حظر الإجهاض في إيران: حكاية تحذيرية للأميركيين

يعتقد معلِّقون إيرانيون أن الجهود الحثيثة لشرطة الأخلاق ولوائح الإجهاض الجديدة تُشير إلى أن النظام يُخفِق “في المهمة الأخلاقية التي أرساها قائد الثورة آية الله الخميني، ولذا سيتحتّم عليه فرضها بالقوة”.

من الصعب أن نحدِّد مَن تعلّم من الآخَر: الأميركيون من إيران، أم العكس؛ ولكن يبدو أن البلدَين في تنافسٍ محموم لحظر الإجهاض. ففي آذار/ مارس 2021، أقرّ البرلمان الإيراني برنامجاً لسبع سنوات بعنوان “القانون السكّاني الجديد”، وهو برنامج يسعى إلى زيادة التعداد السكّاني، تماشياً مع توجيهات القائد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامِنئي.

ولا توضح الخطة- الواقعة في 74 بنداً- أهدافاً دقيقة أو أسباباً لحاجة إيران إلى مزيد من السكّان في ظل أزمتها الاقتصادية العميقة. ولكنها تنصّ على أن وسائل منع الحمل لن تصبح مجانية، ولن تكون متاحة في الصيدليات. وتحظر أيضاً الإجهاض والتعقيم سواء للرجال أو النساء، وتنهي الالتزام بإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية، للتأكد من صحة الجنين، وتطالب بتوثيق كامل سجل خصوبة المرأة، وما مرّت به من حالات حمل وإجهاض تلقائي.

وأنشأ القانون أيضاً لجنةً لدراسة طلَبات الإجهاض، ستضمّ في عضويتها ثلاثةً من رجال الدين، مع توكيل الاستخبارات بمهمة التعامُل مع الإجهاض باعتباره مسألة أمن قومي. وهناك بند آخر يُلزِم وزراء الصحة والرياضة والعلوم بتخصيص نسبة 5 في المئة من ميزانيات وزاراتهم الثلاث للبحوث في مجال الخصوبة والنمو السكاني.

المهمة الأخلاقية في إيران وسواها، تُرمى على عاتق النساء تحديداً، يتولين تنفيذها ودفع الثمن في مطلق الأحوال.

وكجزءٍ من الخطة؛ صوَّت البرلمان في حزيران/ يونيو الماضي على أنّ المساعدة على الإجهاض جريمة جنائية يُعاقَب عليها بالغرامة وسَحب ترخيص مزاولة المهنة. وسيخضع الأطباء والممرضات والقابِلات الآن لرقابة صارمة، إضافة إلى أسرة المرأة الساعية إلى الإجهاض وأصدقائها/ صديقاتها؛ وإذا بدر منهم تشجيع أو مساعدة، فقد يتعرّضون لعقوبات.

وهناك أيضاً لائحة تحتّم على شركات التأمين الصحي -الخاصة والحكومية- عدم تغطية تكاليف الفحص بالموجات فوق الصوتية، سوى للمرأة التي يتجاوز سنها 35 عاماً. أمّا مَن هي أصغر من ذلك فلن تجد معلومات عن العيوب الخِلقية في جنينها، ولن يكون بمقدورها طلب إجراء عملية إجهاض.

وفقاً لمنظمات حقوقية في إيران، هناك حوالى 600 ألف حالة إجهاض غير قانونية تُجرى سنوياً في البلاد؛ ولكن يبدو أن العدد الحقيقي أعلى من هذا بكثير، فمن الصعب للغاية الحصول على بيانات موثوقة حول هذه المسألة. وتقول الجماعات الحقوقية إن القوانين الجديدة لن تمنع حالات الإجهاض ولن تؤدي إلى زيادة في التعداد السكّاني، لأن قرار الولادة سيظلّ دائماً رهناً بالوضع المالي للأسرة لا بالقوانين.

لكن الخطر يكمن في أنّه بعد تمرير القوانين الجديدة سيتعيّن على النساء غير المتزوّجات إذا أرَدْنَ إجراء عملية إجهاض أن يَسعَين- على نحو متزايد- إلى الاستعانة بطرائق غير قانونية ما يعرِّض حياتهنّ للخطر.

جدير بالذكر أن خطة زيادة السكان في إيران ليست جديدة. فقد قال خامنئي عام 2011 إن “سكّان إيران اليوم 75 مليون نسمة. وأعتقد أن بلادنا، بكامل قدراتها، يمكنها استيعاب 150 مليوناً. وأنا أحبّذ أن يكون تعداد السكان كبيراً.

عام 2014 كشف القائد الأعلى عن برنامج مصمَّم لزيادة معدل النمو الطبيعي. وبالطبع أنشئت وزارة خاصة في الحكومة وظَّفت أطبّاء ومسؤولين وباحثين مع ميزانية كبيرة لتخطيط برامج وإطلاقها من أجل زيادة عدد السكّان.

إقرأوا أيضاً:

إضافة إلى ذلك، تم تجنيد رجال الدعاية لدى الحكومة لصياغة مواد دراسية حول الحاجة إلى الامتثال للأمر الإلهي بزيادة عدد المسلمين حول العالَم، كما أوضح خامنئي. فيما طُلِب من المشرّعين نشر الفكرة، وتبنّى كثر منهم نظريّاتٍ “علمية” لإقناع العامة، بل وترهيبهم.

فعلى سبيل المثال، عام 2020، كتبت نائبة في البرلمان عن محافظة قزوين الواقعة شمال غربي البلاد، “إن نسبة الذكاء لدى الإيرانيين تقف عند حد 84، وإيران اليوم تحتل المرتبة رقم 68 في العالم (في نسبة الذكاء)، بعدما كانت من بين الدول الخمس الكبرى في نسبة الذكاء. والسبب في ذلك أن النخَب ترفض إنجابَ الأطفال في هذا العالم”. ولكن لم يتغيَّر الكثير؛ فمعدّل الزيادة الطبيعي لم يتأثّر بالتعليمات.

وليست زيادة نسبة المواليد هي كل ما يشغل بال القادة الإيرانيين؛ فراهناً احتفَت البلاد بـ”يوم الحجاب والحشمة”، الذي أغرَق خلاله الوعّاظُ وعلماءُ الدين والحساباتُ الروبوتية الحكومية وسائلَ التواصل الاجتماعي بمطالب تحثّ النساء على ارتداء “الحجاب المناسب”؛ إذ لا يُفترَض أن يظهر من شعر المرأة حتى بعض خُصلاته.

وكما يجري كل عام، شاركت النساء في احتجاجات، ونشرن على الإنترنت صورهن بدون حجاب. ووقّعن على عرائض تطالب بإنهاء فرض الحجاب؛ وكما حدث في الماضي، وجدت كثيرات منهن أنفسهنّ رهنَ الاعتقال والمحاكمة بتهمة “الإخلال بالنظام العام”. وهناك اعتقاد بأنّ ما يسمى “شرطة الأخلاق”- التي كثّفت عملياتها بشكل كبير- قد اعتقلت وهددت 2000 امرأة يومياً.

ويعتقد معلِّقون إيرانيون أن الجهود الحثيثة لشرطة الأخلاق ولوائح الإجهاض الجديدة تُشير إلى أن النظام يُخفِق “في المهمة الأخلاقية التي أرساها قائد الثورة آية الله الخميني، ولذا سيتحتّم عليه فرضها بالقوة”.

ومن المثير للاهتمام أنّ المهمة الأخلاقية في إيران وسواها، تُرمى على عاتق النساء تحديداً، يتولين تنفيذها ودفع الثمن في مطلق الأحوال.

هذا المقال مترجِم عن Haartetz.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا  الرابط التالي.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني