لماذا نزدري اللهجات العامية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الصراع بين الكتابة بالفصحى أو العامية ينطوي على الكثير من القضايا الشائكة: القومية، والسلطة، والدين، حتى إننا ننسى في خضمه أحياناً أن غرض اللغة بالأساس هو التواصل.

في حوار مع الروائية المصرية إيمان مرسال في كتاب “لغة مقدسة وناس عاديون” للكاتبة نيلوفر حائري، تقول إن علاقتها مع الفصحى بدأت بالقرآن الكريم، وتقول مرسال إنها بعدما كبرت وأصبحت مهتمة باستكشاف الحب، والأمور الجنسية كانت تجد الكتابات عن هذه المواضيع بالفصحى، لكن على الجانب الآخر ما تذكره العامية أو لغة الحياة اليومية عن هذه الأمور هو أنها عيب، لذلك كانت الفصحى هي ملجأ للعثور على ما لا تتناوله العامية.

تقول  إيمان مرسال  “العامية للحياة، والفصحى للثقافة”. 

الفصحى في حالتها كانت هي الملجأ الأرحب، من العامية، ربما هذا ما نبحث عنه في اللغة.

الصراع بين الكتابة بالفصحى أو العامية ينطوي على الكثير من القضايا الشائكة: القومية، والسلطة، والدين، حتى إننا ننسى في خضمه أحياناً أن غرض اللغة بالأساس هو التواصل.  ودائماً ما يُطرح سؤال ما إذا كانت اللغة العربية الفصحى صعبة وقواعدها معقدة، ويقترح البعض الآخر حلاً بإلغاء الإعراب وتخفيف القواعد، لكن ماذا نقصد حين نتحدث عن الفصحى، هل هي فصحى التراث أم الفصحى الحديثة، أم لغة الصحافة على سبيل المثال؟

يجب ألا ننسى أن اللغة العربية “مقدسة” بحسب التراث، فهي اللغة التي تحدث بها آدم في الجنة، على الجانب الآخر فإن شعوباً كثيرة في المنطقة تفهم اللهجة المصرية، بسبب الإنتاج الفني، لأنها من اللهجات الشائعة (lingua franca)، وأعتقد أنه برغم تراجع مكانة مصر في المنطقة، إلا أن الإنتاج الفني والثقافي المصري ما زال لهما بريق بشكل ما، أو هذا ما أظنه ربما أكون مخطئة.

 أما  الكاتبة نيلوفر حائري فتقول أنها قد أُخبرت باختلاف اللغة العربية المكتوبة عن المنطوقة، لكنها وجدت أن الاختلافات ضخمة جداً. وهو الأمر الذي يعاني منه كثيرون من الأجانب الذين يتعلمون اللغة العربية، لكن لماذا نتحدث بلغة، ونكتب بلغة أخرى؟ هل فكرتم في هذا الأمر؟ وإذا حدث وكتبنا الأدب باللغة المنطوقة تقوم الدنيا ولا تقعد. إن هذا ما يسمى الازدواج اللغوي. 

تقول نادية كامل في رواية “المولودة” التي كتبتها بالعامية عن تاريخ عائلتها “عاوزة ابتدي أحكي من الدرج. درج دولاب أبويا وأمي اللي كان مليان كروت بوستال ورسايل حب. التصوير كان بطيء جداً، كروت عبارة عن اتنين بيبوسوا بعض ويحبوا بعض”.

بالعودة إلى مصطلح “الازدواج اللغوي” سنجد أنه ظهر على يد عالم اللغويات شارل فيرغسون، وهو يعني وجود نمطين من اللغة، الفصيح، والعامي، نمط يُعتبر “راقياً” يُكتب به الأدب، ويُستخدم في الخطب الدينية، والأحاديث الرسمية، ونمط يُعتبر “متدنياً” يتحدث به الأكثرية، يومياً، في الهاتف، وفي الشارع، ويستخدمونه لإلقاء النكات. ووضع فيرغسون معايير لازدواج اللغة منها التراث الأدبي، فيُكتب معظم التراث الأدبي بالنمط “الراقي” أو الفصيح.

 من اللغات التي تعاني من ظاهرة الازدواج اللغوي  وفقاً لفيرغسون هي اللغة العربية. ووجهت انتقادات لفرضية فيرغسون، ومن واقعنا الحالي المصري مثلاً سنجد تداخل النمطين اللذين تحدث عنهما،  فنرى رجال الدين والأساتذة الجامعيين، يتحدثون بالعامية والفصحى، كان رجل الدين المعروف محمد متولي الشعراوي مثلاً يتحدث بعامية ريفية، وكلامه شديد التقديس في أذهان العامة، لكن تظل اللغة الرسمية لمصر كمثال هي اللغة العربية، ولا وجود للعامية في دستورها. النائبة المصرية سولاف درويش قد تقدمت بمشروع للنهوض باللغة العربية، يلزم المصالح الحكومية والمحلات التجارية بكتابة اللافتات باللغة العربية.

ينتج عن هذا الازدواج اللغوي وجود اختلافات نحوية كبيرة بين النمط “الراقي” والنمط الشعبي، ومنبعه بالأساس في نظر فيرغسون  لاعتبارات دينية، وضرب مثلاً باليونانية، عندما ظهرت ترجمة الكتاب المقدس بالنمط “الديموطيقي” أدى ذلك إلى حدوث مظاهرات في اليونان عام 1903. الأمر ذاته بالنسبة للغة العربية، فالنمط الأعلى هي الفصحى، أو لغة القرآن. وتظهر الأزمة عندما يدون أحد الأدب أو يترجمه باللغة “الدنيا” أو العامية. 

وممن دونوا بالعامية الأديب المصري عبد الله النديم صاحب مجلة “الأستاذ”، التي صدرت عام 1892 وذلك  وفقاً لما ذكرته دراسة بعنوان “العامية المصرية عند عبد الله النديم” لمديحة دوس أستاذة اللغويات الراحلة، والتي تناولت كثيراً حروب الفصحى والعامية، وكانت ترى أن اللغات تتطور، وأن اللهجة تتحول إلى لغة ذات قواعد جامعة. 

كتب عبد الله النديم في مجلة “الأستاذ” عن الفترة التي اضطر فيها للتخفي بعد الهزيمة العربية “وخرجت من مصر مختفياً، فدرت في البلاد متنكراً، ادخل كل بلد بلباس مخصوص، واتكلم في كل قرية بلسان”.

وذكرت دوس أن النديم استخدم العامية في بعض كتاباته، لأنه أراد الكتابة بلغة مفهومة، للعامة، وحتى للأميين، إذ كان يقرأ لهم الجريدة شخص متعلم. وعلى رغم أنه كان يدافع عن اللغة العربية ضد محاولات التقليل من شأنها من قبل الاستعمار، إلا أنه كان حريصاً على الكتابة باللهجة المنطوقة للتواصل مع العامة. 

 تجددت الصراعات حول الكتابة بالفصحى والعامية المصرية، بعد ترجمة رواية “الغريب” لألبير كامو، ونقلها من الفرنسية هكتور فهمي، عن دار نشر “هن” باللهجة العامية، أو “اللغة المصرية” كما كُتب على الغلاف، وهو ثاني عمل له بعد ترجمة “الأمير الصغير” للكاتب أنطوان دو سانت أكزوبيري والذي نقله إلى اللهجة المصرية أيضاً، وهي الرواية الأشهر في العالم.

إقرأوا أيضاً:

في لقاء مع هكتور الذي يعيش في مدينة ليون، بفرنسا، مدينة الأمير الصغير، بدأ حديثه بأنه لا يقبل كلمة عامية، ويقول إنه يترجم للغة المصرية، ويعتبرها لغة منفصلة عن العربية، ويرى أنه لا يصح إطلاق لفظ العامية على المصرية بأكملها، فالعامية، والفصحى مستويات لغوية. ويضيف أن الناس يتعاملون مع المصرية باحتقار، ويذكرني ذلك بالنمطين اللذين تحدث عنهما فيرغسون. ويعتبرون المصرية والكلام على لسان فهمي، مجرد مستوى عامي (أدنى) من اللغة العربية، وينسون أن المصرية لغة منفصلة قادرة على التعبير الأدبي ومثلها مثل كل اللغات، فيها المستوى العامي والفصيح، وهو ما أطلق عليه فهمي مصطلح “اللغة المصرية الفصحى”.

سبق هكتور في الترجمة إلى اللهجة المصرية كثيرون مثل المحلل النفسي مصطفى صفوان الذي نقل مسرحية “عطيل” لشكسبير للعامية، والشاعر والمترجم عبد الرحيم يوسف الذي ترجم مسرحية “حلم ليلة صيف” لشكسبير، وناريمان الشاملي التي نقلت إلى العامية كتاب “رسالة الغفران”، وأيضاً محمود حسنين الذي ترجم رواية “لبن النمرة” من الألمانية.

“جميلة بتحب تبدل الحروف، وبتسمي دا كسر الكلمات، بتخلي الهوا دوا، والليل خيل، وبكدا نبقى: كلنا في الدوا سوا، وخيل المحب طويل. وغير كدا اخترعنا لغة الأڤْوَرَة. فلوس اسمها فلوس بتبوس، وما فيش حاجة اسمها لف سيجارة، لازم تقول: لف سيجارة في الحارة” لبن النمرة، ترجمة محمود حسنين.

 وما دفع فهمي لتقديم الأمير الصغير بالأساس أنه  يحب هذه الرواية، التي قرأها في طفولته، حيث تعلم الفرنسية في مدرسة “الجزويت” في القاهرة، ويريد تقديمها للمصريين، بلغتهم اليومية، وتزامن ذلك مع اكتشافه موقع عنوانه “بيسخاي” وهو مهتم بالتدوين باللهجة المصرية، وترسخت الفكرة في رأسه عندما وجد أن كتاب “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري قد نقلته للعامية المصرية المترجمة ناريمان الشاملي. 

“الله يلعن الخمرة، بتقلل من قيمة الناس، ومبيجيش من وراها أي فايدة، واللي يصطبح بيها يمشي للمصايب برجليه، واللي يعشقها عقله بيخف، واللي يتمسى بيها بيمشي للذنوب برجليه”، “رسالة الغفران”، ترجمة ناريمان الشاملي.

اللغة هي عقد اجتماعي بين الناس، وربما نحن بحاجة لوضع تعريفات عدة حتى لا يكون كل شخص منا في وادٍ.

 “العامية للحياة، والفصحى للثقافة”.

ما هي العامية؟ 

أتحدث هنا عن العامية المصرية، اللغة الشعبية، أو الدارجة، أو لغة عموم الناس، وما فهمته من هكتور هو أن اللهجة التي يتبناها في الترجمة هي درجة رسمية من المصرية، مفهومة وفي الوقت ذاته ليست سوقية، مثلما تتحدث مع أستاذك الجامعي على سبيل المثال. كما جاء في الأمير الصغير؛ “على كوكب الأمير الصغير، كان فيه دايماً ورد بسيط جداً، عنده صف ورق واحد، ماكانش بياخد مكان كبير، وماكانش بيزعج حد”.

 وهناك لهجات عامية كثيرة في مصر، لهجة أهل الدلتا، ولجهة أهل الصعيد، ولهجة القاهرة، يتبنى فهمي اللهجة القاهرية، لأنها لهجته، ولأنها مفهومة بين عموم الناس، وهو يشجع على الترجمة أيضاً لأي لهجة في مصر.

 لكن إلى أي مدى ستكون اللهجة المصرية قادرة على الترجمة، يرى فهمي أن قدرة اللغة المصرية على استيعاب الترجمات تُحدد، بحسب قدرة المصريين على التعبير، فاللهجة المصرية قادرة على التعبير بشكل بلاغي، فنحن يومياً نعبر عن أنفسنا سواء بالكلام، أو بالغناء، لكن المشكلة تكمن في الكتابة، ويرى أننا أهملنا الكتابة بالمصرية، والمشكلة تكمن في المترجم وليس في اللغة. ويضيف أن اللغة المصرية قادرة على ترجمة الأدب الكلاسيكي. واللغة الأغنى هي أغنى بتطورها. وعلينا أن نطوع اللغة لنواكب العصر.  

ويرى فهمي أن المصرية تتمتع بمرونة أكثر من العربية الفصحى، البعيدة من الحياة اليومية، بسبب حراس اللغة. وهو لا يعادي اللغة العربية، فهي لغة إنسانية مثل أي لغة، لا يمكن أن تعادي اللغة الألمانية على سبيل المثال، لكن يرى أن ما يحدث هو العكس، إذ هناك هجوم على الترجمة والتدوين بالمصرية. وهو يستعير من العربية الكلمات التي لا يجدها في المصرية.

ويُذكر أن فيرغسون تنبأ للغة العربية بظهور لغات متعددة تقعيدية بمعنى أن لها قواعد معيارية، مأخوذة من النمط المنخفض، تحتوي على الكثير من مفردات النمط العالي، مثل المغربية المبنية على لهجة الرباط، والمصرية المبنية على لهجة القاهرة.

وفي السياق ذاته، فإن هكتور متفائل بشأن مستقبل الإنتاج باللغة المصرية كما يسميها، ويريد توصيل الأدب العالمي للمصريين بلغتهم، ويحلم بأن تكون اللغة المصرية لغة رسمية، ويحلم أيضاً بإنشاء مجمّع للغة المصرية يساعد في ترسيم قواعدها، أو وضع قواعد إملائية موحدة لها.

في النهاية، إذا كانت فرادة اللغة العربية من التراث الأدبي، ربما سيكون المحك هو نشاط التدوين والترجمة باللهجة المصرية، ولنرى ما سيحدث حينها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني