fbpx

عن “براءة” سامر مولوي: “العشعوش” أو المهبل الذي خرج منه القاضي والمتحرّش

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أصبحنا أمام قاضٍ يُسخّف المهبل في العلن، بذريعة أنه يتوجّه إلى “صغيرات”؟ لكنّ الأرجح أنه لا يمتلك اللغة للدلالة إليه. وهنا بيت القصيد.

في طرابلس في شمال لبنان يحقّق الجيش في جريمة إغراق قارب يحمل مدنيّين/ات، هو متّهمٌ بها، ويحقّق قاضٍ في قضيّة تحرّش، يبدو واضحاً استخفافه بضحاياها. خلال جلسة التحقيق في قضيّة الطالبات الناجيات من تحرّش الأستاذ سامر مولوي، وردت شهادات عن إطلاق نكات واستهتار بالمدّعيات، وعن إطلاق كلمة “عشعوش” على المهبل، وعن إلغاء احتمال ارتقاء الأفعال التي اقترفها مولوي بحق طالباته إلى مرتبة التحرّش الجنسي. كيف ذلك، وهو ما “فوّت إيده لجوّا؟”، سؤال وجّهه القاضي إلى مُدّعية.

حضرة القاضي، إذا “فوّت إيده لجوّا”، يعني “بالعشعوش” كما تسمّيه، نصبح أمام تهمة اغتصاب، لا تحرّش كما ادّعت الطالبات، ومن المفيد أن تعلم ذلك، وأنّ في لبنان قانون أُقرّ في أواخر عام 2020 لـ”تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه”. تتخلّله ثغرات عدّة لسنا بصدد تعدادها هنا، إنّما يُسجَّل له أنّه أتى بتعريفٍ من شأن هامشه الواسع أن يساعد الناجيات على التبليغ عن مستويات متفاوتة من المضايقات التي تنتهك خصوصيتهن وتعيق عملهن ودراستهن وعيشهن الآمن. كما أنه في بعض الأحيان، قد يساعد على التبليغ قبل أن تتصاعد وتيرة الإساءات ويتحوّل التحرّش إلى اعتداءات جسدية واغتصاب. أمور لم يكلّف القاضي نفسه تمييزها عن بعضها، علماً أن جميعها يقع في خانة العنف الجنسي الذي كانت تأمل نساء لبنان بأن يعترف القضاء بتفشّيه ووقعه عليهن، وأن يحاسِب مرتكبيه. 

وفق القانون اللبناني، يُعدّ تحرّشاً “أيّ سلوك سيّئ ومتكرّر، خارج عن المألوف، وغير مرغوب فيه من الضحية، وذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد، أو للخصوصية، أو للمشاعر… وقد يتمّ عبر أقوال، وأفعال، ووسائل إلكترونية“. إذاً، من غير الضروري أن يلمسنا أو يحشرنا في الزاوية أحد، لنتمكّن من تقديم شكوى من أجل ردع متحرّش والتخلّص من كابوس مضايقاته المتكرّرة، اللفظية أو النصّية أو التعقّبية أو الجسدية، التي لم يكترث لدى ارتكابها لا للفروقات الفادحة في مواقع السلطة، ولا لكلمة “لا”، ولا لعجز كثيرات عن التفوّه بها أصلاً، خشية تفاقم الابتزاز وتنفيذ التهديدات وتراكم الخسائر… ومن بينها خسارة العلامات المدرسية والجامعية. 

اليوم، بات واضحاً أننا أمام قضاء قضاتُه النزيهون هم الاستثناء. قضاء يحكم على أستاذ متحرّش بالسجن 20 يوماً، ويكتفي بمدّة توقيفه، وكأنّ ما شعرت به الفتيات من استباحة لمساحاتهن الخاصة وهواتفهن مجرّد وهم أو عملية تواصلية شاركن بالتساوي مع القوي في بنائها. أصبحنا أمام قاضٍ يُسخّف المهبل في العلن، بذريعة أنه يتوجّه إلى “صغيرات”؟ لكنّ الأرجح أنه لا يمتلك اللغة للدلالة إليه. وهنا بيت القصيد. 

ربّما رأى القاضي خلال جلسة التحقيق “صغيرات” أمامه، فاختار أن يسمّي أعضاءهن الجنسية أعشاشاً. ولكن كيف لنا في هذه المناسبة الصادمة ألا نتذكّر كل تلك الكلمات التي تُلقى كالقنابل على مسامعنا في كل مرّة نهرع في الشارع إلى وجهتنا ونتسابق مع طيف المتحرّش أو المغتصب؟ كيف لنا في هذا السباق أن ننسى كلمة “عشِّك” الأسطورية، أحد أبرز التوصيفات المستقاة من موسوعة التحرّش الرحبة التي أُطلقت على جهازنا الجنسي؟ تلك الكلمة، استخدمها القاضي. إنّما بصيغة ألطف، تُناسب أعمار مَن وقفن أمامه: “العشعوش”. 

بنّوت، بسبوس، دبدوب، عشعوش… لا بد أن ترتقي الكلمة يوماً ما، فيستحيل “العشعوش” “عشّاً” في لحظةٍ أو ليلةٍ يقرّر فيها العقل الأبوي الموتور أنها ستكون مفصليّةً في حياة المرأة. لكن أن ترتقي أفعال مولوي إلى أفعال تحرّش… فحاشا. 

صحيح أن معظمنا لم يتلقّ الحد أدنى من التربية الجنسية. ولمّا وُجدت في صفوفنا، فهمنا في المحصّلة أن هناك قضيباً سيخترقنا لنحمل فحسب. المفارقة أننا في ما بعد، بادرنا واجتهدنا لكسب المعرفة، بخلاف مَن يحكمون باسمنا. “باسم الشعب اللبناني”. 

رأى إذاً القاضي أمامه “صغيرات”. فتّش عن اللغة التي تلائم المناسبة والسياق، فانتقى كلماته من القاموس الذي يألفه. لكن حين جاء ليحكم، لم يعد يرى “صغيرات” وما ينسحب على تلك الرؤية من واجب اتّخاذ تدابير حماية ومحاسبة. اختفت فجأة من أمامه “الصغيرات” الجديرات بالحماية، أو الطالبات القويّات والواعدات والصادقات اللواتي لجأن إليه بدلاً من ذكور الحارة. حلّت مكانهنّ ضحيّة أخرى، أخطأت بعض الشيء، لكن هفواتها لم تكن تستدعي كل تلك الضجة. والضحية اسمها سامر مولوي. 

إقرأوا أيضاً: