيب العملاقة.

شاحنات البناء تصطف عند البوابة الشرقية لمحمية نيريري ، أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو ، ألكسندر بروتيل ، سبتمبر 2022

أثار هذا المشروع الضخم للطاقة الكهرومائية “مخاوف جسيمة” لدى لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، والتي دعت الحكومة التنزانية في النهاية إلى التخلي عنه عام 2020، وفقاً لوكالة التحقيقات البيئية (EIA). والسبب الرئيسي لذلك هو عدم كفاية البحث حول التأثير الاجتماعي والبيئي للسد.

حتى إن الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) أعلن أن مشروع السد “غير متوافق” مع كون المحمية أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، بناءً على التقييم البيئي الاستراتيجي للمشروع (SEA)، والذي وجدت المراجعة أنه “غير كاف”.

يمكن أن يؤثر التنفيذ غير السليم للسد الذي يبلغ ارتفاعه 430 قدماً وعرضه 2300 قدم بشدة على نهر روفيجي ونظامه الهيدرولوجي المعقد، ما يتسبب في مجموعة واسعة من الأضرار قصيرة وطويلة الأمد للحياة البرية وحتى أنظمة غابات المنغروف، والتي توفر الموارد الأساسية للسكان في دلتا روفيجي عند مصب النهر.

نظرة عامة على موقع البناء والأصول البيئية المتصلة به ، كريستينا أوريشنيغ، منتدى التحقيقات البيئية]

وفقاً لكريستينا أوريشنيغ، الباحثة في الهيدرولوجيا ومهندسة الاستشعار عن بعد لدى منتدى الاستقصاء البيئي، فإن بيانات التنوع البيولوجي الموزعة مكانياً تظهر أنه يمكن العثور على 12 نوعاً مهدداً بالانقراض في المنطقة المجاورة مباشرة للمتنزه. ومن بينها الفيل الأفريقي بوش، وماساي الزرافة، والنسر المقنع.

لقد شهد درويشي بالفعل النتائج الأولى والفورية لمشروع الطاقة الضخم هذا. فقد سبق وعمل كحارس لنيريري بارك سنة 2021، كجزء من الواجبات المفروضة في برنامج دراسات حفظ الطبيعة. وعلى حد قوله أصبح التأثير السلبي للبناء الجاري على هذه الأنواع محسوساً بالفعل على أرض الواقع.

يمر ما يتراوح بين الـ50 و60 شاحنة عبر هذه البوابات كل يوم. يتسبب الغبار والضوضاء في حدوث اضطراب كبير لبعض الفصائل الحيوانية المميزة هنا، علماً أنها واحدة من أكبر 5 مناطق”. ويوضح “الخمسة الكبار هو التعبير المستخدم للترويج لعروض رحلات السفاري لمشاهدة الزرافات والجواميس والأسود والفيلة ووحيد القرن”.

توزيع أماكن مشاهدة الأنواع المهددة في المنطقة الأوسع المحيطة بموقع البناء، كريستينا أورنشيغ  لمنتدى التحقيقات البيئية

لكن العدد الفعلي للأنواع المتأثرة يمكن أن يكون أكبر بكثير من عدد الأنواع التي تعيش في مساحة المنطقة المتوقع ملؤها (حوالي 964 كم 2) بالمياه. وفقًا لبحث أورنشيج “قد تتأثر مجموعة كبيرة من الأنواع المهددة بهذا المشروع”.

وتخلص في دراستها إلى أن “مساحات ممتدة من مواطن الأنواع المهددة بالانقراض مثل الفيلة والحيوانات البرية ستضيع بسبب حجز المياه خلف السد”. ويبدو أن هذه الأنواع منزعجة بالفعل اليوم.

يقول درويشي “تتسبب أعمال البناء الجارية بالفعل في هروب الفيلة والحيوانات الأخرى من المحمية لشعورها بالارتباك أو حتى لمهاجمة بعض الشاحنات. وهذا لا يؤثر على موقع البناء فقط، بل على المحمية بأكملها. تم تسجيل مشكلات عدة في الحديقة، والتي شملت حوادث الطرق التي تحصل للظباء بشكل معتاد”.

يؤدي هذا الموقف إلى مشاهد سوريالية قام عمال البناء أنفسهم برفعها على الإنترنت ليراها الناس على مراجعات “غوغل”:

فرس نهر يسير على طريق أحد مواقع البناء. الصورة من: مراجعات جوجل

لم تفرض سلطات المنتزه أي غرامات على شركات البناء بسبب هذه الحوادث المتكررة. ومن بين هذه الشركات، شركة البناء المحلية تانسكو وشركتان مصريتان إحداهما مملوكة للدولة وهي شركة “المقاولون العرب” والأخرى “شركة السويدي” الخاصة وكذلك شركة “صينوهيدرو” المملوكة للحكومة الصينية. 

وفي مقابلة صحافية حديثة، اعترف ممثل عن شركة “المقاولون العرب” بحوادث فردية معزولة أثناء البناء، لكنه تجنب الحديث عن الجوانب السلبية بعيدة المدى للمشروع. 

يسطرد قائلاً “الحرس يساعدون الشركات هنا ويحرصون على عدم دخول أي أحد إلى موقع البناء وتوثيق ما يحصل”. وبالفعل بعد رحلة شاقة استغرقت ساعات على طرق المتنزه الوعرة المؤدية إلى موقع البناء، أوقفتنا سلطات المتنزه وأرجعونا إلى مدخل المنتزه. وحذرونا قائلين (إذا واصلتم على الطريق ذاته سيكون عليكم التعامل مع الجيش)”. 

برغم إجراءات المراقبة المشددة هذه، لا تتوانى شركة المقاولون العرب عن نشر أفلام وصور من موقع العمل بطريقة هوليوودية، كالفيديو التالي الذي التقط بطائرة مسيرة تصور التفجيرات المختلفة التي نفذتها الشركة في موقع التراث العالمي. 

[لقطات من شركة المقاولون العرب المملوكة للحكومة المصرية في مشروع يوليوس للطاقة الكهرومائية، 2020]

يظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته أورشنيغ تغيرات في سطح الأرض على امتداد 7.4 كيلومتراً مربعاً في موقع العمل. وتشمل خسارة 87 في المئة من الغابات في تلك المنطقة وتصحر مناطق نباتات الجنبات بنسبة 12 في المئة. 

تعد هذه أرقاماً صغيرة مقارنة بأرقام التصحر التي توقعتها منظمة “اليونسكو” و”المنظمة الدولية للحفاظ على البيئة”، والتي تبلغ 1000 كيلومتر مربع. والسبب في ذلك أن السد لم يدخل حيز الخدمة بعد والأرقام التي نشرتها هذه المنظمات تتوقع حدوثها على المدى البعيد. 

برغم أن خسارة 1000 كيلومتر مربع من الغابات في المحمية تمثل كارثة في حد ذاتها على الحياة البرية في المنطقة، إلا أن هناك خطراً آخر يهدد الحياة الطبيعية على بعد 150 كيلومتراً من موقع البناء على السواحل التنزانية. 

مشهد دلتا روفيجي: مركز غابات المنغروف في شرق أفريقيا. المشهد من مرفأ الصيد في قرية نيامباتي، التقطها ألكسندر بروتلي، أيلول/ سبتمبر 2022

في مصب النهر، تعد دلتا روفيجي موطناً لـ55 ألف هكتار من غابات المانغروف، وهو نوع استوائي من الغابات الساحلية، التي تلعب دوراً مهماً في خفض نسبة ثاني اكسيد الكربون على مستوى العالم، وتوصف بأنها أحواض تصريف لغاز ثاني أكسيد الكربون. الدلتا نفسها جزء من منطقة روفيجي مافيا كيلوا رامسار الرطبة التي تحظى بأهمية دولية. 

ومع تصحر 30 إلى 50 في المئة من غابات المنغروف على مستوى العالم في الخمسين سنة الماضية أي استهلاك ما يعادل 317 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون في العام، يمثل الحفاظ على ما تبقى منها أمراً حيوياً في جهود مكافحة أزمة التغير المناخي. 

في دلتا نهر روفيجي، يدرك الكثير من المزارعين المحليين والصيادين وعمداء القرى أهمية حفظ هذه الغابات الاستوائية المطيرة، برغم أن التوسع الزراعي ما زال يمثل عقبة في طريق جهود الحفاظ على هذه الغابات، خصوصاً زراعة الأرز. 

لكن الجهود التعليمية للحكومة التنزانية والتي بدأت في التسعينات من القرن الماضي، لم تحدث سوى تقدم بطيء لدى السكان المحليين الذين لا تزال نسبة كبيرة منهم غير مدركين لمشروع بناء سد جوليوس نيريري وآثاره المحتملة على غابات المنغروف المحلية. 

مشونغ، إحدى قرى الصيادين الأكثر عزلة في دلتا روفيجي، الكسندر بروتلي، أيلول 2022

في قرى متوندا وكيكالي ونيامبامي ومشوجو المعزولة الواقعة في دلتا روفيجي، لا تكاد تجد شخصاً واحداً يعرف بوجود مشروع لبناء سد قد يؤدي إلى التصحر على مقياس أكبر بكثير من نمط حياتهم. 

قد يؤدي تغيير مناسيب المياه في النهر وتدفقه الطبيعي إلى خنق غابات المنغروف المحلية، التي تعتبر الأكبر في شرق إفريقيا. لكن وفقاً لأوريشنج، من الصعب التنبؤ بمقدار الضرر في غياب البيانات اللازمة لإعداد نموذج التحليل. 

رغم عدم تقديمهم لهذه المعلومات، اعترفت شركة المقاولون العرب بوقوع حادثتي فيضان أثناء فترة البناء أدتا إلى تدمير أجزاء من موقع البناء لكن من “دون أي آثار سلبية”. 

هل ستكون الآثار المحتملة على غابات المنغروف خطيرة أو معتدلة أو طفيفة؟ من دون إتاحة المعلومات ستكون الإجابة على هذا السؤال مستحيلة. هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع اليونسكو والمنظمة الدولية للحفاظ على الطبيعة ومنظمة EIA بالتعبير عن مخاوفها والتعليق على التقييم البيئي الاستراتيجي غير المكتمل الذي أجرته مجموعة الشركات المشاركة في المشروع. 

هل هذا هو الثمن الذي يجب دفعه لتحقيق اكتفاء تنزانيا من الطاقة؟ على خلاف الخطاب العام الذي تستخدمه السلطات التنزانية لتبرير المشروع، قد لا يكون لهذا المشروع أي فوائد اقتصادية واجتماعية واضحة. في الحقيقة قد تبلغ تكلفته الفعلية 9.852 مليون دولار، أي أعلى من التكلفة الاجمالية المتوقعة في البداية بـ2.7 ضعف، وفقاً للباحث المستقل جورج هارتمان.

لم تستجب شركة “السويدي إلكتريك” لطلب التعليق. ولم تستجب كذلك الحكومة المصرية مالكة الشركة والتي استضافت مؤتمر المناخ COP27، لطلب التعليق. ورفض الشركاء الصينيون التعليق على الأمر برغم مشاركة الحكومة الصينية في اتفاق COP15 للتنوع البيئي، الذي وعد بحماية 30 في المئة من سطح الأرض بحلول عام 2030. 

وحين سئلت الحكومتان عن مدى التزامهما بالمشاريع المهددة للبيئة في المناطق المحمية، مثل موقع التراث العالمي في نيريري، امتنعت وزارات البيئة في كلا الدولتين عن التعليق أو الإجابة على السؤال. 

وفقاً لمصدر صحافي محلي، فإن الجسم الرئيسي للسد اكتمل بناؤه في تشرين الأول/ أكتوبر 2022. ومع ذلك لم ينشر بعد على الملأ أي نموذج تدفق يوضح العمليات المستقبلية للسد. 

ومن حينها صنفت منظمة اليونسكو نيريري على أنها موقع تراث عالمي مهدد بالخطر، رداً على استمرار السلطات التنزانية في بناء السد، برغم تصريح “المنظمة العالمية للحفاظ على الطبيعة” بأن آثاره السلبية قد تهدد حياة 200 ألف إنسان يعيشون على ضفاف النهر. 

هذه هي النسخة العربية من التحقيق الذي نشر بشراكات إعلامية عدة بلغات مختلفة.

اشترك بنشرتنا البريدية