fbpx

سنبتسم للرئيس ثم نتناول الأقراص المهدئة… ونموت

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نحن جميعاً في هذا البلد نتشارك حب الرئيس وحب زوجته وأولاده. نتفاعل مع خطاباته. ونتّبع توجيهاته مثلما اتّبعنا توجيهات أبيه من قبله.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لطالما كنت أملك حدساً باقتراب النهايات.

اليوم أشعر بأن وجوه الناس المتعَبين في دمشق تشبه فيلماً يروي مأساةً لا نهاية لها. من النافذة الخلفية لسيارة الأجرة بدأت أتفرّج على الشوارع المكتظّة.

مررت بمؤسسة الخضار الاستهلاكية، كان بابها مفتوحاً ومتوّجاً بصورة للرئيس يبتسم بوجه مشرق وعيون لامعة. خرج من الباب كهل تحفر وجهه بقسوة هموم كبيرة، يحمل بيده كيساً صغيراً. ثم مررت ببائع خضار متجوّل يقف خلف “سوزوكي” محمّلة بخضار موسمية متنوعة يسرع بتعبئة البضاعة لزبون، قبل أن يهرب منه، ثم مررت بشجر كثيف يغطي واجهات الأبنية العتيقة حتى يكاد يخفيها، ثم صورة الرئيس يشرح موضوعاً مهماً بيده. نساء بحجاب كامل يقطعن الطريق بتؤدة بين السيارات بكل اعتزاز ودون التفاتة استئذان، وسيارة بنوافذ سود تحمل صورة الرئيس وأبيه وأخيه على نافذتها الخلفية، تحاول لفت نظرهنّ باستفزاز دواسة البنزين وإطلاق الزمامير. عامل نظافة بوجه أحرقته الشمس تماماً يكنس نفايات المارة. مارة يرمون عبوات مياه وعصير ليضمنوا استمرارية عامل النظافة في وظيفته.

الرئيس من جديد مبتسماً يلوّح بيده للمصور فوق لوحة إعلانية. نبات المجنونة بلون أحمر وقد تسلّق على باب بناء واحتلّ كامل المدخل. سيدة بشعر برتقالي وحمرة شفاه قرمزية تشير إلى تاكسي في الجهة المقابلة. صورة الرئيس تعلو صورة بوتين في الساحة. فريق كرة قدم بكامل أطفاله في مباراة حماسية في قلب متحف عدنان المالكي. حاجز أمام بيت الرئيس ولا وجود للصور على طول الشارع فقط الحرّاس وقد حوصروا داخل بدلاتهم الكاملة وربطات عنقهم تحت شمس حارقة. المجنونة بلون فوشيا وقد زحفت فوق شجرة سرو أعلى من البناء. صورة للرئيس وهو يبتسم معلقة عشوائياً على شرفة بناء سكني. طريق قاسيون وسماء زرقاء مع غيوم بيض. الرئيس مع والده وأخيه في وضعيات مختلفة على سور مساكن الحرس الجمهوري. 

وصلت أخيراً إلى عيادة طبيب الأعصاب ورويت له أعراض مرضي. استمع إليّ وكأنه يعرف ما سأقول وقبل أن أكمل كلامي اقترح عليّ مسكنات متنوعة. وأوصى بمهدئات قوية. لم يحاول أن يقول إنني أعاني من أعراض معظم السكان هنا لكنني فهمت من تعابير وجهه وملله ماذا يقصد. أخذت قائمة الدواء ووعدت أن أتناوله بانتظام.

عدت إلى السيارة مرة أخرى. الرئيس والسيدة الأولى يبتسمان في صورة عملاقة على واجهة إحدى النقابات. ازدحام أمام باب بائع الشاورما. الرئيس يبتسم على واجهة الدكان. اختناق مروري في ساحة عرنوس والمشاة يقطعون الطريق دون أن يلتفتوا إلى الإشارة الحمراء. الرئيس على واجهة مؤسسة حكومية ينظر إلى الأفق البعيد. ساحة مزدحمة أخرى. بضع صور أخرى. البيت المحاصر بأسوار وجنود بسبب مجاورته المشؤومة لإحدى السفارات. الشجر المقصوص عنوة لأسباب أمنية. الكهرباء المقطوعة دائماً والمصعد الحزين والدرج الطويل حتى الطبقة الأخيرة.

إنّها حكاية طويلة مملّة. كيف تجد الشمس طريقها إلينا كل صباح؟ عبر صور الرئيس؟ وهل يرى الرئيس من وراء صوره الأنيقة هذا البؤس حوله؟

نحن جميعاً في هذا البلد نتشارك حب الرئيس وحب زوجته وأولاده. نتفاعل مع خطاباته. ونتّبع توجيهاته مثلما اتّبعنا توجيهات أبيه من قبله. لم نفكّر في لحظة من حياتنا التي مضت بسرعة، في ظل كل هذا الولاء، بأنه ربما لا يعمل لمصلحتنا في كل ما يقوم به. لكننا الآن تعبنا ونتمنى أن نموت. نتمنى أن نموت بشكل طبيعي موتاً مريحاً. لا نقبل بأقلّ من ذلك. لا نريد أن نغرق ولا أن نموت تحت التعذيب أو التفجير أو تحت أكوام القمامة وحالياً وبصراحة لا نريد أن نموت من الجوع.

سوف نتناول الأقراص المهدّئة ونحن نبتسم لصور الرئيس ونصفّق له. فأمّنوا لنا ميتة لا تكون خبراً عاجلاً في وكالات الأنباء. 

إقرأوا أيضاً: