خديجة بنت خويلد: عنوان جديد لانقسام الشارع الفرنسي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

خديجة بنت خويلد كانت من بين الأسماء التي اعتمدتها البلدية بعد استطلاع آراء السكان، حيث تم التعريف عنها في اللافتة المؤقتة كتاجرة كبيرة في القرن السابع ميلادي والزوجة الأولى للنبي محمد.  

عملية تسمية الشوارع في فرنسا ليست بالأمر العشوائي، إذ تدرك السلطات المحلية أن المسألة تتعدى استحداث عناوين بريدية وعليه تخضع العملية لمعايير وضوابط. 

إطلاق اسم شخصية ما على هذا الشارع أو تلك الساحة يعد مساهمة في كتابة تاريخ المدينة وتاريخ فرنسا وترجمة للقيم الجمهورية. أن يحمل مكان عام اسم سياسي/ سياسية أو مبدع/ مبدعة يعد نوعاَ من تخليد ذكراه/ ذكراها واعترافاً بقيمته/ بقيمتها المضافة. وعليه تمتنع البلديات الفرنسية، مثلاً، عن إطلاق اسم أدولف هتلر على أي من أماكنها العامة. 

بلدية ستان، الواقعة في الضواحي الشمالية للعاصمة باريس، أطلقت في الفترة الأخيرة مشروعاً حمل عنوان “مكان للنساء”. مبادرة رمزية قوامها إطلاق أسماء عدد من النساء على شوارع المدينة لفترة موقتة ومن دون تغيير اسم الشارع أو استبدال اللافتة الأصلية.  

خديجة بنت خويلد كانت من بين الأسماء التي اعتمدتها البلدية بعد استطلاع آراء السكان، حيث تم التعريف عنها في اللافتة المؤقتة كتاجرة كبيرة في القرن السابع ميلادي والزوجة الأولى للنبي محمد.  

اسمها، دون غيره، أثار حفيظة أنصار اليمين المتطرف ليلجأوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن معارضتهم حتى وصل الأمر ببعضهم لإبداء خشيته من عملية اقتلاع فرنسا من جذورها وثقافتها الكاثوليكية، فيما طالب آخرون بالتدخل باسم العلمانية

عملية تسمية الشوارع في فرنسا ليست بالأمر العشوائي، إذ تدرك السلطات المحلية أن المسألة تتعدى استحداث عناوين بريدية وعليه تخضع العملية لمعايير وضوابط. 

المفارقة أن إطلاق اسم الأم تيريزا على أحد شوارع ستان، في إطار المشروع ذاته، لم يثر أي استياء رغم هويتها الدينية المعروفة، ما يشير إلى أن البلبلة الحاصلة ليست سوى فصل من فصول الجدل الداخلي حول الدور الذي يحتله المسلمون داخل المجتمع الفرنسي. 

إطلاق اسم شخصية ذات حضور في التاريخ الإسلامي يعد، من وجهة نظر المنتقدين، تغلغلا للثقافة الإسلامية في فرنسا وهو ما عبر عنه المرشح السابق للانتخابات الرئاسية، اريك زمور، في إحدى تغريداته عندما ربط بين مبادرة بلدية ستان ونظرية الاستبدال الكبير. 

زمور المعروف بعنصريته وميوله اليمينية المتطرفة يعد من أبرز المروجين لهذه النظرية التي “ابتدعها” الكاتب رينو كامو جهة حقوقية تتهم نظام الأسد باعتقال فلسطينيين نجوا من غرق القارب

عام 2010. من خلالها، اعتبر كامو أن هناك عملية ممنهجة تهدف إلى استبدال سكان فرنسا “الأصليين” بآخرين من أصول أفريقية ومغاربية، ما يؤدي حكماً إلى تغيير حضارة البلاد وثقافتها، وفقاً لكامو. ويتابع كامو أن العملية المذكورة تحظى بدعم النخب السياسية والثقافية والإعلامية الفرنسية، في ما يشبه المؤامرة.  

وفقاً لزمور، تتوفر جميع أركان نظرية “الاستبدال الكبير” في ما أقدمت عليه بلدية ستان: أولاً لم يرتبط اسم خديجة بتاريخ فرنسا، ثانياً سكان المدينة هم من رشحوا اسمها الذي تبناه المجلس البلدي، أي جهة ذات سلطة محلية. على خط مواز لم يتردد مغردون في التذكير بأصول رئيس المجلس البلدي وأعضائه في ستان في إشارة منهم إلى أن هذه الخطوة اتخذها أناس من “غير الفرنسيين”. 

من جانب آخر، بدا واضحاً أن “السخط” ليس مرتبطاً بشخص خديجة إذ لم نجد أي تغريدة تحمل مقاربة نقدية لسيرتها الذاتية. يتلخص “نبذها” في كونها إحدى زوجات النبي، أي ارتباط اسمها بتاريخ وعقيدة تراها شريحة من الفرنسيين مصدر تهديد، بعد تعرض فرنسا لسلسلة من العمليات الإرهابية خلال السنوات الماضية. 

إقرأوا أيضاً:

المجلس البلدي لستان وصف في بيان الحملة التي استهدفته بالفاشية، بخاصة لتزامنها مع اليوم العالمي للسلام. ولم يتردد البيان في التذكير بذكورية اريك زمور واحتقاره النساء وبالملاحقات القضائية التي تعرض لها بسبب خطابه الذي يحض على الكراهية.

ودافع البيان عن مشروع “مكان للنساء”، ليختم بضرورة وضع حد للإفلات من المحاسبة، فهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها المجلس البلدي لستان إلى حملة “إسلاموفوبية”، بعدما تمكن عدد غير قليل من ذوي الأصول العربية من الفوز في الانتخابات الأخيرة والدخول إلى المجلس البلدي. عضوية ينظر إليها البعض كدليل على نجاح سياسة الاندماج فيما يعتبرها اليمينيون المتطرفون تأكيدا على نظرية الاستبدال الكبير. 

ما حصل مع بلدية ستان ليس سابقة ولو اختلفت الصورة: قبل ثلاث سنوات تمنى الرئيس إيمانويل ماكرون تخليد ذكرى جنود المستعمرات الفرنسية الذين ساهموا في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، إبان الحرب العالمية الثانية، عبر تسمية شوارع بأسمائهم. قوبل كلامه في حينها بموجة انتقادات حادة، فمثل هذه الخطوة تعني اعترافاً غير رسمي بفضل المستعمرات على فرنسا. 

اعتراض دل على رفض شريحة من الرأي العام الفرنسي مراجعة تاريخ بلادهم واعتماد الحقيقة التاريخية روايةً رسمية، ما يؤكد الأبعاد السياسية التي تنطوي عليها عملية تسمية الشوارع الفرنسية، لا سيما لناحية دفع البلاد للتصالح مع حاضرها وماضيها.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

مجتمع التحقق العربي
يستخدم مؤيدو القوى العراقية الشيعية مجموعات “فايسبوك” وتطبيق “تليغرام” في حشد الأنصار للمشاركة في الأحداث على الأرض وأيضاً من أجل الحملات الإلكترونية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني