fbpx

“لعنة السندريلا”: من يملك جسد
شيرين عبد الوهاب ليحاسبها على مقاييسه؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

المعركة التي يخوضها المنتمرون ضد جسد شيرين تتخطى سيل التعليقات والمنشورات التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، هي معركة كل جسد أنثوي يٌحاكم يومياً على مخالفته الخيال الجنسي العمومي والهائج.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يبدو أن المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب تفتقد امتيازات بعض جمهورها، بعدما اعتاد قبولها في قالب رشيق، والآن يحاكمها على اكتسابها مزيداً من الوزن بأسئلة حول أسباب مخالفتها معايير الجمال “النمطية”، ولماذا صدأ صك الأنوثة “المزيف” في يدها.

جسد شيرين يخوض الآن معركة منفصلة عن تلك التي تخوضها مع ذاتها، بعد رحلة انعتاق من زواج مدمر، وكأنها لا تملك الحق في الاختباء داخل جسد يراكم طبقاته، لتسحبه لحافاً سميكاً يغطي روحها في انتظار فرصة صحو جديدة.

أصبح جسد شيرين بكل آلامه في المزاد الآن، بعضهم يقول: “دعوها مرمية في زوايا حياتها الخربة”، وبعضهم الآخر يغريها بصالته الرياضية لتكتسب “فورمة” تعيدها للأضواء. وعليها أن تختار بين “سيندرلتين”: الأولى رشيقة يهواها الأمير، والثانية مثل سعاد حسني في فصلها الأخير بوزن جديد مختبئة من العيون حتى الموت.

تعاني شيرين من سطوة المتنمرين لأنها متورطة في جسد -قرروا نيابة عنها- أنه لا يلائمها، وعليها هجران مسكنها البيولوجي في أسرع وقت لصالح “مسكن” أنحف، وكأنها دمية وكائن سلبي خامل يتم سحبها إلى معركة تاريخية واجتماعية قديمة حول الجسد المحمل بذنوب وأعباء وضرورات.

تاريخياً لم تنج من وصم الجسد المكتنز سوى الراهبات و النساء المتزوجات، لأن الأخيرات تصبحن بهذا الجسد قويات وقادرات على إنجاب المزيد من الأطفال بصحة جيدة، وتحققن وظيفتهن الاجتماعية التي تتلخّص في المهام الإنجابية.

لكن شيرين اليوم ليست في نظر بعض جمهورها المرأة صاحبة الوظيفة الاجتماعية الإنجابية، هي تمثال الشمع صاحب الصوت الصادح والتأثير الفني الاستثنائي، وعليه أن ينحتها على هواه، حتى لو كانت شرايينها مفتوحة مجازاً وتشكو من الألم النفسي.

لا يٌحَاسَب المطربون الرجال على أجسادهم في العادة مثلما تٌحاسَب الفنانات. ظل صباح فخري أسطورة فنية رغم “كرشه” و”صلعته”، وظل جورج وسوف عراباً رغم جسده غير الرياضي، من دون ذكر عدوية ومنير اللذان تأرجحا مراراً في أوزان مختلفة، وإن كان التنمّر لم يوفّرهم في كثير من الحالات.
على الجانب الآخر تصبح المطربات في ورطة كبيرة إذا اكتسبن مزيداً من الوزن، وقد يكون هذا الوزن أحد أسباب اعتزال بعضهن. الوحيدة ربما، التي نجت جزئياً من سطوة جمهورها على جسدها هي أم كلثوم، ومع ذلك فإن شريحة من الأجيال الجديدة لا يسخرون منها لأسباب تتعلق بمخالفتها معايير الأنوثة النمطية، ويكثُر نعتها بالمرأة القبيحة و”المرأة التي عاشت في جسد رجل”!

المعركة التي يخوضها المنتمرون ضد جسد شيرين تتخطى سيل التعليقات والمنشورات التي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي، هي معركة كل جسد أنثوي يٌحاكم يومياً على مخالفته الخيال الجنسي العمومي والهائج.

في كتابها “حين تأتي الأشياء الروحية أولاً” تصف الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار هذه المعركة بـ”تأديب أجساد النساء” حيث “يتم تدريب أجسادنا وتشكيلها بالأشكال التاريخية السائدة عن الذكورة والأنوثة من خلال أنظمة الحمية، والماكياج، والتمارين الرياضية، واللباس، والجراحات التجميلية، وتحاول النساء نحت أجسادهن في أشكال ترضي الأعراف المجتمعية السائدة. كل هذه الممارسات التأديبية لا ترتبط فقط بإنتاج أجساد جنسانية مناسبة فحسب، بل ترتبط أيضًا بالجوانب الأخرى للهوية الجسدية الخاضعة للتطبيع الاجتماعي مع النحافة”.

إقرأوا أيضاً:

قد يبدو صادمًا القول إن بعض جمهور شيرين يحاكمها من وجهة نظر جنسية، حتى بعض السيدات من جمهورها، يحاسبنها من الزاوية نفسها، لأن المجتمعات التي لم تراجع مفاهيمها عن الذكورة والأنوثة لازالت غارقة في ضرورات تحقيق المرأة لصور نموذجية تجعل التخيلات الجنسية فاعلة.

تقول دي بوفوار إن وجهة النظر الجنسية لأجسادنا تختلف جزئياً بحسب أدوارنا الاجتماعية، حيث تتراوح درجة النظر الجنسية لنا حين نكون أمهات حنونات عن كوننا نجمات بوب شهيرات، لكن تبقى نقطة انطلاق المجتمع في نظرته إلينا هي أن هويتنا تنبثق من أجسادنا الأنثوية بالأساس”.

رغم كل هذا الإغراق في الخيال الجنسي الملازم لنظرة المجتمع للنساء، إلا أن النساء أنفسهن غير غارقات في لغة أجسادهن إلى هذا الحد، ولا إلى درجات الغواية التي يراها الآخرون فيهن، بحسب عالم النفس الشهير كارل يونج، فإن إحساس النساء المكثف بأجسادهن يأتي في لحظات الألم أثناء فترات الحيض والحمل، ومهما كانت هذه النظرية حقيقية أم بها مبالغة، لكنها تلخص المفارقة عن كيفية نظر العالم إلينا بهذا القدر من الإغواء ونحن لا نشعر به أصلا بقدر ما نشعر بالألم!

محاكمة جسد شيرين عبد الوهاب تشبه في قسوتها محاكمة العابرين والعابرات على تغير شكل أجسادهم/ن، وهذا ما أوضحته سيمون دي بوفوار بأن النساء اللاتي لا تخضعن للمعايير النمطية للأجساد الأنثوية يواجهن هجوماً يشبه ما يواجه/ن العابرين والعابرات جنسياً، لأنهم جميعاً لديهم أجساد مختلفة عن النموذج، ويتم التعامل معهم اجتماعياً على أنهم غرباء، ويخضعون لعقوبات اجتماعية.

يتناسى بعض جمهور شيرين -من أصحاب الصور النموذجية- أن جسدها مثل أجسادهم وتأكل وتنام وتشعر بالألم والسرور وتتحمل المرض والعنف النفسي وأن الجسد يتشكل كلياً وفقاً لهذه العوامل ووفقاً لـ”فسيولوجيا الألم” مثلما يتورم جسد المعذب في ثنائية طردية بين الإحساس والجسد.

في كتاب” جسد متألم” لالين سكاري تشرح الترابط الواضح بين إحساس الإنسان بالألم وتغير تركيبته الجسمانية، وتطرح مثالاً على ذلك أجساد السجناء في فترات التعذيب، حيث تتحول أجسادهم بشكل متسارع إما إلى النحافة الشديدة أو السمنة الشديدة -في السجون التي توفر أطعمة كافية- لكن في وضع شيرين وفي حالتها النفسية المتهاوية بعد طلاقها، لا يفهم بعض جمهورها أنها مثلهم تماماً وليست تمثالاً من الشمع.

في غداء مع صديقات طرحت صديقتي ميريام تساؤلاً”لماذا النساء الثريات جميلات أكثر من الفقيرات؟” في البداية ظننت الطرح طبقياً لكنه بالفعل كان سؤالا ذكياً، والإجابة تتلخص في العبء الاقتصادي الذي يقع على النساء، وشيرين بعدما دخلت عالم الثراء لا يمكن أن يقبل منها المجتمع أن تسكن جسداً مترهلاً “فقيراً”، عليها أن تلتزم بالمعايير ولا حجة لديها، لذلك لا نستغرب محاكمات بعض جمهورها لجسدها. وزوجها السابق نفسه حاكمها قبلهم بمعايير طبقته الاجتماعية الثرية “مالك تخنتي وبقيتي شبه أمك” وهو ما روته شيرين في حديثها مع الإعلامية المصرية لميس الحديدي.

تروي شيرين مراراً أنها لا تشعر بالراحة في مجتمع الكومباوندات التي تعيش فيه وتحنّ إلى حارتها في حي القلعة التي تربت فيها، لا ننسى أن شيرين حوكمت جماهيرياً أيضاً في بداياتها بسبب شكلها وقصة شعرها التي بدت في نظر الجمهور “صبيانية” وغير أنثوية أو راقية، وقد سقطت هي شخصياً في التنميط حينما تنمّرت في معرض دفاعها عن نفسها في وجه التنمّر، على الملحن حسن ابو السعود، عندما قالت إنها تعرّضت للإيذاء البدني والنفسي من زوجها السابق، “حتى باتت تشبه حسن أبو السعود”، في إشارة إلى شكله ووزنه الزائد.
لا زالت شيرين تشارك صورها رغم حملات التنمّر. لا تأبه، لأنها ليست ضعيفة رغم تألمها، والقوة لا يعارضها الألم، لأن الفتاة التي نشأت وعاشت في حي القلعة الشعبي علمتها الحياة بالقدر الكافي أن النساء حين يعشن حياة صعبة لا ينظرن إلى أجسادهن نظرة جنسية، فالنساء في الأحياء الشعبية، لا تمنحهن الحياة رفاهية النظر إلى أجسادهن نظرة ثقافية طبقية. لا تأكل نساء هذه الأحياء الخضار السوتية ولا تشربن عصير الأفوكادو بالعسل، لا يخضعن للمعايير مرغمات، بل تملأن بطونهن بالمحاشي وساندوتشات الكبدة والسجق وأطباق الكشري كي تتحمل أجسادهن “الأمومية” الأعمال الشاقة والكدح اليومي وإرضاع الأطفال. وربما حنينها لهذا العالم الآن هو ما جعلها تشبه أمها الآن، في شكل جسدها وكفاحها، وهو ما يعايرها به زوجها السابق حسام حبيب.

إقرأوا أيضاً: