تاريخ المسلمين المبكر بين التَطرفين السني والشيعي: كيف بدأت “الفتنة الكبرى”؟ 1/4

العقود الأولى من تاريخ المسلمين شهدت خلافاتٍ وصلت إلى كارثة قتل الخليفة الثالث وما خلّفه من صراعاتٍ تلاقى فيها صحابة مؤسس الرسالة بالسيوف في موقعتي الجمل وصَفيِن في ما عُرف لاحقاً بـ”الفتنة الكبرى” التي أنتجت فرق الإسلام الثلاثة (السنة ، الشيعة، الخوارج). 

آواخر عام 2021 أنتج رجل الدين الشيعي الكويتي الأصل المقيم في بريطانيا، ياسر الحبيب، فيلم “سيدة الجنة” الذي، بناء على اعتقادٍ شائع بين الشيعة الاثني عشرية، سرد ما عانته السيدة فاطمة الزهراء، ابنة الرسول محمد، على يد صحابة أبيها، وصولاً إلى التسبب بموتها. الفيلم أثار غضباً سُنياً عاتياً، بل إن مؤسساتٍ شيعية اثني عشرية في لبنان وإيران والعراق أدانته. لكن الأهم من دقة ما بُني عليه هذا الفيلم من عدمها، وأبعد من الخلاف الطائفي، بما يخبرنا اعتقاد كهذا عن رؤية المسلمين، أياً كان انتماؤهم، لتاريخهم المبكر، كيف تمثل مأساة فاطمة- المُعتَقد فيها- هذه نموذجاً لدمجِ العقيدة بالتاريخ، في قراءات سنية وشيعية على حد سواء، تنتج أزمة وعي مستمرة تقود بدورها إلى أزماتٍ أخرى في الاجتماع والسياسة، وهي أزمات ما زالت ترفد واقعنا السياسي بالكثير من الأزمات؟  

هنا القسم الأول من سلسلة من 4 أجزاء يعالج هذا الأمر.

الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قتل ابنة الرسول السيدة فاطمة الزهراء؛ هذا ما يقوله اعتقادٌ شائع بين الشيعة الاثني عشرية، كبرى فرق الشيعة اليوم. طبقاً لهذه الرواية، الصادمة للأذن السُنيْة، بعد رفض علي بن أبي طالب مبايعة الخليفة الأول، الصحابي أبو بكر، حاصرت جماعة  بقيادة عمر بن الخطاب بيتَ عليٍ وفاطمة وأشعلت النار حوله، ودفعوا باب البيت لاقتحامه، وكانت السيدة فاطمة خلف الباب، فسقطت  وسقط جنينها الذي كانت حاملاً فيه (المُسَمى مُحسن) ثم ماتت من جراء ذلك. وفي رواياتٍ أخرى (شيعية حصراً)، حرض الخليفة الأول أبو بكر على ضربها مباشرةً. معروفٌ أن الاعتقاد الشيعي الاثني عشري خصوصاً والشيعي عموماً يرى أن الخلفاء الثلاثة الأُول سَلبوا الامام علي منصبه كخليفةً للرسول (مباشرةً)، لكن للخليفة الثاني كراهية خاصة بحكم اتهامه بالاعتداء على الزهراء وعداوته الشديدة (مرة أخرى من المنظور الاثني عشري) لآل بيت الرسول. علماً أن هذه الرواية عن موت الزهراء ساءلها رجال دين اثناعشريين أحياناً، كان أشهرهم مؤخراً المرجع  اللبناني الراحل السيد محمد حسين فضل الله (توفي في العام 2010). فهل ما يُروى من اعتداءٍ على بيت ابنة الرسول وعليها هي شخصياً، ومن إذلالٍ لزوجها، مقبولٌ تاريخياً؟

أهم من ذلك وأبعد: تخبرنا هذه الرواية عن أزمتنا مع التاريخ التي لا تقتصر على طائفةٍ دون أخرى، وصولاً، كما سنبين،  إلى نظرتين متناقضتين تماماً: واحدة سُنية، لا ترى خلافاً وقع، واخرى، شيعية، لا ترى سواه، واحدةٌ تصفُ مجتمعاً ملائكياً لا يعرف حتى الاختلاف وأخرى لا ترى سوى شياطين عادَوا آل بيت النبي؟ وأي تبعاتٍ لهاتين النظرتين المتناقضتين على مشاريع الإسلام السياسي المعاصر؟

التاريخ عموماً وتاريخنا المخَتلَفُ عليه خصوصاً

التأريخ (بالهمزة)، الجهدُ البحثي الذي ينتج ما بين أيدينا من قراءاتٍ للماضي، عمليةٌ معقدة لا يعي صعوبتها حقاً إلا من حاولها.  يجهد المرء ليتذكر ما عاشه قبل أسابيع أو شهور؛ فما بالك بما حصل قبل قرون وسجله أشخاصٌ يصعب الحكم على دقتهم أو تجرد نقلهم لما شاهدوا أو سمعوا أو قرأوا؟ 

العقود الأولى من تاريخ المسلمين شهدت خلافاتٍ وصلت إلى كارثة قتل الخليفة الثالث وما خلّفه من صراعاتٍ تلاقى فيها صحابة مؤسس الرسالة بالسيوف في موقعتي الجمل وصَفيِن في ما عُرف لاحقاً بـ”الفتنة الكبرى” التي أنتجت فرق الإسلام الثلاثة (السنة ، الشيعة، الخوارج). 

الروايات التي وصلت إلينا كلها شفهية الأصل، لم تُكتب لعقودٍ أو ربما أكثر، وكثيرٌ منها رُوي على الطريقة التي سادت المجتمع العربي قبل الإسلام: في صيغة أيام العرب التي غلب عليها فنُ الأداء بما في ذلك من مبالغةٍ وتزيينٍ بل وحبكةٍ درامية أحياناً (تقليدا الحكواتي والسيرة الهلالية المعاصران امتداد لتقليد أيام العرب هذه)، وبحكم الخلافات المريرة القائمة آنذاك، والباقية آثارُها إلى اليوم، لا بد أن رواة الأخبار تأثروا بتحيزاتهم لهذا الرأي أو ذاك.

أضف إلى ذلك، من الجانب الشيعي، الحاجة  إلى الدراما  والبكاء، فالشيعة الاثناعشرية بالذات حافظوا على تماسكهم وعلى سيرةِ أئمتهم في وجه الاضطهاد بإحياء مجالس العزاء لمآسي آل البيت النبوي، وحينما يصبح استدرار الدمعِ هدفاً تُقدم الحاجة على استحضار المُفجع ، إن لم يكن المبالغة فيه، على التحقيق في الوقائع (في القرنين الماضيين انتقد رجالُ دينٍ اثناعشرية كبار التركيز على الإبكاء والعاطفة دون غيرهما  لكن هؤلاء، على أهميتهم، يبقون الأقل أثراً)، علماً أن التقليد الشيعي هذا يتشابه مع أدب الفضائل والمناقب السني الذي يغدق على صحابة الرسول و غيرهم من الموصوفين بالصلاح ( من كبار المتصوفة مثلاً)، مديحاً وكراماتٍ قد تشوبها المبالغة في نظر من أراد تحكيم عقله مجرداً من العاطفة. هذان الجانبان المتشابهان من التراثين السني والشيعي تتماهى طبيعتهما مع تقليد الhagiography   المسيحي، سير القديسين، حيث يلتحم التاريخي بالعقائدي  فيصعب فصلهما.

الطبري: المؤرخ السني الأهم، كيف وماذا نقل؟

لذلك كله نجد أشهر مؤرخي الإسلام المبكر، أبوجعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310 هجرية / 923 ميلادية)، صاحب “تاريخ الرسل والملوك”، المعروف بـ”تاريخ الطبري”، وهو أيضاً الفقيه السني العظيم وأحد أهم مفسري القرآن، نجده يوردُ رواياتٍ متباينة للأحداث نفسها بأسانيد مختلفة قد تتفق في تفاصيل، أو تضيف رواية منها تفاصيل إلى اخرى، وقد تناقض بعضها بعضاً، لكنه يوردها جميعاً (أو على الأقل ما رأى فيه وجاهةً منها) ويترك للقارئ تقدير أفضلية هذه الرواية على تلك إسناداً ومتناً واتساقاً أو اختلافاً مع غيرها من الروايات. و لمن يتهم الرجل بالتحيز لهذا الطرف أو ذاك فالطبري هو من نقل التفاصيل المروعة لمأساة مقتل حفيد الرسول، وإمام الشيعة الاثناعشرية الثالث، الحسين ابن علي ابن أبي طالب  (61 هجرية /680 ميلادية) في كربلاء التي على أساسها يبكيه الشيعة الاثناعشرية كل عاشوراء، وهو أيضاً من أوصل لنا الكثير من تفاصيل “الفتنة الكبرى”  المتناقلة إلى اليوم، و بينما عاش  الطبري تحت حكم العباسيين إلا أن رواياته عن خلفائهم، أو عن الأمويين قبلهم، متوازنة.

مشهد السقيفة و عمر بن الخطاب: الخلاف، التناقض، وما وراء الروايات

حسب الطبري و مصادر سابقة عليه (منها كتاب الحديث الأساس عند السنة: صحيح البخاري)،  لا شك ان خلافاتٍ وقعت على زعامة المجتمع المسلم الناشئ  بمجرد موت صاحب الرسالة.  أي قارئٍ على أدنى معرفةٍ بالتاريخ مرّ عليه ما جرى في سقيفة بني ساعدة بالمدينة حيث اجتمع الأنصارُ بعد انتشار خبر وفاة الرسول وكان توجههم لاختيار أميرٍ من بينهم. أهم الحضور كان سيد قبيلة الخزرج  الصحابي سعد بن عبادة، الذي جاء رغم مرضه. لكن، ما إن سمعوا باجتماعهم، هرع أبو بكر ابن أبي قحافة (الملقب الصْدّيق عند السنة والخليفة الأول) وعمر ابن الخطاب (الخليفة الثاني)، ومعهم الصحابي أبوعبيدة ابن الجراح، إلى السقيفة لثني الأنصار عن موقفهم، هنا نجح أبو بكر، بكياسةٍ قَلّ نَظيرها، في تحويلِ دفة الأحداث لصالح الوحدة تحت إمرة المهاجرين من قريش. نقرأ أيضاً في روايات الطبري أن العنصر القبلي وذكرى صراعات الأوس والخزرج، القبيلتان الأكبر في المدينة، قبل الإسلام، لعبا دوراً في ثني الأوس عن دعم مسعى الإمارة للأنصار خشية انحساره بأيدي الخزرج ممثلين بكبيرهم سعد ابن عبادة.

 في  بعض الروايات التي يوردها الطبري عن السقيفة ترتسم صورةٌ خشنة لمن سيصبح الخليفة الثاني، تصل أحياناً إلى  اندفاع لا تعقّل فيه. في واحدةٍ منها، منسوبٌ لعمر ابن الخطاب ؛ تُروى الأحداث بلسانه: “[بعد أن ] كَثُر اللغط … قلت لأبي بكر: ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار. ثم نزونا على سعد] ابن عبادة، أي وثبنا عليه] حتى قال قائلهم: قتلتم سعد ابن عبادة! فقلتُ قتل الله سعداً ” (الرواية ورادة بنفس الألفاظ تقريباً في صحيح البخاري، حديث رقم 6830 ، باب 31 رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت). وفي رواية اخرى يوردها الطبري أيضاً: “فأقبل الناس من كل جانبٍ يبايعون أبا بكر، وكادوا يطئون سعد بن عبادة، فقال … أصحاب سعد: اتقوا سعداً لا تطئوه، فقال عمر اقتلوه قتله الله! ثم قام على رأسه ، فقال : لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك [أي حتى يزال عضدك من مكانه]، فأخذ سعدٌ بلحية عمر ، فقال [عمر؟]: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفيك واضحة [الأسنان التي تظهر عند الابتسام]، فقال أبو بكر : مهلاً يا عمر! الرفق هنا أبلغ. فأعرض عنه عمر “. حسب ما يورد الطبري في الرواية نفسها لم يبايع سعد أبا بكر أبداً، لكن الخليفة الأول ترك شيخ الخزرج وشأنه، والذي كان أيضاً صحابياً ذو سبق في الإسلام، لأنه، أي سعد، حسب رأيٍ (لشيخ قبيلة الأوس بشير ابن سعد) أخذ به الخليفة: “ليس بمبايعكم حتى يُقتل، وليس بمقتولٍ حتى يُقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته … فاتركوه فليس تركه بضاركم، إنما هو رجلٌ واحد”. أما سعد بن عبادة “فكان … لا يصلي بصلاتهم… ولا يحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله”. لكن في روايتين أخريين (ثالثة ورابعة)  يوردهما الطبري تختلف النهاية تماماً ، في واحدة منهم يتكرر كلام عمر القاسي تجاه سعد ابن عبادة: “قتله الله إنه منافق”، لكن سعد يُبايع خانعاً، وفي الرواية الأخرى يخاطب  سعد بن عبادة أبا بكر: “إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة، ؛ وإنك وقومي أجبرتموني على البيعة، فقالوا [؟ غير واضحٍ من هم الذين “قالوا”]: إنا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة، ولكنا أجبرناك على الجماعة، فلا إقالة فيها، لئن نزعت يداً من طاعة أو فرقت جماعة، لنضربنّ الذي فيه عيناك”. 

يمكن لمن شاء أن ينظر في إسناد هذه الروايات للتحقيق فيها، لكن يمكننا أيضاً مساءلتها تأريخاً، لغةً، وسياقاً. أعلاه، وكما سنرى لاحقاً، مع التناقل قد تُضاف تفاصيل وتُترك اخرى، علماً أن “التقييد” كتابةً جاء متأخراً عقوداً على الأقل (مؤكد أن الطبري نقل من نصوصٍ مكتوبةٍ سابقةٍ عليه)، يمكننا أن نرى ذلك في مستوياتِ عنف تفاعل الخليفة الثاني مع شيخ الخزرج، تدرجاً في رواية ٍمن التلفظ إلى مد اليد وصولاً إلى التهديدِ بالقتل في رواياتٍ أخرى.  لُغوياً فعلُ “قتل” الوارد على لسان عمر بن الخطاب، خاصةً في الرواية الأولى وأيضاً في الثالثة، لا يعني بالضرورةٍ إزهاق النفس. في القرآن الكريم “قُتل الإنسان ما أكفره”  (سورة عبس، الآية 17) ، بمعنى اللعن لا إنهاء الحياة، من ثَم “قتله الله” (التي قالها عمر في أحد الروايات أعلاه) قد تعني أذله أو لعنه الله. عدا ذلك، الروايتان الأخيرتان صاغهما منطق طاعة “ولي الأمر”  بأي ثمنٍ كان، و اعتبار كل من تسبب “في شق عصا الطاعة” أو “فرق الجماعة” خطراً يستلزمُ إنفاذ الجملة الخاتمة:  “لنضربن الذي فيه عيناك.” 

 الفائدة السياسية  لروايةٍ كهذه لأي حاكمٍ لا تُقدر بثمن، فأن يُخاطَب صحابيٌ ذو مكانة وشيخ قبيلة كسعد ابن عُبادة بهذه الغلظة  يعني ضمناً أن كلَ مفارقٍ للجماعة، أياً كان “إمامها”، أو أياً كان مقام أو وزن هذا “المفارق للجماعة”،  مُستحقٌ للقتل، ويعني أيضاً أن بيعةً بالإكراه والتهديد لا بأس بها، هذه القابلية للاستخدام السياسي، وتناقضها مع السياق القبلي عموماً ومع الروايات الاخرى الواردة خصوصاً، تدعوا للشك ، هذا أولاً. ثانياً؛ إن فهمنا كلمة “قتل” هنا فقط بمعنى إنهاء الحياة ستتخطى الصورة المرسومة لعمر الخشونة إلى اندفاع يجافي المنطق: عمر في روايات أعلاه دعا لقتل، أو هدد بالقتل، رأس واحدةٍ من القبيلتين الكُبريين في المدينة (الخزرج والأوس)، وهو، أي عمر، المهاجر من مكة. وحسب الرواية الثانية، وكما هو مشهور، لسعد ابن عبادة وزنٌ قبلي يتعذر تجاهله. فأي مغامرةٍ تلك التي سلكها عمر بالدعوة مباشرة لقتله (إن صحت تفاصيل الرواية وإن كان المقصود بالقتل إنهاء الحياة)؟ صحيح، يُعرفُ الرجلُ بالشدة إلى حد الغلظة، لكن أياً كان موقفك من الخليفة الثاني يصعب اتهامه بالغباء، فعمر بن الخطاب هو من يوصف بالمؤسس الأهم لدولة المسلمين الأولى، وهو من حكم باقتدار عقداً كان عصر توسعٍ ذهبي، فهل يكون لسانه، بل ويده، منفلتين إلى هذا الحد؟

السياق والوقائع اللاحقة تشكك في تفاصيل الصورة المرسومة هنا لعمر. لاشك أن خلافاتٍ وقعت، ومنطقي أن سعد ابن عبادة رفض البيعة وأصر على موقفه متترساً بمكانته كرأس قبيلةٍ وصحابيٍ كبير، أما الرواية التي بايع فيها خانعاً ذلولاً ربما أراد من دبجها دعم ما أصبح المنظور السني المفضل لهذه الحقبة: الكلُ بايع سريعاً، فوحدة المسلمين تسحق أي اعتبارٍ آخر، لكنه في هذا يناقض المنطق في سياقٍ كان قبلياً وبقي على قبليته. وإن كان الغرض من عرض سلوك عمر ابن الخطاب بهذا القدر من الفظاظة تأكيدُ إعلائه وحدة الصف بأي ثمن، فالنتيجة سلبية، وإن كان الهدف إيذاء سيرته فالعقل واللغة يسائلان التفاصيل التي ما بين أيدينا. 

إرث الرسول وخلاف السيدة فاطمة والخليفة الأول: الرواية والدلالة (عند الشيعة الاثناعشرية):

الأسئلة نفسها تنسحب على المشهد الأساس في الكراهية الشيعية للخليفة الثاني، لا فقط لاعتدائه (المفترض) على السيدة فاطمة، بل أيضا لعداوته الشديدة، طبقاً للمصادر الشيعية، لزوج السيدة فاطمة الخليفة الرابع وإمام الشيعة الأول: علي ابن أبي طالب، وما يرتبط بذلك من تحالفه (أي عمر بن الخطاب) مع الخليفة الأول، وهو من يعتبره الشيعة أول من اغتصب حق عليٍ في خلافةِ الرسول. لكن عدا مسألة الخلافة، وقبل الوصول إلى علاقة عمر بعليٍ وفاطمة،  لابد من ذكر سببٍ رئيس للعداء الشيعي للخليفة الأول. يروي الطبري ( وغيره بنفس المعنى قبله وبعده): “أن فاطمة [بنت الرسول] والعباس [ابن عبد المطلب عم الرسول] أتيا أبابكر يطلبان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من [واحةِ] فَدَك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما أني سمعت رسول الله يقول: لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني والله لا أدعُ أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته … فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت، فدفنها عليٌ ليلاً، ولم يؤذِن بها أبا بكر [أي لم يُعلَم بجنازاتها]” وفي الرواية نفسها أن علياً لم يبايع أبا بكر، لا هو ولا كل بني هاشم، إلا بعد رحيل السيدة فاطمة بعد ستة أشهر من وفاة أبيها الرسول. كثرة الروايات وشهرتها تؤكد هذا الخلاف (مثلاً لا حصراً، كتاب طبقات ابن سعد، المتوفي 230 هجرية/ 845 ميلادية، السابق على الطبري بما يقارب القرن،  يورد نفس الواقعة بعدة روايات تتباين في التفاصيل لكنها تؤكد الواقعة).  لكن النظرة الشيعية، خاصة الاثناعشرية، إلى هذا الأمر ستختلف جذريا عن نظيرتها السنية.

هنا فاطمة ليست فقط ابنة الرسول وزوجة الإمام الأول وأم الثاني والثالث وجدة التسعة الباقين (عند الاثناعشرية)، بل هي واحدة من الأربعة عشر معصوماً: الرسول، السيدة فاطمة ثم الأئمة الاثني عشر، هي حاملةُ نور الله على الأرض، حسب ما يرد في كتب الإثناعشرية، الذي ورثته من أبيها وأورثته لوَلديها وأحفادها من الأئمة. مثلاً لا حصراً، يردُ نصٌ في أحد الكتب التي حررها أهم محدثي الشيعة الاثناعشرية، كتاب “الأمالي” لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460 هجرية/ 1067 ميلادية)  منسوب إلى الرسول:  “فاطمةٌ بضعة مني، من سرها قد سرني، و من ساءها فقد ساءني، فاطمة أعز البرية علي”؛ وهذا واحد من مئاتٍ بهذا المعنى.  من هذا المنظور؛  أيُ خلاف مع فاطمة، في الحد الأدنى،  مُشككٌ في إيمان الُمُختِلفِ معها (علماً أن كتب الحديث السنية، والتي لا ترتبط بعقيدة عصمة الأربعة عشر الاثناعشرية، بها نصوصٌ تقارب معنى هذا الحديث الذي أورده الطوسي، مثلاً في صحيح البخاري: “فاطمة بضعةٌ مني، فمن أغضبها أغضبني”، وفي صحيح مسلم نصوصٌ شديدةُ القرب من ذلك). 

عمر ، بيت فاطمة والبيعة عند الطبري: تباين الروايات والوحدة “المقدسة”.

حسب رواياتٍ يوردها الطبري، الخلافُ مع فاطمة يمتد لبيتها ويصطدم بزوجها، وهنا يبرز دور الخليفة الثاني.  في سقيفة بني ساعدة أراد بعض الأنصار مبايعة علي ابن أبي طالب لا أبا بكر، وبحسب المصدر نفسه من رواة الطبري، “أتى عمر بن الخطاب منزل علي [ابن أبي طالب، و من ثَم زوجته فاطمة]: وفيه طلحة [ابن عبيد الله] والزبير [ابن العوام] ورجالٌ من المهاجرين، فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة. فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف، فعثر فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه”. و في رواية عن مصدرٍ آخر يوردها الطبري أن علي والزبير تخلفوا عن البيعة، “واخترط الزبيرُ سيفه، وقال لا أغمده حتى يُبَايَع علي، فبلغ ذلك أبا بكرٍ وعمر، فقال عمر خذوا سيف الزبير، فاضريوا به الحجر [لإفساده] … فانطلق إليهم عمر ، فجاء بهما تعباً  [بصعوبة؟]، وقال لتبايعان وأنتما طائعان، أو لتبايعان وأنتما كارهان! فباياعا” (لاحظ الرواية  التي ذكرنا أعلاه التي تقول إن علي بن أبي طالب لم يبايع إلا بعد وفاة زوجته السيدة فاطمة بعد ستة أشهر من وفاة الرسول وبيعة أبي بكر، وأن البيعة هنا بالإكراه). اللافت هنا أن هاتين الروايتين (إن صحتا) تتحدثان عن تهديدٍ بالحرق (“أحرق عليكما”،  يُفهم منه أن المقصود هو دفع من داخل البيت للخروج)، ولا تذكران اقتحام البيت ناهيك عن إيذاء السيدة فاطمة جسدياً.

وكما في  أحداث السقيفة، هنا (أي في تاريخ الطبري) أيضاً روايةٌ تدعي أن الوحدة الفورية هي ما ساد: “كان عليٌ في بيته إذا أُتي فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميصٍ ما عليه إزارٌ ولا رداء [!]، عجِلاً، كراهية أن يبطئ عنها [أي عن البيعة]، حتى بايعه  [أي أبا بكر]. ثم جلس إليه وبعث ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه”.  الراوي نفسه (سيف ابن عمر بإسناده وصولاً لـ”سعيد ابن زيد”)  حين سؤل متى “بويع أبو بكر ؟” أجاب أن ذلك كان نفس يوم وفاة الرسول؛ لِمَ؟: “[لأنهم] كرهوا أن يبقوا بعض يومٍ وليسوا في جماعة”.  ثم سئُل الراوي الأصلي (سعيد ابن زيد) “فخالف عليه [أي أبوبكر] أحد؟ قال: لا، إلا مرتدٍ أو من قد كان يرتد”، ثم أنكر أن أياً من المهاجرين تخلف عن البيعة (بمعنىٍ آخر، كُلهم مؤمنون خُلّص، من ثَم كُلهم بايعوا، و “كرهوا أن يبقوا  [ولو] بعض يومٍ وليسوا في جماعة”). 

تعليق رضوان السيد في كتابه  “الأمة والجماعة والسلطة” على هذه الرواية يختصر الحقيقة ببلاغة: “نحن نعلم أن أبا بكر لم يُبايَع يوم وفاة رسول الله … ، لكن هذه كانت رغبة المهاجرين وبعض الأنصار خشية أن تنفض الجماعة، فصارت الرغبة تاريخاً”.   يُقدم المنَطق قرباناً لقداسة الوحدة: لاحظ كم هي مهينة الصورة التي بايع فيها علي بن أبي طالب؟ أي عقلٍ يقبل روايةٍ كهذه؟ لكن الأهم، عند بعض الرواة من حنكة الخليفة الثاني السياسية، أو هيبة الخليفة الرابع (في مجتمعٍ قبلي)، الاعتقادُ أنّ الصحابة “كرهوا أن يبقوا  [ولو] بعض يومٍ وليسوا في جماعة” ، وأن من يخالف الجماعة “مرتد”؛ ومن ثم تصبح البيعة بالإكراه، إن لم تأتِ طوعاً مطلوبة. تناقض هذا المنطق مع مفهوم الشورى، كيفما عُرف، ناهيك عن الديمقراطية الحديثة، لا يحتاج توضيحاً.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني