“الكلمات” : بول ماكارتني يؤرخ لحقبة البيتلز

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في عام 1997، حصل بول مكارتني على وسام الملكة إليزابيث الثانية عن "خدماته للموسيقى"، فأصبح في عمر 54 عاماً "السير بول" في حفل من الأبهة والوقار في قصر باكنغهام في وسط لندن.

في أول عهدي بأغاني فريق “البيتلز” (وقد ادمنت عليها لاحقاً)، لم أكن أعرف من هو تحديداً كاتب الأغاني وملحنيها من بين أعضاء الفريق الأربعة. لم أكن حتى مهتماً بأن أعرف. كنت مأخوذاً بجمالية الأغاني وسحرها فحسب. وكنت أحياناً أحسم، مثل كثيرين ربما، أن التأثير الأكبر في التأليف ضمن الفريق هو لجون لينون بسبب شهرته العالمية الكبيرة، الى أن نصحني صديق عاشق للفريق بألبوم “ريفولفر” الصادر عام 1966، باعتباره واحداً من أفضل أعمال “البيتلز” بنظر النُقاد. 

سمعت الألبوم، فوجدته ثورياً وتجديدياً بجميع المقاييس، ألحاناً وكلاماً وتوزيعاً. إحدى أغاني الألبوم “إليانور ريغبي”، جاءت تكثيفاً مذهلاً وصارخاً لهذه الروح الثورية. عندما عرفت بأن مؤلف الأغنية هو بول ماكارتني، أدركت أنني أمام فنان وكاتب بمستوى جون لينون، بل يتجاوزه ويبزه أحياناً.   

يقول مكارتني الذي أصدر مؤخراً كتاباً ضخماً (من مجلدين) بعنوان “الكلمات”، يتتبّع فيه أصول أغانيه والقصص ورائها، إنه لو لم يُصبح موسيقياً، لكان على الأرجح مُدّرس لغة انجليزية. التأثير الأكبر عليه حينما كان شاباً جاء من مدرس اللغة الانكليزية في المدرسة الذي علمه قيمة القراءة عن قرب. قدرة مكارتني على التحليل النصّي قد تُعزى مباشرة الى هذا التأثير. 

إقرأوا أيضاً:

على أن هذا التأسيس المتين في الأدب الإنجليزي يمثل جزءًا فقط من نجاح مكارتني. فهو ابن ليفربول، المدينة الكوزموبوليتية والميناء على الساحل الغربي لإنجلترا، أي المكان الذي  سيعود فيه البحارة الى ديارهم آتين من الولايات المتحدة الاميركية محملين بتسجيلات الأغنية الشعبية الأميركية وموسيقى البلوز والروك أند رول. من هنا نفهم أن جورج وايرا غيرشوين وكول بورتر وليتل ريتشارد وبادي هولي هم من بين أبطال مكارتني الفنيين الأوائل. في وقت لاحق، أي مع صدور ألبوم “رابر سول” عام 1965، أصبح “البيتلز” دائماً في حوار تفاعلي مع معاصريهم مثل “البيتش بويز” وبوب ديلان، ودخلوا مرحلة مختلفة في كتابة اغانِ كلماتها تصبو إلى مرتبة الشعر. وبعد عام، دخل مكارتني في محادثة مع مؤلفين موسيقيين “طليعيين” مثل كارل هاينز شتوكهاوزن الذي يتبدى تأثيره واضحاً في أغنية “اليانور ريغبي”. وجاء كلام الأخيرة – إحدى أشهر أغاني مكارتني – ليفتتح مرحلة جديدة في الكتابة تقوم على رسم الصورة في ذهن المستمع. بدأت “اليانور ريغبي” كأغنية عن السيدة العجوز التي ساعدها مكارتني في الأعمال المنزلية عندما كان كشافاً. صورة اليانور ريغبي وهي “تلتقط الأرز في الكنيسة حيث كان حفل الزفاف” تجسد تماماً شعورها بالوحدة، تماماً مثل الأب ماكنزي الذي “يكتب كلمات عظة لن يسمعها أحد”. هي أشبه بالبنية السينمائية حيث تُقدّم الشخصيتان الرئيسيتان في الجملتين الأولى والثانية، ثم يُجمعا معاً في المقطع الثالث. يصفها محرر كتاب “الكلمات” بول مالدون في مقدمته بأنها نسخة من التقنية التي استخدمها المخرج السينمائي ألفريد هيتشكوك في مشهد الاستحمام في فيلمه “سايكو” عام 1960، حيث يبني صورة لمياه دموية تتدفق في البالوعة، يقطع معها، ثم يعود الى لقطة للبالوعة نفسها، لكن بمياه صافية تدور في الدوامة. يُضيف مالدون أن مشهد الاستحمام في فيلم “سايكو” ذا صلة أيضاً لأن العزف المسعور لرباعي الوتريات التي نظّمها جورج مارتن – منتج فريق “البيتلز” – يذكرنا بموسيقى الفيلم التي وضعها المؤلف برنارد هيرمان. هذه الاشارة الواضحة الى العزلة والموت هي جزء من التأثير الذي تثيره أغنية “اليانور ريغبي” في نفس المستمع.

يبقى أن التأثير الأكبر على موسيقى مكارتني هو وفاة والدته ماري عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، وهو أمر “لم يتغلب عليه أبداً”، بحسب تعبيره. والدته ألهمت بعض أشهر أغانيه وأنجحها. كانت الإلهام وراء كلمات أغنية  Yesterday (“لماذا اضطرت للذهاب، لا أعرف، لن تقول”). كما أشار إليها في أغنية Let It Be في حياتها  (“عندما أجد نفسي في أوقات الشدة / تأتي الأم ماري إليّ”).  كانت والدته ماري قابلة، لكنها، بحسب مالدون، “كانت أيضاً قابلة في حياتها الثانية (بعد الوفاة)، وساعدت في إلهامه بعض أفضل أغانيه”. 

في عام 1997، حصل بول مكارتني على وسام الملكة إليزابيث الثانية عن “خدماته للموسيقى”، فأصبح في عمر 54 عاماً “السير بول” في حفل من الأبهة والوقار في قصر باكنغهام في وسط لندن. وجاء هذا التكريم تكريساً لمكانته الدائمة رمزاً للقرن العشرين. غير أن الميزة التي تجعل من بول مكارتني عظيماً هي واحدة: تواضعه.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني