المصرية بسنت حميدة…
الركض بأقصى سرعة إفلاتاً من “البدائيين”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

برغم ما تبذله بسنت وغيرها من الرياضيات في كل العالم من تدريبات قاسية لتحقيق الإنجازات، إلا أن الإساءات التي تتعلق بالأزياء الرياضية لا تتوقف، وهي شكل من أشكال الوصاية التي تصل إلى حد التحرش في بعض الأحيان.

نجحت المصرية بسنت جميل (25 سنة) في اقتناص ميداليتين ذهبيتين في دورة ألعاب البحر المتوسط، في منافستي الركض لـ200 متر و100 متر، وبهذا الفوز حققت رقماً قياسياً لم يتم تحقيقه سابقاً، في تاريخ هذه الدورة منذ إنشائها عام 1997، وبرغم الإنجاز التاريخي الذي حققته بسنت، إلا أن هناك من رأى في جسدها الرياضي شهوة مريضة وعاراً وخطيئة. “كتائب البدائيين” كانت أصواتهم عالية، على منصات التواصل الاجتماعي، حتى إنهم أنكروا على بسنت سجودها شكراً وسط الملعب وهي ترتدي “الشورت” الرياضي. 

“كتائب البدائيين” هو مصطلح كرس له عالم الاجتماع الفرنسي لوسيان ليفي بريل منذ مطلع القرن الثامن عشر، لافتاً النظر إلى خطورة تسيد عقلية البدائيين ونظمهم المغلقة منذ مطلع التاريخ، هذه الكتائب تفزع ممن ينفلت عن طريقة سيرهم وقوانينهم، وتصبح أكثر من غيرها عداءً للأنماط الجديدة المختلفة المنشقة عن قواعدها، بخاصة لو كانت المنفلتة عن قيمهم امرأة وبطلة ولا تلتفت إلى أصواتهم أصلاً.

تحدثت بسنت حميدة في معظم حواراتها السابقة عن هدف محدد، هو أن تحقق ميدالية ذهبية كأول امرأة مصرية في دورة ألعاب البحر المتوسط في الركض، وتحدثت عن أهمية وضع اسم بلادها في الصدارة، لكنها وفي سبيلها لذلك، تعوض ومثيلاتها من البطلات واللاعبات، ما سُلِب طويلاً من النساء في منافسات الرياضة على مدار تاريخ الأوليمبياد منذ تأسيس “مهرجان الألعاب الأولمبية القديمة” (776 قبل الميلاد- 393 بعد الميلاد).

في دراسة للباحثة الأنثربولوجية آن ماري، رصدت مشاركة النساء في الأولمبياد القديمة لكن على استحياء، فقد كانت مبارياتهن تقام في دورة ألعاب هيرا، بحضور جمهور نسائي فقط، وبمشاركة 16 متنافسة، ولم تنل الفائزات أي تكريم شعبي واضح كالذي ناله الرجال الفائزون في أولمبيادهم، من توثيق فوزهم في التاريخ والشعر، كانت الرياضة الوحيدة المتاحة للمتسابقات هي الركض، ومخصصة فقط للعازبات وجائزة الفوز هي تزويج الفائزة لبطل أوليمبي.

الأولمبياد القديمة كانت تدفع الرجل المتسابق للفوز كي ينال شرف تخليده، عكس النساء، لم يتم ذكر أي اسم لفتاة فائزة في الأولمبياد القديمة، لأنها بالطبع تزوجت من بطل أوليمبي وزواجها سيكتب نهاية مشاركتها في أي منافسة أولمبية لأن منافسات ألعاب هيرا لا تقبل سباقات المتزوجات.

فعلت بسنت حميدة العكس، تزوجت من بطل الركض محمد عباس الذي أصيب بتمزق في أربطة ساقه ليمتنع عن المشاركة في أي سباقات دولية، وأخذت بسنت وزوجها الذي أصبح مدربها حلم الفوز بالذهبية حلم مشترك، ولم تعط للزواج فرصة لكتابة خاتمة بطولاتها الرياضية بل فرصة أكثر للمضي قدما وهو ما ظهر في فيديو مؤثر لبسنت وزوجها يبكيان عقب إعلان فوزها.

وقفت بسنت حميدة فخورة ومزهوة بفوزها تلتقط الصور جوار لافتة تظهر عدد الثواني التي قطعتها ركضاً في مسافة المائة متر، في 10 ثوانٍ صنعت بسنت حلمها، قفزت وسجدت ومالت بأريحية، لكنها لم تعلم أن عيوناً مسلطة على ساقيها المكشوفتين وهي تشبه بطلات الأولمبياد القديمات في ثياب خيتون.

وثق بوسانياس، وهو رحالة يوناني من القرن الثاني الميلادي. في مذكراته المحفوظة في المتحف البريطاني، يعطينا بوسانياس وصفاً لملابس الفتاة لألعاب هيرا في القرن الثاني الميلادي. إذ كانت المتسابقات يرتدين الخيتون الذي يصل طوله إلى فوق الركبتين وتم اعتماده لسنوات كزي تقليدي للنساء في سباقات أولمبيا لقرون.

برغم عودة الأولمبياد في نسخة حديثة عام 1896 في اليونان واستمرارها حتى هذا العام، إلا أنها تجاهلت إدراج النساء في المنافسات الرياضية في انطلاقتها، وبدأت عام 1900 تدارك هذا التجاهل ومن وقتها والنساء يحققن منافسات لا يمكن تجاهلها.

إقرأوا أيضاً:

لم تعلق بسنت حميدة على الانتقادات التي ركزت على زيها الرياضي، إلا أن وسائل إعلام محلية أصرت على سؤال والدتها في تصريحات صحافية عن رأيها بثياب ابنتها في المسابقات، ودافعت الأم، وهي بطلة رياضية سابقة في الجمباز، عن ابنتها مؤكدة أنها لا ترتدي هذه الملابس في الحياة اليومية وكأنها في سياق دفاع في غير محله عن ابنتها التي تتعرض لهجوم واسع وغير مبرر في لحظة تاريخية من مسيرتها.

وبرغم ما تبذله بسنت وغيرها من الرياضيات في كل العالم من تدريبات قاسية لتحقيق الإنجازات، إلا أن الإساءات التي تتعلق بالأزياء الرياضية لا تتوقف، وهي شكل من أشكال الوصاية التي تصل إلى حد التحرش في بعض الأحيان. ولعل أشهر واقعة تحرش في تاريخ الأولمبياد، حصلت حين سجن الطبيب الأميركي لاري نصار لمدة تصل إلى 175 عاماً في فضيحة تحرش جنسي بأكثر من 160 لاعبة.

كما تعرضت اللاعبة المصريّة دعاء غباشي للسخرية عام 2016، من الجماهير الغربية بسبب ارتدائها البوركيني والحجاب لتضطر دعاء وقتها إلى تبرير أن البوركيني والحجاب لا يمنعان من ممارسة الرياضة الشاطئية والمنافسة في الأوليمبياد.

في نموذجين متناقضين ظاهرياً ومتسقين باطنياً، نموذج بسنت حميدة ودعاء غباشي، لا يمكن إنكار أن الجسد الرياضي للنساء محاصر تماماً أو كما قالت الكاتبة الإيطالية ميشيلا مارزانو في كتابها “فلسفة الجسد”، الجسم الوحيد المقبول اليوم هو الجسم المسيطر عليه تماماً، وأننا نصطدم بعدد متزايد من التمثيلات التي تحيل كلها، بطريقة أو بأخرى، إلى فكرة “الضبط”

لا نتعثر بأي شكل بأي خطاب أو ظاهرة تناقش الجسد الرياضي في الأولمبياد، بل إن الأولمبياد منذ نشأتها تحتفي بأجساد رجال اليونان الرياضيين بارزي العضلات باعتبارها أجساد جذابة وفنية بشكل يستحق نحته في تماثيل متفرقة في الساحات، لكن أجساد النساء تعد الحديث الأساسي في عالم الرياضة المحلية والدولية بشكل جدالي محموم، حتى إن هناك دولاً مثل إيران تمنع الرياضات الآن، إلى دول عربية مثل السعودية تمنع ممارسة الرياضات النسائية في السياقات العلنية التي قد يراهم فيها الرجال بل حتى منعها داخل المدارس.

تعيش بسنت حميدة في الإسكندرية، المحافظة الساحلية المصرية التي تمت تسميتها على اسم الاسكندر الأكبر، وكأنها الآن تعيش قصتين، قصة استعادة حكاية بطلة أوليمبية فازت في سنوات ما قبل الميلاد بالأوليمبياد وتم محو حكايتها بالزواج، وبطلة حديثة حققت رقماً قياسياً في الركض ولا تلتفت إلى الوراء، حيث بدائيون يحاولون رشقها… حتى الموت

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني