fbpx

تاريخ سوريا الأثريّ النفيس مهدّد بالتنقيب غير المشروع

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تمتدّ تداعيات التنقيب غير القانوني إلى ما هو أبعد من فقدان التراث الثقافي. فمواقع مثل بَرَهْليا  وسوق وادي بردى وكفر العواميد تحمل أهمية تاريخية عميقة، عبر ملامح آثار الهياكل اليونانية والرومانية فيها، والتي تعود إلى قرون سحيقة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من الطبيعة الهادئة في ريف دمشق، تردّد صدى اكتشاف مذهل في المجتمع الآثاري، وألقى بظلال الشك على سياسات الحفاظ على التراث الثقافي السوري. فالتنقيب غير المشروع في قرى وادي بردى على مدى السنوات الماضية، يثير مخاوف بشأن انتشار التجارة غير المشروعة بالقطع الأثرية. وتنحصر الاتهامات في كيانات كالفرقة المدرعة الرابعة، والحرس الجمهوري، وإدارة المخابرات الجوية، بأنها المستفيدة من تلك الحفريات. ولهذه الممارسات تداعيات خطيرة، وتتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية التراث الثقافي السوري الذي لا يقدَّر بثمن.

فقد تردّد خبر مصادرة القوى الأمنية لوحة فسيفسائية وصندوقين مليئين بالذهب. وكان مزارع قد عثر على تلك الآثار في أرضه بعد فترة من الأمطار الغزيرة في بَرَهْليا، البلدة الصغيرة الواقعة في ريف دمشق؛ إلى الشمال الغربي من العاصمة.

وأكد رئيس بلدية قرية سوق وادي بردى المجاورة، محمود عباس، اكتشاف اللوحة فقط، والتي ستُخضعها المديرية العامة للآثار والمتاحف للفحص، لبيان أهميتها التاريخية. لكن هوية المزارع لم تُكشف لأسباب مجهولة.

بيد أن مواقع إلكترونية معارضة، قدّمت رواية بديلة تزعم وجود تواطؤ بين ضباط من جيش ومخابرات النظام. وبحسب تلك المصادر، قامت الأجهزة الأمنية، وفور علمها بوجود الذهب والآثار، برفقة قوات عسكرية من الفرقة المدرعة الرابعة؛ بتفتيش مكثف في المنطقة. وعثرت على صناديق الذهب بعدما قامت بمسح مقبرة القرية ومحيط بَرَهْليا. وخشية تهريب المدنيين قطعاً أثرية، تم استقدام تعزيزات وتشديد الإجراءات الأمنية.

وللأسف، هي ليست حادثة منفردة في منطقة وادي نهر بردى ذات الأهمية التاريخية. إذ لا تزال قرى مثل بَرَهْليا وسوق وادي بردى وكفر العواميد، الواقعة عند سفح جبل هابيل، تتباهى بأعمدة المعابد اليونانية القديمة فيها.

وتعود جذور بَرَهْليا التاريخية إلى دولة أرام دمشق، التي امتدّ وجودها من القرن 12 قبل الميلاد إلى عام 732 قبل الميلاد. وخلال العصر الروماني، لعبت قرية سوق وادي بردى، المعروفة آنذاك باسم مدينة أبيلا (أو أبيلينة)، دوراً حيوياً في ربط دمشق وبعلبك (Heliopolis) وساحل البحر الأبيض المتوسط. حتى إن المنطقة مذكورة في القصة التوراتية لقابيل وهابيل، حيث يُعتقد على المستوى الشعبي أن جبل هابيل هو نفسه موقع دفن هابيل. وفوق تلك الأرض المقدسة، يوجد ضريح شُيّد عام 1599 ويجذب إليه زواراً من الدروز والشيعة والسُّنة. ويحتمل أنه حلّ مكان كنيسة بيزنطية ربما تم بناؤها فوق معبد روماني. ويعتقد بعض الباحثين أن ثمة علاقة بين ليسانياس (Lysanias) حاكم أبيلا، المذكور في إنجيل لوقا، وتسمية “جبل هابيل”، إذ يمكن أن تكون تسمية الجبل تحريفاً من أبيلا.

تؤكد حادثة التنقيب الغامضة تلك، الاستغلال المستمر والمسيء للكنوز التاريخية السورية، ما يرتب عواقب وخيمة على تراثها الثقافي. 

ويسرد حسن (مدرس رياضيات، 40 سنة)، قصة شخصية مؤلمة تلخص الآثار المأساوية التي أعقبت تورط القوات الروسية وقوات النظام السوري في عمليات تنقيب غير مشروعة. 

من الطبيعة الهادئة في ريف دمشق، تردّد صدى اكتشاف مذهل في المجتمع الآثاري، وألقى بظلال الشك على سياسات الحفاظ على التراث الثقافي السوري.

عام 2017، أجبرت المخابرات العسكرية السورية حسن على الانخراط في التنقيب في مدينة تدمر، الواقعة على بعد 240 كيلومتراً شمال شرقي دمشق. وقد دفع له مشغلوه نحو 16 دولاراً في اليوم ووعدوه كذباً بإعفائه من الخدمة العسكرية الاحتياطية. وقد ساعد مع آخرين في التنقيب عن قطع أثرية استولت عليها القوات الروسية في النهاية. لاحقاً، أخلت القوات مواقع التنقيب، ومكّنت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من استعادة السيطرة عليها. وجاء ذلك الإجراء للسماح لـ”داعش” باستعادة السيطرة على المواقع، والإيهام بأن التنظيم المتطرف هو من قام بالتنقيب.

وأضاف حسن أن عمليات تنقيب مماثلة جرت في تلك الفترة في منطقة وادي بردى. فقد أفاد سكان محليون عن وجود مافيات تجوب المنطقة بحثاً عن قطع أثرية منذ سنوات بحماية روسية وغطاء من شخصيات أمنية وعسكرية سورية. كما ذكروا حوادث بيع آثار مزيفة لأفراد من “حزب الله” اللبناني قاتلوا ضد المعارضة المسلحة في المنطقة ولهم الآن علاقات مع سكانها.

وإضافة إلى مسؤولية القوات الروسية في سوريا، أشارت تقارير إعلامية سابقة إلى مشاركة قوات سورية في أعمال التنقيب ونهب آثار المنطقة وتهريبها، بمن فيها إدارتا المخابرات الجوية والعسكرية والحرس الجمهوري ومسؤولون كبار مثل اللواء طلال مخلوف والعميد قيس الفروة. بينما تشير اليوم تقارير إلى مسؤولية اللواء ماهر الأسد، قائد الفرقة المدرعة الرابعة وشقيق الرئيس السوري، عن تلك العمليات.

وتحتاج القوانين السورية المتعلقة بالتنقيب غير المشروع وتهريب الآثار، إلى تحديث رادع وشامل لا يترك مجالاً للغموض. إذ يواجه المخالفون لقانون الآثار الصادر بالمرسوم التشريعي 222 لعام 1963 وتعديلاته بالقانون 1 لعام 1999، عقوبات مشددة منها السجن لمدة تتراوح ما بين 10 و15 سنة. إلا أن الغرامات المفروضة اليوم، والتي تتراوح ما بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية (11 إلى 55.5 دولار)، لم تعد رادعة مع هبوط سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار من 50 ليرة سورية للدولار عام 2010 إلى نحو 9000 ليرة سورية في حزيران/ يونيو 2023.

كما يعاقب من يتسبّب بأضرار جسيمة بالمواقع التاريخية أو يعبث بالآثار، بالسجن لمدة تتراوح ما بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات وغرامات تتراوح بين 1000 و10000 ليرة سورية (0.11 و1.11 دولار). ويمكن أن يؤدي اقتناء القطع الأثرية غير المسجلة أو نقلها من دون التصاريح المنصوص عليها في القانون، إلى السجن لمدة تتراوح بين شهر إلى ستة أشهر وغرامات تتراوح ما بين 1000 و5000 ليرة سورية (0.11 و0.55 دولار).

ومع ذلك، فإن مكافحة التنقيب غير المشروع وتهريب القطع الأثرية في سوريا يشكلان تحديات هائلة. إذ تستغلّ المافيات المحلية، بالتواطؤ مع مسؤولي النظام، حالة عدم الاستقرار في البلاد وضعف الحكومة المركزية، ما يعيق التطبيق الفعّال للقانون. علاوة على ذلك، فإن انتشار الآثار المزوّرة يعقّد عمليات التعرف على القطع الأثرية الأصلية والحفاظ عليها.

فعلى سبيل المثال، في 28 نيسان/ أبريل 2017، وفي مقابلة على الفضائية السورية الحكومية، قال محمود دياب، المعروف بأبي تمّام، رجل أشيب من بَرَهْليا، إنه كان “يجرّف بالجرافة خلف بيته” من غير أن يوضح سبب ذلك. وتابع: “اكتشفنا لوحة فسيفسائية كبيرة. وحين عرفنا أنها ذات قيمة أثرية كبيرة، قدّمناها إهداءً للسيد الرئيس بشار الأسد”.

لم يصدر تعليق من القصر الرئاسي حول تصريحات دياب.

لكن في الواقع، كان دياب يقصد لوحة فسيفسائية بمساحة 42 متراً مربعاً ويعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي.  في آب/ أغسطس 2013، أفادت وسائل إعلام حكومية سورية، بأن المديرية العامة للآثار والمتاحف نقلت تلك اللوحة من موقع اكتشافها في بَرَهْليا إلى المتحف الوطني المملوك للدولة في دمشق. وبحسب المصادر الرسمية، فإن أهالي بَرَهْليا كانوا قد عثروا عليها وأبلغوا السلطات بشأنها على الفور. وأصدرت دائرة آثار ريف دمشق الحكومية بياناً كشفت فيه أن اللوحة جزء من أخرى أكبر تعرّضت للتخريب خلال عقود سابقة، ما أفقدها كثيراً من تصاويرها.

ولعب تمّام، نجل دياب، دوراً أساسياً في تلك التنقيبات، خصوصاً أنه يحظى بصلة وثيقة باللواء جميل حسن، الذي كان رئيساً لإدارة المخابرات الجوية في ذلك الوقت. ويقول السكان المحليون إن تمّام شكّل عام 2017 مجموعات مسلحة عملت في التنقيبات غير المشروعة في بَرَهْليا وكفر العواميد وسوق وادي بردى.

ويُعرف تَمَّام في وسائل الإعلام السورية منذ شهر أيار/ مايو 2012. إذ فرضت الحكومة السورية عليه حظراً عن التعاملات مع الدولة لمدة خمس سنوات “بسبب سوء تنفيذ تعهدات”. وطالب تقرير رسمي بإحالة تَمَّام إلى القضاء بتهم غش الدولة واختلاس 5,343,727 ليرة من المال العام (106,875 دولار). ورغم ذلك، عمل تمّام منذ 2012 لتشكيل ميليشيا موالية للنظام في وادي بردى ثم في تسهيل تسويات “المصالحة الوطنية” هناك.

وتمتدّ تداعيات التنقيب غير القانوني إلى ما هو أبعد من فقدان التراث الثقافي. فمواقع مثل بَرَهْليا  وسوق وادي بردى وكفر العواميد تحمل أهمية تاريخية عميقة، عبر ملامح آثار الهياكل اليونانية والرومانية فيها، والتي تعود إلى قرون سحيقة. ومن المؤسف أن المجتمعات المحلية في هذه المناطق لا تتأثر كثيراً بتلك المعالم الفريدة. إذ لا ينشّط “نظام حزب البعث” الذي يحكم البلاد منذ عام 1963، حركة السياحة أو يحافظ على الموروث الثقافي فيها، ما يؤكد حالة مريعة من اللصوصية وسوء الإدارة والإهمال وانعدام الكفاءة.

ومع استمرار النظام السوري والقوات الروسية في أعمال التنقيب غير المشروعة، فإن التراث الثقافي السوري على المحك. ولا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الآثار التي لا تقدّر بثمن، والحفاظ على تاريخ سوريا، وتقديم مرتكبي تلك الجرائم إلى العدالة. والسبل إلى ذلك تتمثل في التعاون الدولي والجهود الجماعية لإنفاذ القوانين لكبح نهب وتهريب الكنوز الثقافية السورية، ما يضمن إرثاً مستمراً للأجيال المقبلة.

مراجع:

كتاب “دمشق الشام في نصوص الرحالين والجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين”، أحمد الأبيش ود. قتيبة الشهابي، (وزارة الثقافة – دمشق 1998)

كتاب “دمشق”، جيرار ديجورج، (2004)

15.06.2023
زمن القراءة: 6 minutes

تمتدّ تداعيات التنقيب غير القانوني إلى ما هو أبعد من فقدان التراث الثقافي. فمواقع مثل بَرَهْليا  وسوق وادي بردى وكفر العواميد تحمل أهمية تاريخية عميقة، عبر ملامح آثار الهياكل اليونانية والرومانية فيها، والتي تعود إلى قرون سحيقة.

من الطبيعة الهادئة في ريف دمشق، تردّد صدى اكتشاف مذهل في المجتمع الآثاري، وألقى بظلال الشك على سياسات الحفاظ على التراث الثقافي السوري. فالتنقيب غير المشروع في قرى وادي بردى على مدى السنوات الماضية، يثير مخاوف بشأن انتشار التجارة غير المشروعة بالقطع الأثرية. وتنحصر الاتهامات في كيانات كالفرقة المدرعة الرابعة، والحرس الجمهوري، وإدارة المخابرات الجوية، بأنها المستفيدة من تلك الحفريات. ولهذه الممارسات تداعيات خطيرة، وتتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية التراث الثقافي السوري الذي لا يقدَّر بثمن.

فقد تردّد خبر مصادرة القوى الأمنية لوحة فسيفسائية وصندوقين مليئين بالذهب. وكان مزارع قد عثر على تلك الآثار في أرضه بعد فترة من الأمطار الغزيرة في بَرَهْليا، البلدة الصغيرة الواقعة في ريف دمشق؛ إلى الشمال الغربي من العاصمة.

وأكد رئيس بلدية قرية سوق وادي بردى المجاورة، محمود عباس، اكتشاف اللوحة فقط، والتي ستُخضعها المديرية العامة للآثار والمتاحف للفحص، لبيان أهميتها التاريخية. لكن هوية المزارع لم تُكشف لأسباب مجهولة.

بيد أن مواقع إلكترونية معارضة، قدّمت رواية بديلة تزعم وجود تواطؤ بين ضباط من جيش ومخابرات النظام. وبحسب تلك المصادر، قامت الأجهزة الأمنية، وفور علمها بوجود الذهب والآثار، برفقة قوات عسكرية من الفرقة المدرعة الرابعة؛ بتفتيش مكثف في المنطقة. وعثرت على صناديق الذهب بعدما قامت بمسح مقبرة القرية ومحيط بَرَهْليا. وخشية تهريب المدنيين قطعاً أثرية، تم استقدام تعزيزات وتشديد الإجراءات الأمنية.

وللأسف، هي ليست حادثة منفردة في منطقة وادي نهر بردى ذات الأهمية التاريخية. إذ لا تزال قرى مثل بَرَهْليا وسوق وادي بردى وكفر العواميد، الواقعة عند سفح جبل هابيل، تتباهى بأعمدة المعابد اليونانية القديمة فيها.

وتعود جذور بَرَهْليا التاريخية إلى دولة أرام دمشق، التي امتدّ وجودها من القرن 12 قبل الميلاد إلى عام 732 قبل الميلاد. وخلال العصر الروماني، لعبت قرية سوق وادي بردى، المعروفة آنذاك باسم مدينة أبيلا (أو أبيلينة)، دوراً حيوياً في ربط دمشق وبعلبك (Heliopolis) وساحل البحر الأبيض المتوسط. حتى إن المنطقة مذكورة في القصة التوراتية لقابيل وهابيل، حيث يُعتقد على المستوى الشعبي أن جبل هابيل هو نفسه موقع دفن هابيل. وفوق تلك الأرض المقدسة، يوجد ضريح شُيّد عام 1599 ويجذب إليه زواراً من الدروز والشيعة والسُّنة. ويحتمل أنه حلّ مكان كنيسة بيزنطية ربما تم بناؤها فوق معبد روماني. ويعتقد بعض الباحثين أن ثمة علاقة بين ليسانياس (Lysanias) حاكم أبيلا، المذكور في إنجيل لوقا، وتسمية “جبل هابيل”، إذ يمكن أن تكون تسمية الجبل تحريفاً من أبيلا.

تؤكد حادثة التنقيب الغامضة تلك، الاستغلال المستمر والمسيء للكنوز التاريخية السورية، ما يرتب عواقب وخيمة على تراثها الثقافي. 

ويسرد حسن (مدرس رياضيات، 40 سنة)، قصة شخصية مؤلمة تلخص الآثار المأساوية التي أعقبت تورط القوات الروسية وقوات النظام السوري في عمليات تنقيب غير مشروعة. 

من الطبيعة الهادئة في ريف دمشق، تردّد صدى اكتشاف مذهل في المجتمع الآثاري، وألقى بظلال الشك على سياسات الحفاظ على التراث الثقافي السوري.

عام 2017، أجبرت المخابرات العسكرية السورية حسن على الانخراط في التنقيب في مدينة تدمر، الواقعة على بعد 240 كيلومتراً شمال شرقي دمشق. وقد دفع له مشغلوه نحو 16 دولاراً في اليوم ووعدوه كذباً بإعفائه من الخدمة العسكرية الاحتياطية. وقد ساعد مع آخرين في التنقيب عن قطع أثرية استولت عليها القوات الروسية في النهاية. لاحقاً، أخلت القوات مواقع التنقيب، ومكّنت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من استعادة السيطرة عليها. وجاء ذلك الإجراء للسماح لـ”داعش” باستعادة السيطرة على المواقع، والإيهام بأن التنظيم المتطرف هو من قام بالتنقيب.

وأضاف حسن أن عمليات تنقيب مماثلة جرت في تلك الفترة في منطقة وادي بردى. فقد أفاد سكان محليون عن وجود مافيات تجوب المنطقة بحثاً عن قطع أثرية منذ سنوات بحماية روسية وغطاء من شخصيات أمنية وعسكرية سورية. كما ذكروا حوادث بيع آثار مزيفة لأفراد من “حزب الله” اللبناني قاتلوا ضد المعارضة المسلحة في المنطقة ولهم الآن علاقات مع سكانها.

وإضافة إلى مسؤولية القوات الروسية في سوريا، أشارت تقارير إعلامية سابقة إلى مشاركة قوات سورية في أعمال التنقيب ونهب آثار المنطقة وتهريبها، بمن فيها إدارتا المخابرات الجوية والعسكرية والحرس الجمهوري ومسؤولون كبار مثل اللواء طلال مخلوف والعميد قيس الفروة. بينما تشير اليوم تقارير إلى مسؤولية اللواء ماهر الأسد، قائد الفرقة المدرعة الرابعة وشقيق الرئيس السوري، عن تلك العمليات.

وتحتاج القوانين السورية المتعلقة بالتنقيب غير المشروع وتهريب الآثار، إلى تحديث رادع وشامل لا يترك مجالاً للغموض. إذ يواجه المخالفون لقانون الآثار الصادر بالمرسوم التشريعي 222 لعام 1963 وتعديلاته بالقانون 1 لعام 1999، عقوبات مشددة منها السجن لمدة تتراوح ما بين 10 و15 سنة. إلا أن الغرامات المفروضة اليوم، والتي تتراوح ما بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية (11 إلى 55.5 دولار)، لم تعد رادعة مع هبوط سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار من 50 ليرة سورية للدولار عام 2010 إلى نحو 9000 ليرة سورية في حزيران/ يونيو 2023.

كما يعاقب من يتسبّب بأضرار جسيمة بالمواقع التاريخية أو يعبث بالآثار، بالسجن لمدة تتراوح ما بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات وغرامات تتراوح بين 1000 و10000 ليرة سورية (0.11 و1.11 دولار). ويمكن أن يؤدي اقتناء القطع الأثرية غير المسجلة أو نقلها من دون التصاريح المنصوص عليها في القانون، إلى السجن لمدة تتراوح بين شهر إلى ستة أشهر وغرامات تتراوح ما بين 1000 و5000 ليرة سورية (0.11 و0.55 دولار).

ومع ذلك، فإن مكافحة التنقيب غير المشروع وتهريب القطع الأثرية في سوريا يشكلان تحديات هائلة. إذ تستغلّ المافيات المحلية، بالتواطؤ مع مسؤولي النظام، حالة عدم الاستقرار في البلاد وضعف الحكومة المركزية، ما يعيق التطبيق الفعّال للقانون. علاوة على ذلك، فإن انتشار الآثار المزوّرة يعقّد عمليات التعرف على القطع الأثرية الأصلية والحفاظ عليها.

فعلى سبيل المثال، في 28 نيسان/ أبريل 2017، وفي مقابلة على الفضائية السورية الحكومية، قال محمود دياب، المعروف بأبي تمّام، رجل أشيب من بَرَهْليا، إنه كان “يجرّف بالجرافة خلف بيته” من غير أن يوضح سبب ذلك. وتابع: “اكتشفنا لوحة فسيفسائية كبيرة. وحين عرفنا أنها ذات قيمة أثرية كبيرة، قدّمناها إهداءً للسيد الرئيس بشار الأسد”.

لم يصدر تعليق من القصر الرئاسي حول تصريحات دياب.

لكن في الواقع، كان دياب يقصد لوحة فسيفسائية بمساحة 42 متراً مربعاً ويعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي.  في آب/ أغسطس 2013، أفادت وسائل إعلام حكومية سورية، بأن المديرية العامة للآثار والمتاحف نقلت تلك اللوحة من موقع اكتشافها في بَرَهْليا إلى المتحف الوطني المملوك للدولة في دمشق. وبحسب المصادر الرسمية، فإن أهالي بَرَهْليا كانوا قد عثروا عليها وأبلغوا السلطات بشأنها على الفور. وأصدرت دائرة آثار ريف دمشق الحكومية بياناً كشفت فيه أن اللوحة جزء من أخرى أكبر تعرّضت للتخريب خلال عقود سابقة، ما أفقدها كثيراً من تصاويرها.

ولعب تمّام، نجل دياب، دوراً أساسياً في تلك التنقيبات، خصوصاً أنه يحظى بصلة وثيقة باللواء جميل حسن، الذي كان رئيساً لإدارة المخابرات الجوية في ذلك الوقت. ويقول السكان المحليون إن تمّام شكّل عام 2017 مجموعات مسلحة عملت في التنقيبات غير المشروعة في بَرَهْليا وكفر العواميد وسوق وادي بردى.

ويُعرف تَمَّام في وسائل الإعلام السورية منذ شهر أيار/ مايو 2012. إذ فرضت الحكومة السورية عليه حظراً عن التعاملات مع الدولة لمدة خمس سنوات “بسبب سوء تنفيذ تعهدات”. وطالب تقرير رسمي بإحالة تَمَّام إلى القضاء بتهم غش الدولة واختلاس 5,343,727 ليرة من المال العام (106,875 دولار). ورغم ذلك، عمل تمّام منذ 2012 لتشكيل ميليشيا موالية للنظام في وادي بردى ثم في تسهيل تسويات “المصالحة الوطنية” هناك.

وتمتدّ تداعيات التنقيب غير القانوني إلى ما هو أبعد من فقدان التراث الثقافي. فمواقع مثل بَرَهْليا  وسوق وادي بردى وكفر العواميد تحمل أهمية تاريخية عميقة، عبر ملامح آثار الهياكل اليونانية والرومانية فيها، والتي تعود إلى قرون سحيقة. ومن المؤسف أن المجتمعات المحلية في هذه المناطق لا تتأثر كثيراً بتلك المعالم الفريدة. إذ لا ينشّط “نظام حزب البعث” الذي يحكم البلاد منذ عام 1963، حركة السياحة أو يحافظ على الموروث الثقافي فيها، ما يؤكد حالة مريعة من اللصوصية وسوء الإدارة والإهمال وانعدام الكفاءة.

ومع استمرار النظام السوري والقوات الروسية في أعمال التنقيب غير المشروعة، فإن التراث الثقافي السوري على المحك. ولا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الآثار التي لا تقدّر بثمن، والحفاظ على تاريخ سوريا، وتقديم مرتكبي تلك الجرائم إلى العدالة. والسبل إلى ذلك تتمثل في التعاون الدولي والجهود الجماعية لإنفاذ القوانين لكبح نهب وتهريب الكنوز الثقافية السورية، ما يضمن إرثاً مستمراً للأجيال المقبلة.

مراجع:

كتاب “دمشق الشام في نصوص الرحالين والجغرافيين والبلدانيين العرب والمسلمين”، أحمد الأبيش ود. قتيبة الشهابي، (وزارة الثقافة – دمشق 1998)

كتاب “دمشق”، جيرار ديجورج، (2004)

15.06.2023
زمن القراءة: 6 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية