fbpx

لهذا أوقفت نشاطي الحزبي خلال فترة الانتخابات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

علقت نشاطي الحزبي خلال فترة الانتخابات لأنني بتّ أكره الخطابات الثقيلة، والمسؤوليات المفروضة بحكم الوراثة، والخطة المرتقبة التي تتجاوزني. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

توجهت ليلة الانتخابات اللبنانية، مع آخرين من فريق العمل، إلى قصر العدل في الجديدة لمواكبة معركة المرشح على لوائح التغيير جاد غصن. ومن أجل دعمه، احتشد كثر من أعضاء “حزب مواطنون ومواطنات”، وهو الحزب الذي تنتمي إليها لائحة جاد، والذي أنا عضوة فيه أيضاً. كانت مرت أشهر دون أن أرى أحداً منهم، بعدما فضلت مراقبة المعركة الانتخابية من بعيد. كانت سلاماتنا باردة بعض الشيء، فيه الكثير من الأسئلة والقليل من العتب: لماذا أوقفت نشاطك الحزبيّ خلال فترة الانتخابات؟ وسط الحشد، سحبني أحد الزملاء المقربين إلى زاوية بعيدة وهمس: “انسي السياسة، احزري مين مصاحب مين!”، فضحكنا لأن ذلك بالفعل يهمنا أكثر من جاد والبرلمان و فساد صندوق النقد أو إفلاس الضمان.

قد يحتج كثر من المنتسبين، خصوصاً أولئك الذين يدخنون على شرفة المكتب بصمت، ليبدوا عميقين وأصحاب رؤية، على أساس أن الحزب مكان للعمل الجاد فقط وأنّ طرحنا الواضح المتكامل والموحد، والذي لا يتكيف ولا يتغير، لا يحمل تضييع وقت أو “طق حنك”. لكن ذلك غير صحيح، بخاصة في سياق المجتمع اللبناني حيث “طق الحنك” أسلوب حياة ومن الطبيعي أن تناقش الملفات الملحة، على عكس رغبة شربل نحاس (رئيس حزب مواطنون ومواطنات)، خلال “الغدوات” والـ”عشوات”.

“اللعب من أسمى أشكال البحث”، يقول “ألبرت آينشتاين” وهذا ما لا يفهمه رئيس الحزب. “طق الحنك” يحاكي باطننا مباشرة ويكشف عن فروقات دقيقة في الشخص الآخر: حس الفكاهة والمقاربات النمطية، نوع الحذاء إن كان رياضياً أو رسمياً، مقاس القميص إن كان ضيقاً أو فضفاضاً، الطعام، “سندويش” أم طبق؟…

وجه لي أحد رواد “الجدية” و”البرتوكول” في الحزب ملاحظة؛ “حافظي على مسافة من الأعضاء لأنهم غريبو أطوار”، وبالفعل هم غريبو الأطوار؛ فعلاقتهم بالحزب امتداد لعلاقتهم الهشة بالدولة والمجتمع: نواتها البحث عن الأمان والانتماء ولكن تتخللها نزاعات مع الهوية ورواسب نظام طائفي طبقي وأبوي. بعد نهار طويل، يحكي لنا أحمد كيف تشاجر مع والدته مجدداً بسبب “تويت” ضد “حزب الله” ولم تكلمه منذ أيام. أما كريم فيتذمر من جو عمله الاسلاموفوبيك في ذوق مصبح، أخيراً تقرر، لمى نزع حجابها بعد سنوات من البحث في الموضوع… نزاعات جميلة ونقص توازن مشوق، وفي النهاية، من منا لا يحارب رواسبه؟! هل من الصحي أصلاً ألا نعيد تدوير أنفسنا باستمرار؟ حتى إن والدي الذي من جيل الحرب رحب بتصويتي للمستقلين وأبدى حماسة للتغيير. الحقيقة هي أن أستاذ بروتوكول هو الغريب، يدعي أنه لا يملك نزاعات داخلية لأنه ببساطة متواطئ مع نظام المحاصصة والخدماتية على الصعيد العاطفي، يريد أن يرث تصنيفه الاجتماعي دون أن يسائله أحد، لأن لا مصلحة له في فقدان مصدر قوته الوحيد. 

الانتماء مفهوم معقد، كنت أخجل سابقاً من أنني لا أشعر بالانتماء لأي من بلدتَي والديّ؛ فجرود كسروان جميلة لكنها مملة، وزهر الليمون في الصرفند رطوبتها خانقة، أما بيروت فأحبها ولا احبها. في الجامعة الأميركية في بيروت حيث درست، كان الأساتذة يحثوننا على تصميم لغة بصرية تشبهنا، ولكن من نحن؟ أصبحنا نصنف الاشكال والالوان: دائرة غربية، خط شرقي، ما حد من جموح خيالي… لا أنتمي إلى مكان، أنتمي إلى أفكار، بدورها ليست ثابتة ولا بأس في ذلك، فالأرض دوارة والفضاء يتوسع بشكل دائم أصلاً!

بدأت أرى الحرية في عدم الانتماء. 

علقت نشاطي الحزبي خلال فترة الانتخابات لأنني بتّ أكره الخطابات الثقيلة، والمسؤوليات المفروضة بحكم الوراثة، والخطة المرتقبة التي تتجاوزني. 

لا تعنيني الخسائر المالية والسياسية بقدر ما تحمسني قصص أصدقائي في الحزب، مغامراتهم مع أهلهم ومع أنفسهم، هذه هي المعارك التي تعنيني والأمراض التي تثيرني. لذلك صوتّ لمشروع يرحب بهذه الأمراض ولا يحاول، حتى الآن، أن تنصهر مع رؤيته فالمجتمع أفراد وقصص قبل أن يكون حكومة انتقالية بصلاحيات استثنائية تفرض تشريعات عادلة لتوزيع الخسائر بشكل هادف الخ… لأجل ذلك كله، أوقفت نشاطي الحزبي خلال فترة الانتخابات واكتفيت بالتصويت.

إقرأوا أيضاً: