fbpx

عن صراعات جانبية في حديقة روسيا الخلفية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

السؤال الأبرز الذي يُطرح خلال الحرب في اوكرانيا، هل بدأت السطوة الروسية تضعف في الحديقة الخلفية للأمبراطورية؟

يقع إقليم باتكين في جنوب قرغيزستان، على الحدود مع أوزبكستان وطاجيكستان. في تلك المنطقة اندلعت في الفترة الأخيرة، معارك بين القوات القرغيزية والطاجيكية، أوقعت المئات من القتلى، ناهيك بآلاف النازحين.

ليست هذه المرة الأولى التي يتأجج فيها الصراع بين القرغيز والطاجيك، أو بين أحدهما والأوزبك، إن كان عبر الحدود، أو داخل الدول نفسها من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، حيث يستغل الكثير من السياسيين التعصب القومي الفجّ والعداء الصارخ بين الأكثريات والأقليات العرقية، فيما تشتعل المنافسة بين المزارعين الفقراء على مصادر الرزق من أراضي الزراعة والرعي، وطبعاً المياه.

الشرطي الروسي الذي يضبط الصراعات في هذه المنطقة الحساسة استراتيجياً، التي تلعب في الوقت ذاته دور الواصل بين شطري أوراسيا، والفاصل بين شمال آسيا وجنوبها، هذا الشرطي (الذي يملك قواعد عسكرية في البلدين) غارق في الحرب في أوكرانيا، ولا يملك وقتاً لأكثر من مطالبة الطرفين بضبط النفس، كما يحدث أيضاً في الصراع بين آذربيجان وأرمينيا.

إذا كتبتم Batken على Google Maps، وألقيتم نظرة على خط الحدود القرغيزية- الأوزبكية، والقرغيزية-الطاجيكية، سترون وضعاً فريداً من نوعه في العالم!

هناك أربع مناطق داخل قرغيزستان تتبع لأوزبكستان:

جاني أييل، ولا تتجاوز مساحتها ثلاثة كيلومترات مربعة،

ثم شون قره، 9 كلم2،

شوهيمردون، 90 كلم2،

أما أكبرها، فهي سوخ، 350 كلم2،

والطريف أن سوخ تتبع لأوزبكستان، لكن 99 في المئة من سكانها (50 ألفاً) هم من الطاجيك!

وهناك منطقتان داخل إقليم باتكن تتبعان لطاجيكستان:

فوروخ، 97 كلم2،

ولولازور الصغيرة جداً،

هذا الوضع الغريب يعود الى عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته، حين قسم المسؤولون السوفيات آسيا الوسطى ورسموا حدودها قبل أن يشكّلوا جمهوريات انضمت إلى الاتحاد السوفياتي عام 1936.

ومن المرجح أن تستمر هذه الصراعات، ويزيدها حدة التغيّر المناخي، الذي يؤدي إلى تراجع المتساقطات والمخزون المائي في سلسلة جبال تيان شان (تغطي 80 في المئة من قرغيزستان) وجبال آلاي- بامير.

وتضغط العقوبات المفروضة على روسيا على اقتصاد هذه الدول، فهناك بين أربعة وثمانية ملايين مهاجر من الطاجيك والأوزبك والقرغيز والكازاخ في روسيا، يعيش معظمهم في ظروف سيئة، ويمارسون الأعمال اليدوية كالطبخ والتنظيف وقطف المحاصيل. وفيما تشكّل تحويلات المهاجرين 30 في المئة تقريباً من الدخل القومي، في كل من قرغيزستان وطاجيكستان، فكثر منهم فقدوا عملهم بسبب إغلاق شركات روسية لأبوابها نتيجة العقوبات والوضع الاقتصادي. كما أوقفت أوزبكستان التعامل ببطاقة مير للدفع، التي أصدرها المصرف المركزي الروسي بعد انسحاب شركات فيزا وماستركارد الأميركية وUnionPay الصينية من السوق الروسي. علّلت أوزبكستان ذلك بأسباب تقنية، ولكن مصارف في أرمينيا وكازاخستان وطاجيكستان أوقفت أيضاً العمل بهذه البطاقة، بعد تحذيرات أميركية.

أما السؤال الأبرز الذي يُطرح خلال الحرب في اوكرانيا، هل بدأت السطوة الروسية تضعف في الحديقة الخلفية للأمبراطورية؟

كان آخر تدخل عسكري روسي قبيل الهجوم على أوكرانيا، في كازاخستان في كانون الثاني (يناير) 2022، إثر الاضطرابات التي هدّدت حكم الرئيس قاسم جومارت توقايف. 

ولكن الرئيس الكازاخستاني قال في مدينة سان بطرسبرغ الروسية في حزيران/ يونيو، إن بلاده لن تعترف أبداً بجمهوريتي دونتسك ولوهانسك الشعبيتين الانفصاليتين في أوكرانيا. رداً على ذلك، كتب الرئيس الروسي السابق، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي الحال، ديميتري ميدفيديف، على وسائل التواصل الاجتماعي إن كازاخستان “دولة مصطنعة”. تم محو المنشور سريعاً، فيما قال ميدفيديف إنه تم اختراق حسابه!

وشدّدت كازاخستان خلال “الاستفتاء” على ضم المناطق الأوكرانية الأربع الى الاتحاد الروسي، على ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وفق القانون الدولي. هو موقف مبدئي صحيح، ولكن هل يخاف الكازاخ أن “ترغب” السلطات الروسية بضم شمال البلاد الى الاتحاد الروسي، إذ يعيش في هذه المناطق الجزء الأكبر من الأقلية الروسية في كازاخستان؟ (انخفضت نسبة هذه الأقلية من 40 في المئة من السكان قبل انهيار الاتحاد السوفياتي إلى أقل من 20 في المئة حالياً) وقد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تيليغرام، فيديوهات لمواطنين كازاخ، يواجهون سياحاً من روسيا، أتوا بسيارات وحافلات عليها شعار Z، طالبين منهم نزع هذا الشعار أو العودة من حيث أتوا، مرددين شعارات مؤيدة لأوكرانيا وقائلين “اليوم تهاجمون أوكرانيا وغداً قد تهاجموننا”.

في كل حال، يواصل النظام في كازاخستان تمايزه عن “الأخ الأكبر” الروسي، وتؤكد الحكومة التزامها بمراقبة تطبيق الشركات الكازاخية للعقوبات على روسيا، لا بل تعرض نفطها على الأوروبيين بديلاً عن النفط الروسي. طبعاً هذا الأمر أغضب موسكو، وفيما تمرّ معظم صادرات النفط الكازاخي عبر خط أنابيب روسي نحو البحر الأسود، فقد أصدر القضاء الروسي في تموز / يوليو قراراً بوقف ضخ الصادرات عبر هذا الخط، قبل أن يُلغى القرار في محكمة الاستئناف. إذاً التهديد قائم، لذا أمر الرئيس الكازاخي حكومته بتنويع نقاط تصدير النفط، وتم ابرام اتفاق مع أذربيجان لإنشاء خط أنابيب تحت بحر قزوين يصل الى باكو، ومنها الى جورجيا فأوروبا، دون المرور عبر روسيا، ولكن حتى جهوز خط الأنابيب، سيتم شحن النفط في ناقلات صغيرة تعبر بحر قزوين الى باكو، ومن هناك يُضخ في الأنابيب.

ومنذ تقاطر الروس الى كازاخستان إثر إعلان التعبئة الجزئية، حيث بإمكانهم الدخول بواسطة بطاقاتهم الشخصية فقط، دون الحاجة لجواز سفر، أوعز الرئيس قاسم جومارت توقايف باستقبال هؤلاء “اللاجئين” ومساعدتهم، كما طلب من قوات الأمن عدم تسليم أي مواطن روسي في حال طالبت به السلطات الروسية، إذا لم يخالف القوانين الكازاخستانية، وكذلك قالت الحكومة الأوزبكية إنها لن تسلّم أي روسي يلجأ الى أراضيها. وفي نفس الوقت، حذّرت كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان مواطنيها، خاصة المهاجرين في روسيا، من مغبّة التطوع في الجيش الروسي للقتال في أوكرانيا طمعاً بالحصول على الجنسية الروسية، كما وعد فلاديمير بوتين كل متطوع أجنبي.

وعلى مقربة من جمهوريات آسيا الوسطى، توافد الآلاف من الروس، بخاصة من سكان الشرق الأقصى السيبيري، الى جمهورية منغوليا، هرباً من الخدمة العسكرية، وفي أواخر شهر أيلول/ سبتمبر، أمر الرئيس المنغولي بمنح من يرغب منهم إقامات، أما الرئيس المنغولي السابق، فقد اتهم سلطات موسكو، باستخدام الأقليات ذات الأصول المنغولية والتركية في الاتحاد الروسي كوقود للحرب، ومقتل الآلاف منهم في أوكرانيا، مثل البوريات والتوفان، من سكان جمهوريتي بورياتيا وتوفا، المتاخمتَين للحدود مع منغوليا، إضافة إلى القلميق، سكان جمهورية قلميقيا، وهم بالمناسبة الشعب الوحيد الذي يدين بالبوذية في القارة الأوروبية.

مَن كان يتخيّل مواقف كهذه من منغوليا، التي حين كانت جمهورية ديمقراطية شعبية، طالب قادتها بالانضمام إلى الاتحاد السوفياتي كجمهوريته السادسة عشرة، لكن القادة السوفيات رفضوا، لإبقاء منغوليا عازلاً بينهم وبين الصين.

وسط  هذا كله، لا بد من التذكير بأن أوزبكستان ستستكمل مطلع عام 2023 انتقالها من استخدام الأحرف السيريلية (الروسية) في كتابة اللغة الأوزبكية إلى الأحرف اللاتينية، كذلك تحث كازاخستان الخطى نحو هذا الانتقال، وهدفها إتمامه في عام 2025 تقريباً، وتتبعها قرغيزستان، فيما تستخدم تركمنستان الأحرف اللاتينية منذ استقلالها عام 1991.

هذه الدول الأربع تنتمي لغاتها الى عائلة اللغات التركية، فيما تستمر طاجيكستان باستخدام الأحرف السيريلية، ولغتها من اللغات الإيرانية.

إذا كان للحرب في أوكرانيا أثرها على سياسات واقتصادات دول وسط آسيا، فإن الانتقال إلى الأحرف اللاتينية، سيساهم في المزيد من إضعاف التأثير الروسي، وتقوية نفوذ تركيا، في منطقة دخلتها الأمبراطورية الروسية فاتحة في أواسط القرن التاسع عشر، وأحدثت فيها تغييرات تاريخية. 

إقرأوا أيضاً: