fbpx

فرادة النّموذج الفرنسي: ديناميّات الدّمج والإقصاء 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

وفقًا لآخر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الفرنسي، أنفقت الدّولة الفرنسيّة أكثر من 117 مليار يورو على الأحياء الصّعبة وحدها بين عامَي 2010 و2023. ويشمل ذلك الدّعم الذي ينتقل من التّربية والتّعليم إلى السّكن، مرورًا بالتّدريب المهني والأمن والتّقديمات الاجتماعيّة الخاصّة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

توطئة: 

النّموذج الفرنسي في ما يتعلق بالمواطنة والاندماج يخزن الكثير من الفرادة في تطوّره التّاريخي من النّواحي السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. بالإضافة إلى الصّراع التّاريخي بين مبادئ الثّورة الفرنسيّة الجمهوريّة “العالميّة” والتّاريخ الاستعماري للإمبراطوريّة، جاءت الحربان العالميّتان الأولى والثّانية لتزيدا من التّعقيدات والفرادة في مسار بناء الجمهوريّة الخامسة. تدريجيًّا، أنتجت بربريّة الحربين ثقافة مجتمعيّة وممارسة سياسيّة تقوم على ركيزتين، هما: احتكار الدّولة القوي للعنف -المقيّد دستوريًا، وثقافة السّلام La paix et la pacification de la société. لقد شكّلت ويلات الحرب العالميّة الثّانية والجنون القومي والإبادة الجماعيّة لليهود، ثقافة مناهضة للتمييز والعنصريّة، ودعت إلى تعميم ثقافة التّسامح ودعم المواطنة ودولة القانون. لم تكن هذه هي حال فرنسا فحسب، بل كانت حالة عامّة في أوروبا على الرّغم من انقسام الحرب الباردة، وإحدى ركائز بناء الاتّحاد الأوروبي أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يشار إلى أحكام قانون 1905 بشأن فصل الدّين عن الدّولة، والتي شكّلت إطارًا فريدًا وحادًا لتطبيق العلمانيّة الفرنسيّة، على أنّها “معادية” لرجال الدين وأيّ شكل من أشكال الأجسام الوسيطة ذات الطّابع الطّائفي (Communautés).

1983 والتّشكل السّياسي لظاهرة المهاجرين والضّواحي: 

لا يمكن اعتبار مسيرة 1983 من مرسيليا إلى باريس والاجتماع مع الرّئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلّا نقطة تحوّل تاريخيّة في مسار الهجرة وحياة الفرنسيين من أصول مهاجرة. أوّلًا، لأن إضفاء الطّابع السّياسي بالمعنى الحقوقي للكلمة وضع قضيّة الهجرة في فرنسا ضمن النّقاشات العامّة في الحياة السّياسيّة والحزبيّة. ثانيًا، لأنّ هذه المسيرة أخرجت الفرنسيين من أصول مهاجرة من الضواحي إلى العلن (de l’invisibilité)، لذلك بدأ الشعب الفرنسي في اكتشاف إخوته المواطنين الجدد، من ألوان بشرة مختلفة، بأسماء لم يعتد على سماعها، بلهجات جديدة للغة الفرنسيّة. ثالثًا، لأنّ المدن العماليّة الشعبيّة والضّواحي الفقيرة كانت حتّى ذلك الحين مدنًا مختلطة إلى حدّ كبير، وكان اليَسار حاضرًا فيها بقوّة، وبالتّالي مع تولّي ميتران الرّئاسة، كان على اليَسار تلقّف هذا التّحدّي والعمل على تحسين شروط المواطنة، ومستوى الحياة في هذه الأحياء. وكان الدّيمقراطيّون المسيحيّون جزءًا أساسيًّا في هذه المعركة أيضًا. رابعًا، دخلت فرنسا، كما كانت الحال في جميع أنحاء العالم، عصر الإعلام والصّورة بقوّة، ما خلق ديناميّات متناقضة حول “نحن” و “الآخر”، والصّور النّمطيّة بسبب توافر المعلومات والتّعبير عن الاختلافات والتّنوّع  (Le voile d’ignorance)، التي شكّلت تحدّيًّا جديدًا للنموذج الفرنسي غير المُجهّز لإدارة التّنوع الثّقافي؛ فقد تمَحورت حياته السّياسيّة حتّى ذلك الوقت حول قسمة اليَمين واليَسار. وهذا ليس معطى ثانوياً. فالدّولة الفرنسيّة هيَ من صنع الأمّة الفرنسيّة L’Etat qui a fait la nation من خلال خلق المواطن عبر التّربية والتّعليم، في منافسة مع الكنيسة والهويّات المناطقيّة.

للتذكير، حتّى عام 1977 كان ممنوعًا استخدام أيّ لغّة مناطقيّة/محليّة في الحيّز العام. إذا لم نفهم هذا النّموذج (Paradigme) الفريد، فسَيكون من السّهل علينا أن نوصم كلّ تصرّف تقوم به الدّولة الفرنسيّة مع المهاجرين بالعنصريّة، وهذا ليس صحيحًا. من هنا وحتّى هذه اللّحظة، لا تعترف الدّولة بشكل واضح بأنّها دولة هجرة (تستقبل مهاجرين) مثل الولايات الأميركيّة والدّولة الكنديّة القائمتين على الدّمج (Intégration)، والتّنوّع الثّقافي، والقبول به. فالعقل الفرنسي يميل بطبيعته إلى استيعاب الوافدين وفق شروطه (Assimilation) وليس الدّمج، الأمر الذي يتطلّب الاعتراف بتعدّد الثّقافات.

من هنا، كان أول الإجراءات التي اتّخذتها اللّجنة الوطنيّة للتنمية الاجتماعيّة للأحياء CNDSQ، والتي تأسّست عام 1982، هو العمل على تعزيز التّربية والتّعليم في هذه الأحياء من خلال سياسات قائمة على التّمييز الإيجابي، والتي كانت متماهية مع النّموذج الأميركي (Affirmative Action, Positive Discrimination)، فكانت برامج “الأولويّة للتعليم” ZEP: Zones) d’Education Prioritaire ). تُعَد فترة الثّمانينات فترة مكثّفة من العمل الاجتماعي والتّربوي والثّقافي في هذه الأحياء في محاولة لاستيعاب هذه الظّاهرة بحسب آليّات العقل الفرنسي ونظرته الى الأمور. انعكس هذا التّداخل والاختلاط الغَني، الذي ساد هذه الأحياء حتّى أواخر التّسعينات بسبب عوامل اقتصاديّة وجغرافيّة وسياسيّة، على النّضالات السّياسيّة والاجتماعيّة. كانت التظاهرات المطلبية، أو تلك المناهضة للعنصريّة، أو التي تتناول حقوق الفلسطينيين، متنوّعة، وكان الفرنسيّون حاضرين فيها بقوّة بخاصّة من اليَسار والوَسط. كانت جمعيّات مثل منظّمة مكافحة العنصريّة (SOS Racisme) مكانًا زاخرًا يعبّر عن حقيقة هذا التّنوّع الموجود في هذه الأحياء، كما كانت الحال في الولايات المتّحدة أثناء نضال الأفارقة-الأميركيين من أجل حقوقهم.

منذ ذلك الحين وحتّى منتصف عام 2000، كانت سياسة الدّولة الفرنسيّة قائمة على “ضبط تدفّقات الهجرة” (Maîtriser les flux migratoires)، وليس على سياسات الدّمج. جاء القانون الأوّل الذي تناول الاندماج في أواخر عام 2003، وتمّ تعديله في عام 2006 عندما كان ساركوزي وزيرًا للداخليّة، بعد احتجاجات الضّواحي عام 2005، ودخل حيّز التّنفيذ عام 2007: (La loi «Hortefeux» du 20 novembre 2007, relative à la maîtrise de l’immigration, à (l’intégration et à l’asile)، لكن فكرة ضبط الهجرة ظلّت سابقة لفكرة الاندماج. هناك في مكان ما في العقل الفرنسي، بناءً على تطوّره التّاريخي، اعتقاد بأنّ الدّولة يجب أن تضمن الحقوق والخدمات وتمنع التّمييز، وأنّ الفرد يجب أن يبذل مجهودًا ذاتيًّا لاستكمال اندماجه وتبنّي القيَم الفرنسيّة و“التّفرسن” بشكل ما.  

الجمهوريّة التي أصدرت قانون الحرّيّات الإعلاميّة عام 1881 والذي بموجبه منعت أي سلوك عنصري، وأتبعته بقانون فصل الدّين عن الدّولة عام 1905، بالإضافة الى قانون مناهضة العنصريّة عام 1972 (La loi Pleven du 1er Juillet 1972 sur la lutte contre le racisme)، بالإضافة الى قانون عام 1990 (La loi Gayssot, du 13 Juillet 1990, tendant à réprimer tout acte raciste, antisémite ou xénophobe)، هذه الجمهوريّة لا يمكن وصمها لا بالتّمييز ولا بالعنصريّة. هذه الرؤية الرّاديكاليّة في العقل الفرنسي (مجتمع ودولة) للمواطنة والدّين والاندماج لا يمكن فهمها إلّا إذا علمنا أنّه في فرنسا، وفقًا لقانون يعود تاريخه إلى عام 1978، لا يمكن جمع معلومات أو إحصاءات تظهر الانتماء الدّيني أو الإثني أو السّياسي للمواطنين. هنا يكمن الاستثناء العلماني الفرنسي، الذي -إنْ لم يُلاحظ- سيُؤَدّي الى استنتاجات معلّبة. التّمييز، إذا كان موجودًا في فرنسا،  لا يتمّ إضفاء الطّابع المؤسّسي عليه، لا من الأنظمة ولا الدّولة، ولكن جزئيًّا في بعض الجوانب الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، أيّ في المجتمع، وإذا أردنا فهمه يجب علينا فهم التغيّرات الاجتماعيّة والمجتمعيّة. 

ما الذي حدث بعد عام 1983 ولماذا فشل الاندماج؟

خلال الفترة 1983-2007، بذلت الدّولة الفرنسيّة، في عهد ميتران اليَساري وشيراك اليَميني، جهودًا هائلة واستثنائيّة (أنظر القائمة في نهاية المقال) لتطوير المدن العمّاليّة والأحياء الشعبيّة. وقد صاحبتها ديناميّة مجتمعيّة مدافعة عن العمّال الأجانب والفرنسيين من الأصول المهاجرة. ولم ينقطع هذا الجهد حتّى عام 2018 بقرار الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتّوقف عن دعم السّياسات المدينيّة والتّركيز على سياسات دعم القدرة الشّرائيّة للفرنسيين، في خروج عن التّقليد الفرنسي الذي يعطي أهميّة كبيرة للإدارة الجغرافيّة (Gestion des territoires). 

وفقًا لآخر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الفرنسي، أنفقت الدّولة الفرنسيّة أكثر من 117 مليار يورو على الأحياء الصّعبة وحدها بين عامَي 2010 و2023. ويشمل ذلك الدّعم الذي ينتقل من التّربية والتّعليم إلى السّكن، مرورًا بالتّدريب المهني والأمن والتّقديمات الاجتماعيّة الخاصّة. 

ولكن قبل الدّخول في الدّيناميّات التي أدّت الى تشكل الغيتوات (Dynamique de ghettoïsation)، تجدر الإشارة إلى أنّ فرنسا هي الدّولة الوحيدة في أوروبا التي شهدت زيادة سكّانيّة كبيرة في العقود الأخيرة بسبب استقبال المهاجرين، وأيضًا بسبب ارتفاع معدّلات الولادات بين الفرنسيين أنفسهم نتيجة لسياسات الأسرة، وللإرث الزّراعي والكاثوليكي. بين عامَي 1960 و2022، ارتفع عدد سكّان فرنسا من 46.6 مليون إلى ما يقرب من 68 مليونًا في عام 2022. وهذه نقطة قوّة استراتيجيّة لفرنسا على المدى الطّويل مقارنة بألمانيا وإيطاليا واليابان، لكنها تطرح الكثير من التّحديات الاقتصاديّة والإسكانيّة على المديين القصير المتوسّط؛ بخاصّة أنّ ذلك تزامن مع التفكّك الصّناعي والانتقال الى اقتصاد خدماتي لا يخلق الكثير من فرص العمل لليَد العاملة المتمركزة في هذه الأحياء. بالمقارنة مع المهاجرين العرب والمسلمين إلى الولايات المتّحدة، والذين هم قريبون من المعدّلات الوطنيّة الأميركيّة من حيث التّعليم والثّروة، فإنّ نظراءَهم في أوروبا وفرنسا فقراء وأقل تعليمًا، وهم يأتون من ريف عالم الجنوب الجنوبي، حيث معظم آبائهم من الأمّيين. 

ومع ذلك، لا ينبغي أن تحجب احتجاجات عامَي 2005 و 2023 حقيقة أنّ هناك الكثير من النّجاحات، وأنّ هذه الأحياء (Zones Urbaines Sensibles) وفقًا للإحصاء السّكّاني بين عامَي 1990 و1999، تغيّر عدد سكّانها بنسبة 70 في المئة. وهذا يعني أنّ جزءًا كبيرًا من السكّان استفاد من السّياسات العامّة وانتقل للعيش في مدن وأحياء أخرى. هذه الأحياء، التي خضعت لسياسات التّمييز الإيجابي، تتعرّض هيَ وسكانها للتنميط (Stigmatisation) من قبل الأسواق، وهو ما يشكّل سببًا كافيًا يدفع الفرنسيين المتحدّرين من أصول فرنسيّة والفرنسيين من أصول مهاجرة إلى تركها (Stratégie d’évitement) بحثًا عن الارتقاء الاجتماعي. تستمر هذه الدينامية حتى يومنا هذا، وإنْ بدرجة أقل، وهي إحدى الدّيناميّات التي صنعت الغيتو، المناقضة لتطلّعات الدّولة الفرنسيّة وسياستها. حاولت الدّولة أيضًا تجنّب تمركز المهاجرين في مدن خاصّة ومعزولة، لذلك سنّت قانونًا يفرض على المدن المتوسّطة والكبيرة بناء مساكن اجتماعيّة (Logements sociaux) بنسبة 20 في المئة من إجمالي وحداتها السّكنيّة للحفاظ على الاختلاط والاندماج الاجتماعي (Mixité Sociale). ظلّ هذا الاختلاط مطلبًا وطنيًّا كبيرًا حتّى عام 2015 تقريبًا. 

الديناميّة الثّانية، التي ساعدت في ظهور الغيتو، ترتبط بطبيعة الهجرة ومتطلّبات الاقتصاد. كما ذُكر أعلاه، كان جزء كبير من المهاجرين إلى فرنسا واليَد العاملة الأجنبيّة من ذَوي التّعليم المتدنّي ومعدّلات الأميّة المرتفعة. دفع الانتقال السّريع من الاقتصاد الصّناعي إلى اقتصاد الخدمات أعدادًا كبيرة من العمّال إلى البطالة. فتركّزت هذه الأخيرة إلى حدّ كبير في هذه المدن العمّاليّة سابقًا، حيث تكون القدرة على تعلّم مهن جديدة (Employabilité faible) محدودة، وبالتّالي عدم توجهها نحو الوظائف الخدماتيّة (Reconversion professionnelle). أثّر ذلك على جزء كبير من الفرنسيين في القطاع الصناعي، لكن تضاعفت مفاعيله بين الفرنسيين من أصول مهاجرة، الذين لا يملكون الكثير من رأس المال التّربوي والاجتماعي الذي من شأنه أن يمكنهم من الخروج من الفقر (Trappe à pauvreté) أو مساعدة أولادهم في سعيهم الى تحقيق الترقّي الاجتماعي. الثّقافة واللّغة من العناصر الأساسيّة في جزء كبير من قطاع الخدمات، وهما من عناصر التّمييز ضدّ هذه الفئة من الفرنسيين. مع هجرة المصانع وتفكّكها، تحوّلت مدن بأكملها في كثير من الأحيان إلى أحياء سكنيّة فارغة من النّشاط الاقتصادي الحقيقي. ومع تدهور أوضاعها كما سنرى، كان من الصّعب الحفاظ على مستوى مرتفع من الخدمات في هذه الأحياء، وكانت المدرسة أوّل من تأثّر بتراجع مستويات التّعليم المرتبط بغياب الاختلاط وصعود العنف المجتمعي المصاحب للفقر والبطالة. هذه حالة شائعة في الغيتوات الأميركيّة وحول العالم. فظهرت لغّة فرنسيّة خاصّة بالضّواحي، وتحوّلت في ما بعد إلى عنصر هويّة يميّز أولادها (Marqueur Social)، ثمّ جاء فنّ الراب كتعبير عن تبلور لهذه الهويّة.

الدّيناميّة الثّالثة وراء تشكيل الغيتو بهذه الطريقة في بعض الضواحي هيَ صعود الإسلام السّياسي. في حين أنّ الهجرة من أوروبا شكّلت 75 في المئة من إجمالي الهجرة الى فرنسا عام 1975 والباقي 25 في المئة جاؤوا من إفريقيا، انعَكسَت هذه النّسبة في عام 2014، وأصبحت 44 في المئو، وانخفضت الهجرة الأوروبيّة إلى 36 في المئة. تزامنت هذه الديناميّة مع صعود الإسلام السّياسي في جميع أنحاء العالم، بخاصّة مع الحرب الأهليّة الجزائريّة في التّسعينات، وأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وحرب العراق وما بعدها (لكن خلفيّتها بدأت في الظّهور مع تراجع الفكر القومي، ودخول الإسلام السّياسي على خطّ الحرب الباردة مع الثّورة الخمينيّة، والحرب في أفغانستان في سبعينات القرن الماضي). جاء هذا الصّعود تحدياً في اتّجاهين، الأوّل محاولة لكسر الرّؤية الفرنسيّة للعلمانيّة والدّين، والثّاني محاولة لفرض ثقافته في هذه الأحياء من خلال التّرهيب والتّرغيب. في ما يتعلّق بالمحاولة الأولى، تندرج الأحداث المرتبطة برسومات “شارلي إبدو” الكارتونيّة في عام 2006 والإرهاب اللّاحق في عام 2015 وما بعده في هذا السّياق. أمّا النّقطة الثّانية، فقد عملت الجماعات المتطرّفة على إحكام سيطرتها على الحيّز العام في بعض الأحياء وفرض ثقافة متزمّتة على المرأة وعلى الأجواء الثّقافيّة. كانت أولى ضّحايا هذا الصعود المدرسة التي بدأ فيها التّرهيب، من الطّعام (Cantine) إلى اللّباس والاختلاط بين الجنسين. في كثير من الأحياء، كانت هذه الجماعات تقوم بتعليم اللّغة العربيّة والقرآن للأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وستّ سنوات، وهو السنّ القانوني الإلزامي لدخول الأطفال إلى المدرسة، قبل أن تتنبّه الدّولة الى ذلك وتخفّض السّنّ الإلزامي إلى ثلاث سنوات. بدأ كل هذا الانحراف في الاستقرار في المدن في أواخر التّسعينات، وسارع بتدمير الاختلاط، وهروب الفرنسيين والمعتدلين والأكثر تعليمًا من هذه الأحياء. حدث هذا في ظلّ خطاب قدّم نفسه على أنّه ضحيّة (Victimisation) للتمييز الدّيني، وحرّف المشكلة الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلى مسألة هويّات ومظلومية. وساعد في ذلك انتشار القنوات الفضائيّة المتطرّفة والتّمويل المشبوه. خلقت ديناميّة العزلة هذه فجوة مع بقيّة الشّعب الفرنسي، وأحيانًا جعلت المسافة في هذه الأحياء أقرب إلى البلد الذي جاء منه المهاجرون. وهنا بدأ استيراد الإشكاليّات والنّزاعات فوق الوطنيّة (Extra territorialisation des conflits). تمّ تسهيل هذا الانزلاق من خلال البناء الأوروبي الذي ساعد على تهريب الأسلحة من أوروبا الشّرقيّة، والانتشار غير المنضبط لتجارة المخدّرات، ما كانت له مفاعيل مدمّرة على هذه الأحياء الشّعبيّة. 

جاءت احتجاجات عام 2005 لتكشف عن سيطرة هذا الإسلام السّياسي على جزء كبير من الأحياء، عندما اضطرّت الدّولة إلى اللّجوء إلى رجال الدّين لوقف العنف. كانت هذه نقطة تحوّل، إذ لم يعد هناك أيّ ممثّل للمجتمع المدني أو السّياسي أو النّقابي يمكنه ادعاء تمثيل هذه الأحياء. في رأيي، كانت هذه هي المرحلة الأخيرة في استكمال تشكيل الغيتو في جزء كبير من الأحياء الشّعبيّة، وهذا ما أكّده فقدان الشّيوعيين والاشتراكيين للكثير من هذه المدن والمناطق بعد سنوات قليلة، وصعود اليَمين القومي. 

المحطّات الأساسيّة للسياسات المدينيّة في فرنسا

1972 : Habitat et Vie Sociale

1983-1989 : Fonds Social Urbain (FSU) ; Développement Social des Quartiers (DSQ)

1990 : Création du ministère de la Ville

1991 : La loi LOV, Loi d’Orientation sur la Ville

1994 : Grand Projets Urbains (GPU)

1995 : Création des Zones Franches Urbaines (ZFU)

1996 : Pacte de Relance pour la Ville (PRV)

2000 : La loi relative à la solidarité et au renouvellement urbain (SRU)

2003 : La loi Borloo, La loi d’orientation et de programmation pour la ville et la rénovation urbaine     + Création de l’Agence Nationale pour la Rénovation Urbaine (ANRU)

2007 : Contrats Urbains de Cohésion Sociale (CUCS) 

2014 : La loi Lamy, La loi de programmation pour la ville et la cohésion

2015 : Comité Interministérielle sur l’égalité et la citoyenneté 

2016 : Observatoire National de la Politique de la Ville

2018 : Rapport Borloo « Vivre ensemble, Vivre en Grand, pour une Réconciliation Nationale »

2018 : La décision du Président Macron de ne plus suivre la logique de la politique de la vill

08.08.2023
زمن القراءة: 10 minutes

وفقًا لآخر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الفرنسي، أنفقت الدّولة الفرنسيّة أكثر من 117 مليار يورو على الأحياء الصّعبة وحدها بين عامَي 2010 و2023. ويشمل ذلك الدّعم الذي ينتقل من التّربية والتّعليم إلى السّكن، مرورًا بالتّدريب المهني والأمن والتّقديمات الاجتماعيّة الخاصّة. 

توطئة: 

النّموذج الفرنسي في ما يتعلق بالمواطنة والاندماج يخزن الكثير من الفرادة في تطوّره التّاريخي من النّواحي السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. بالإضافة إلى الصّراع التّاريخي بين مبادئ الثّورة الفرنسيّة الجمهوريّة “العالميّة” والتّاريخ الاستعماري للإمبراطوريّة، جاءت الحربان العالميّتان الأولى والثّانية لتزيدا من التّعقيدات والفرادة في مسار بناء الجمهوريّة الخامسة. تدريجيًّا، أنتجت بربريّة الحربين ثقافة مجتمعيّة وممارسة سياسيّة تقوم على ركيزتين، هما: احتكار الدّولة القوي للعنف -المقيّد دستوريًا، وثقافة السّلام La paix et la pacification de la société. لقد شكّلت ويلات الحرب العالميّة الثّانية والجنون القومي والإبادة الجماعيّة لليهود، ثقافة مناهضة للتمييز والعنصريّة، ودعت إلى تعميم ثقافة التّسامح ودعم المواطنة ودولة القانون. لم تكن هذه هي حال فرنسا فحسب، بل كانت حالة عامّة في أوروبا على الرّغم من انقسام الحرب الباردة، وإحدى ركائز بناء الاتّحاد الأوروبي أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يشار إلى أحكام قانون 1905 بشأن فصل الدّين عن الدّولة، والتي شكّلت إطارًا فريدًا وحادًا لتطبيق العلمانيّة الفرنسيّة، على أنّها “معادية” لرجال الدين وأيّ شكل من أشكال الأجسام الوسيطة ذات الطّابع الطّائفي (Communautés).

1983 والتّشكل السّياسي لظاهرة المهاجرين والضّواحي: 

لا يمكن اعتبار مسيرة 1983 من مرسيليا إلى باريس والاجتماع مع الرّئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلّا نقطة تحوّل تاريخيّة في مسار الهجرة وحياة الفرنسيين من أصول مهاجرة. أوّلًا، لأن إضفاء الطّابع السّياسي بالمعنى الحقوقي للكلمة وضع قضيّة الهجرة في فرنسا ضمن النّقاشات العامّة في الحياة السّياسيّة والحزبيّة. ثانيًا، لأنّ هذه المسيرة أخرجت الفرنسيين من أصول مهاجرة من الضواحي إلى العلن (de l’invisibilité)، لذلك بدأ الشعب الفرنسي في اكتشاف إخوته المواطنين الجدد، من ألوان بشرة مختلفة، بأسماء لم يعتد على سماعها، بلهجات جديدة للغة الفرنسيّة. ثالثًا، لأنّ المدن العماليّة الشعبيّة والضّواحي الفقيرة كانت حتّى ذلك الحين مدنًا مختلطة إلى حدّ كبير، وكان اليَسار حاضرًا فيها بقوّة، وبالتّالي مع تولّي ميتران الرّئاسة، كان على اليَسار تلقّف هذا التّحدّي والعمل على تحسين شروط المواطنة، ومستوى الحياة في هذه الأحياء. وكان الدّيمقراطيّون المسيحيّون جزءًا أساسيًّا في هذه المعركة أيضًا. رابعًا، دخلت فرنسا، كما كانت الحال في جميع أنحاء العالم، عصر الإعلام والصّورة بقوّة، ما خلق ديناميّات متناقضة حول “نحن” و “الآخر”، والصّور النّمطيّة بسبب توافر المعلومات والتّعبير عن الاختلافات والتّنوّع  (Le voile d’ignorance)، التي شكّلت تحدّيًّا جديدًا للنموذج الفرنسي غير المُجهّز لإدارة التّنوع الثّقافي؛ فقد تمَحورت حياته السّياسيّة حتّى ذلك الوقت حول قسمة اليَمين واليَسار. وهذا ليس معطى ثانوياً. فالدّولة الفرنسيّة هيَ من صنع الأمّة الفرنسيّة L’Etat qui a fait la nation من خلال خلق المواطن عبر التّربية والتّعليم، في منافسة مع الكنيسة والهويّات المناطقيّة.

للتذكير، حتّى عام 1977 كان ممنوعًا استخدام أيّ لغّة مناطقيّة/محليّة في الحيّز العام. إذا لم نفهم هذا النّموذج (Paradigme) الفريد، فسَيكون من السّهل علينا أن نوصم كلّ تصرّف تقوم به الدّولة الفرنسيّة مع المهاجرين بالعنصريّة، وهذا ليس صحيحًا. من هنا وحتّى هذه اللّحظة، لا تعترف الدّولة بشكل واضح بأنّها دولة هجرة (تستقبل مهاجرين) مثل الولايات الأميركيّة والدّولة الكنديّة القائمتين على الدّمج (Intégration)، والتّنوّع الثّقافي، والقبول به. فالعقل الفرنسي يميل بطبيعته إلى استيعاب الوافدين وفق شروطه (Assimilation) وليس الدّمج، الأمر الذي يتطلّب الاعتراف بتعدّد الثّقافات.

من هنا، كان أول الإجراءات التي اتّخذتها اللّجنة الوطنيّة للتنمية الاجتماعيّة للأحياء CNDSQ، والتي تأسّست عام 1982، هو العمل على تعزيز التّربية والتّعليم في هذه الأحياء من خلال سياسات قائمة على التّمييز الإيجابي، والتي كانت متماهية مع النّموذج الأميركي (Affirmative Action, Positive Discrimination)، فكانت برامج “الأولويّة للتعليم” ZEP: Zones) d’Education Prioritaire ). تُعَد فترة الثّمانينات فترة مكثّفة من العمل الاجتماعي والتّربوي والثّقافي في هذه الأحياء في محاولة لاستيعاب هذه الظّاهرة بحسب آليّات العقل الفرنسي ونظرته الى الأمور. انعكس هذا التّداخل والاختلاط الغَني، الذي ساد هذه الأحياء حتّى أواخر التّسعينات بسبب عوامل اقتصاديّة وجغرافيّة وسياسيّة، على النّضالات السّياسيّة والاجتماعيّة. كانت التظاهرات المطلبية، أو تلك المناهضة للعنصريّة، أو التي تتناول حقوق الفلسطينيين، متنوّعة، وكان الفرنسيّون حاضرين فيها بقوّة بخاصّة من اليَسار والوَسط. كانت جمعيّات مثل منظّمة مكافحة العنصريّة (SOS Racisme) مكانًا زاخرًا يعبّر عن حقيقة هذا التّنوّع الموجود في هذه الأحياء، كما كانت الحال في الولايات المتّحدة أثناء نضال الأفارقة-الأميركيين من أجل حقوقهم.

منذ ذلك الحين وحتّى منتصف عام 2000، كانت سياسة الدّولة الفرنسيّة قائمة على “ضبط تدفّقات الهجرة” (Maîtriser les flux migratoires)، وليس على سياسات الدّمج. جاء القانون الأوّل الذي تناول الاندماج في أواخر عام 2003، وتمّ تعديله في عام 2006 عندما كان ساركوزي وزيرًا للداخليّة، بعد احتجاجات الضّواحي عام 2005، ودخل حيّز التّنفيذ عام 2007: (La loi «Hortefeux» du 20 novembre 2007, relative à la maîtrise de l’immigration, à (l’intégration et à l’asile)، لكن فكرة ضبط الهجرة ظلّت سابقة لفكرة الاندماج. هناك في مكان ما في العقل الفرنسي، بناءً على تطوّره التّاريخي، اعتقاد بأنّ الدّولة يجب أن تضمن الحقوق والخدمات وتمنع التّمييز، وأنّ الفرد يجب أن يبذل مجهودًا ذاتيًّا لاستكمال اندماجه وتبنّي القيَم الفرنسيّة و“التّفرسن” بشكل ما.  

الجمهوريّة التي أصدرت قانون الحرّيّات الإعلاميّة عام 1881 والذي بموجبه منعت أي سلوك عنصري، وأتبعته بقانون فصل الدّين عن الدّولة عام 1905، بالإضافة الى قانون مناهضة العنصريّة عام 1972 (La loi Pleven du 1er Juillet 1972 sur la lutte contre le racisme)، بالإضافة الى قانون عام 1990 (La loi Gayssot, du 13 Juillet 1990, tendant à réprimer tout acte raciste, antisémite ou xénophobe)، هذه الجمهوريّة لا يمكن وصمها لا بالتّمييز ولا بالعنصريّة. هذه الرؤية الرّاديكاليّة في العقل الفرنسي (مجتمع ودولة) للمواطنة والدّين والاندماج لا يمكن فهمها إلّا إذا علمنا أنّه في فرنسا، وفقًا لقانون يعود تاريخه إلى عام 1978، لا يمكن جمع معلومات أو إحصاءات تظهر الانتماء الدّيني أو الإثني أو السّياسي للمواطنين. هنا يكمن الاستثناء العلماني الفرنسي، الذي -إنْ لم يُلاحظ- سيُؤَدّي الى استنتاجات معلّبة. التّمييز، إذا كان موجودًا في فرنسا،  لا يتمّ إضفاء الطّابع المؤسّسي عليه، لا من الأنظمة ولا الدّولة، ولكن جزئيًّا في بعض الجوانب الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، أيّ في المجتمع، وإذا أردنا فهمه يجب علينا فهم التغيّرات الاجتماعيّة والمجتمعيّة. 

ما الذي حدث بعد عام 1983 ولماذا فشل الاندماج؟

خلال الفترة 1983-2007، بذلت الدّولة الفرنسيّة، في عهد ميتران اليَساري وشيراك اليَميني، جهودًا هائلة واستثنائيّة (أنظر القائمة في نهاية المقال) لتطوير المدن العمّاليّة والأحياء الشعبيّة. وقد صاحبتها ديناميّة مجتمعيّة مدافعة عن العمّال الأجانب والفرنسيين من الأصول المهاجرة. ولم ينقطع هذا الجهد حتّى عام 2018 بقرار الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتّوقف عن دعم السّياسات المدينيّة والتّركيز على سياسات دعم القدرة الشّرائيّة للفرنسيين، في خروج عن التّقليد الفرنسي الذي يعطي أهميّة كبيرة للإدارة الجغرافيّة (Gestion des territoires). 

وفقًا لآخر تقرير صادر عن ديوان المحاسبة الفرنسي، أنفقت الدّولة الفرنسيّة أكثر من 117 مليار يورو على الأحياء الصّعبة وحدها بين عامَي 2010 و2023. ويشمل ذلك الدّعم الذي ينتقل من التّربية والتّعليم إلى السّكن، مرورًا بالتّدريب المهني والأمن والتّقديمات الاجتماعيّة الخاصّة. 

ولكن قبل الدّخول في الدّيناميّات التي أدّت الى تشكل الغيتوات (Dynamique de ghettoïsation)، تجدر الإشارة إلى أنّ فرنسا هي الدّولة الوحيدة في أوروبا التي شهدت زيادة سكّانيّة كبيرة في العقود الأخيرة بسبب استقبال المهاجرين، وأيضًا بسبب ارتفاع معدّلات الولادات بين الفرنسيين أنفسهم نتيجة لسياسات الأسرة، وللإرث الزّراعي والكاثوليكي. بين عامَي 1960 و2022، ارتفع عدد سكّان فرنسا من 46.6 مليون إلى ما يقرب من 68 مليونًا في عام 2022. وهذه نقطة قوّة استراتيجيّة لفرنسا على المدى الطّويل مقارنة بألمانيا وإيطاليا واليابان، لكنها تطرح الكثير من التّحديات الاقتصاديّة والإسكانيّة على المديين القصير المتوسّط؛ بخاصّة أنّ ذلك تزامن مع التفكّك الصّناعي والانتقال الى اقتصاد خدماتي لا يخلق الكثير من فرص العمل لليَد العاملة المتمركزة في هذه الأحياء. بالمقارنة مع المهاجرين العرب والمسلمين إلى الولايات المتّحدة، والذين هم قريبون من المعدّلات الوطنيّة الأميركيّة من حيث التّعليم والثّروة، فإنّ نظراءَهم في أوروبا وفرنسا فقراء وأقل تعليمًا، وهم يأتون من ريف عالم الجنوب الجنوبي، حيث معظم آبائهم من الأمّيين. 

ومع ذلك، لا ينبغي أن تحجب احتجاجات عامَي 2005 و 2023 حقيقة أنّ هناك الكثير من النّجاحات، وأنّ هذه الأحياء (Zones Urbaines Sensibles) وفقًا للإحصاء السّكّاني بين عامَي 1990 و1999، تغيّر عدد سكّانها بنسبة 70 في المئة. وهذا يعني أنّ جزءًا كبيرًا من السكّان استفاد من السّياسات العامّة وانتقل للعيش في مدن وأحياء أخرى. هذه الأحياء، التي خضعت لسياسات التّمييز الإيجابي، تتعرّض هيَ وسكانها للتنميط (Stigmatisation) من قبل الأسواق، وهو ما يشكّل سببًا كافيًا يدفع الفرنسيين المتحدّرين من أصول فرنسيّة والفرنسيين من أصول مهاجرة إلى تركها (Stratégie d’évitement) بحثًا عن الارتقاء الاجتماعي. تستمر هذه الدينامية حتى يومنا هذا، وإنْ بدرجة أقل، وهي إحدى الدّيناميّات التي صنعت الغيتو، المناقضة لتطلّعات الدّولة الفرنسيّة وسياستها. حاولت الدّولة أيضًا تجنّب تمركز المهاجرين في مدن خاصّة ومعزولة، لذلك سنّت قانونًا يفرض على المدن المتوسّطة والكبيرة بناء مساكن اجتماعيّة (Logements sociaux) بنسبة 20 في المئة من إجمالي وحداتها السّكنيّة للحفاظ على الاختلاط والاندماج الاجتماعي (Mixité Sociale). ظلّ هذا الاختلاط مطلبًا وطنيًّا كبيرًا حتّى عام 2015 تقريبًا. 

الديناميّة الثّانية، التي ساعدت في ظهور الغيتو، ترتبط بطبيعة الهجرة ومتطلّبات الاقتصاد. كما ذُكر أعلاه، كان جزء كبير من المهاجرين إلى فرنسا واليَد العاملة الأجنبيّة من ذَوي التّعليم المتدنّي ومعدّلات الأميّة المرتفعة. دفع الانتقال السّريع من الاقتصاد الصّناعي إلى اقتصاد الخدمات أعدادًا كبيرة من العمّال إلى البطالة. فتركّزت هذه الأخيرة إلى حدّ كبير في هذه المدن العمّاليّة سابقًا، حيث تكون القدرة على تعلّم مهن جديدة (Employabilité faible) محدودة، وبالتّالي عدم توجهها نحو الوظائف الخدماتيّة (Reconversion professionnelle). أثّر ذلك على جزء كبير من الفرنسيين في القطاع الصناعي، لكن تضاعفت مفاعيله بين الفرنسيين من أصول مهاجرة، الذين لا يملكون الكثير من رأس المال التّربوي والاجتماعي الذي من شأنه أن يمكنهم من الخروج من الفقر (Trappe à pauvreté) أو مساعدة أولادهم في سعيهم الى تحقيق الترقّي الاجتماعي. الثّقافة واللّغة من العناصر الأساسيّة في جزء كبير من قطاع الخدمات، وهما من عناصر التّمييز ضدّ هذه الفئة من الفرنسيين. مع هجرة المصانع وتفكّكها، تحوّلت مدن بأكملها في كثير من الأحيان إلى أحياء سكنيّة فارغة من النّشاط الاقتصادي الحقيقي. ومع تدهور أوضاعها كما سنرى، كان من الصّعب الحفاظ على مستوى مرتفع من الخدمات في هذه الأحياء، وكانت المدرسة أوّل من تأثّر بتراجع مستويات التّعليم المرتبط بغياب الاختلاط وصعود العنف المجتمعي المصاحب للفقر والبطالة. هذه حالة شائعة في الغيتوات الأميركيّة وحول العالم. فظهرت لغّة فرنسيّة خاصّة بالضّواحي، وتحوّلت في ما بعد إلى عنصر هويّة يميّز أولادها (Marqueur Social)، ثمّ جاء فنّ الراب كتعبير عن تبلور لهذه الهويّة.

الدّيناميّة الثّالثة وراء تشكيل الغيتو بهذه الطريقة في بعض الضواحي هيَ صعود الإسلام السّياسي. في حين أنّ الهجرة من أوروبا شكّلت 75 في المئة من إجمالي الهجرة الى فرنسا عام 1975 والباقي 25 في المئة جاؤوا من إفريقيا، انعَكسَت هذه النّسبة في عام 2014، وأصبحت 44 في المئو، وانخفضت الهجرة الأوروبيّة إلى 36 في المئة. تزامنت هذه الديناميّة مع صعود الإسلام السّياسي في جميع أنحاء العالم، بخاصّة مع الحرب الأهليّة الجزائريّة في التّسعينات، وأحداث 11 أيلول/ سبتمبر، وحرب العراق وما بعدها (لكن خلفيّتها بدأت في الظّهور مع تراجع الفكر القومي، ودخول الإسلام السّياسي على خطّ الحرب الباردة مع الثّورة الخمينيّة، والحرب في أفغانستان في سبعينات القرن الماضي). جاء هذا الصّعود تحدياً في اتّجاهين، الأوّل محاولة لكسر الرّؤية الفرنسيّة للعلمانيّة والدّين، والثّاني محاولة لفرض ثقافته في هذه الأحياء من خلال التّرهيب والتّرغيب. في ما يتعلّق بالمحاولة الأولى، تندرج الأحداث المرتبطة برسومات “شارلي إبدو” الكارتونيّة في عام 2006 والإرهاب اللّاحق في عام 2015 وما بعده في هذا السّياق. أمّا النّقطة الثّانية، فقد عملت الجماعات المتطرّفة على إحكام سيطرتها على الحيّز العام في بعض الأحياء وفرض ثقافة متزمّتة على المرأة وعلى الأجواء الثّقافيّة. كانت أولى ضّحايا هذا الصعود المدرسة التي بدأ فيها التّرهيب، من الطّعام (Cantine) إلى اللّباس والاختلاط بين الجنسين. في كثير من الأحياء، كانت هذه الجماعات تقوم بتعليم اللّغة العربيّة والقرآن للأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وستّ سنوات، وهو السنّ القانوني الإلزامي لدخول الأطفال إلى المدرسة، قبل أن تتنبّه الدّولة الى ذلك وتخفّض السّنّ الإلزامي إلى ثلاث سنوات. بدأ كل هذا الانحراف في الاستقرار في المدن في أواخر التّسعينات، وسارع بتدمير الاختلاط، وهروب الفرنسيين والمعتدلين والأكثر تعليمًا من هذه الأحياء. حدث هذا في ظلّ خطاب قدّم نفسه على أنّه ضحيّة (Victimisation) للتمييز الدّيني، وحرّف المشكلة الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلى مسألة هويّات ومظلومية. وساعد في ذلك انتشار القنوات الفضائيّة المتطرّفة والتّمويل المشبوه. خلقت ديناميّة العزلة هذه فجوة مع بقيّة الشّعب الفرنسي، وأحيانًا جعلت المسافة في هذه الأحياء أقرب إلى البلد الذي جاء منه المهاجرون. وهنا بدأ استيراد الإشكاليّات والنّزاعات فوق الوطنيّة (Extra territorialisation des conflits). تمّ تسهيل هذا الانزلاق من خلال البناء الأوروبي الذي ساعد على تهريب الأسلحة من أوروبا الشّرقيّة، والانتشار غير المنضبط لتجارة المخدّرات، ما كانت له مفاعيل مدمّرة على هذه الأحياء الشّعبيّة. 

جاءت احتجاجات عام 2005 لتكشف عن سيطرة هذا الإسلام السّياسي على جزء كبير من الأحياء، عندما اضطرّت الدّولة إلى اللّجوء إلى رجال الدّين لوقف العنف. كانت هذه نقطة تحوّل، إذ لم يعد هناك أيّ ممثّل للمجتمع المدني أو السّياسي أو النّقابي يمكنه ادعاء تمثيل هذه الأحياء. في رأيي، كانت هذه هي المرحلة الأخيرة في استكمال تشكيل الغيتو في جزء كبير من الأحياء الشّعبيّة، وهذا ما أكّده فقدان الشّيوعيين والاشتراكيين للكثير من هذه المدن والمناطق بعد سنوات قليلة، وصعود اليَمين القومي. 

المحطّات الأساسيّة للسياسات المدينيّة في فرنسا

1972 : Habitat et Vie Sociale

1983-1989 : Fonds Social Urbain (FSU) ; Développement Social des Quartiers (DSQ)

1990 : Création du ministère de la Ville

1991 : La loi LOV, Loi d’Orientation sur la Ville

1994 : Grand Projets Urbains (GPU)

1995 : Création des Zones Franches Urbaines (ZFU)

1996 : Pacte de Relance pour la Ville (PRV)

2000 : La loi relative à la solidarité et au renouvellement urbain (SRU)

2003 : La loi Borloo, La loi d’orientation et de programmation pour la ville et la rénovation urbaine     + Création de l’Agence Nationale pour la Rénovation Urbaine (ANRU)

2007 : Contrats Urbains de Cohésion Sociale (CUCS) 

2014 : La loi Lamy, La loi de programmation pour la ville et la cohésion

2015 : Comité Interministérielle sur l’égalité et la citoyenneté 

2016 : Observatoire National de la Politique de la Ville

2018 : Rapport Borloo « Vivre ensemble, Vivre en Grand, pour une Réconciliation Nationale »

2018 : La décision du Président Macron de ne plus suivre la logique de la politique de la vill

08.08.2023
زمن القراءة: 10 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية