fbpx

بين اللبنانيين والسوريين والعراقيين
تلازم مسار ومصير على متن … الـ”توك توك” 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“أصبحت الـ”تكاتك” رائجة في القرى، نظراً لتعدّد استعمالاتها، من النقل إلى توصيل البضائع بكلفة قليلة. كما أنها أصبحت باباً للاستثمار بفضل تأجيرها والتعاقد مع مؤسّسات عديدة لنقل موظفيها وبضائعها”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

الـ”توكتوك”، تلك العربات ذات العجلات الثلاث والمحرّك الصغير، التي يحار الناظر إليها في تصنيفها – أهي سيارة أم درّاجة؟ –  والتي تتّسع في داخلها لراكبين بالحدّ الأدنى، وأحياناً لثلاثة يجلسون على مقعد خلف السائق، باتت تجوب الطرقات والأزقّة بكثافة غير مألوفة في السابق، أي قبل تحكّم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الخانقة بمصائر الناس، من مقيمين ولاجئين، في لبنان. ها هي تحتلّ مقدّمة وسائل النقل وواجهة مشهد السير عموماً، إذ تلقى رواجاً في الأوساط الشعبية الفقيرة والمتوسطة الحال، بما أنها تُستخدم كبديل عن سيارات الأجرة في المشاوير القريبة نظراً للكلفة الزهيدة نسبياً التي يفرضها مشغِّلوها وسائقوها على راكبيها، مقارنةً بأسعار النقل على متن المركبات العمومية والباصات التقليدية.

الـ”توكتوك“، تلك العربات ذات العجلات الثلاث والمحرّك الصغير، التي يحار الناظر إليها في تصنيفها – أهي سيارة أم درّاجة؟

وسيلة نقل تاريخية

الأسم الأصلي للـ”توك توك” هو “auto rickshaw” (أوتو ريكشو) كما هو متعارف على تسميتها في بلدان آسيا من الهند إلى اليابان وكمبوديا وفيتنام وسريلانكا وسواها من المناطق. يعود أصلها إلى عربات قديمة ساد استخدامها في العصور الوسطى، كانت تتألّف من عجلتين ومقعد خلفي، ومزوّدة بخشبتين يمسك بهما شخص فيجرّها ناقلاً الأفراد كما البضائع.

انتقلت وسيلة النقل هذه عبر الجغرافية والتاريخ لتصل إلى إيطاليا: في عام 1940، عمد مهندس من شركة “vespa” المشهورة في صناعة الدرّاجات النارية، إلى إضافة عجلة ثالثة للدرّاجة التقليدية لتصبح عربة صغيرة أطلق عليها إسم “vespa ape” أي “النحلة” للدلالة على سرعتها وفعاليتها.

شكلها المميّز وكلفة صيانتها الرخيصة ومعدّل صرفها القليل للوقود… عوامل كانت كفيلة بضمان انتشارها على نطاق واسع في العالم. والفضل لمهندسين هنود من شركة “bajaj” نالوا ترخيصاً من شركة “vespa” من أجل تصنيع هذه العربة في بلادهم. ومن الهند إلى جنوب آسيا وغربها، ليصل المطاف بالـ”توك توك” إلى مصر والسودان في بداية تسعينيات القرن الماضي، وإلى العراق في بداية عام 2018، وبعدها إلى لبنان مع تفاقم الوضع المعيشي عام 2020. وفي لبنان، كانت خط انطلاق الـ”توك توك” بالتحديد من … منطقة برّ الياس.

“خط دفاع معيشي” على جبهة الفقر 

… وكأنّها كتائب مسيّرة تجوب الطرقات، مدجّجة بالركّاب والأمتعة والبضائع على أنواعها. فكيفما نظرت في أنحاء البقاع هذه الأيام، لا بدّ أن تطالعك عربة، بل عربات “توك توك” في  مشهد لم يكن مألوفاً قبل ثلاثة أعوام فقط. إلّا أنّ الظروف الاقتصادية الصعبة فرضته بقوّة، فتحوّل استخدام الـ”توك توك” كوسيلة نقل واستثمارها كمصدر دخل، إلى “خط دفاع معيشي” و”مصدر رزق أساسي” لقسم كبير من الشباب اللبناني والسوري على حدّ سواء، بما أنّ نار الغلاء تكوي الجميع والقلّة لا تستثني أحداً.

يقول شادي أيوب، وهو شاب لبناني من البقاع، إنه استأجر عربة “توك توك” بهدف تشغيلها كسيارة أجرة، ينقل على متنها الأفراد لقضاء حاجاتهم اليومية والموظفين إلى أعمالهم، في نطاق القرى المحاذية لبلدته، لقاء كلفة تناسب دخلهم من جهة، وتؤمّن له مالاً يسيراً من جهة أخرى. ويشير شادي إلى أنّ وسيلة النقل هذه “أوفر من التاكسي أو السيارات الخاصة، وأكثر أماناً” برأيه. كما يعتبر أنّ العامل الأساسي لرواج ظاهرة الـ”توك توك” وبلوغ عمله مستويات جّيدة، إن لم تكن قياسية، في الآونة الأخيرة، هو تدنّي الأسعار المترتبة على المستخدِمين، الأمر الذي يحفّزهم، قبل أي شيء آخر، على ركوب عربته. 

ويبدي شادي تمسّكاً كبيراً بقيادته للـ”توك توك” كونها أمّنت له مشروع عمل فردياً مستقلاً تغيب عنه السلطة الإدارية والتوجيهات الفوقية، كما يضمن له دخلاً مادياً جيداً مقارنةً مع مهن أخرى كثيرة مضنية وغير مربحة، في ظل الأزمة الاقتصادية السائدة راهناً في لبنان.

من جهته، يقول أحمد، وهو من الجنسية السورية، إنه يعتبر الـ”توك توك” مشروع استثمار شخصي غيّر حياته، بعد أن كان، طوال سنوات، عامل بناء لا يكفيه راتبه الشهري أسبوعاً واحداً للعيش هو وعائلته. أمّا الآن، فهو يجني مبلغاً مقبولاً من عمله الجديد، حتى أنه في بعض الأحيان، عندما تبلغ اتصالات الزبائن به ذروتها، فيزداد ضغط الطلبات عليه، يتواصل مع شادي كي يساعده في إيصال الركّاب إلى الجهات التي يودّون الوصول إليها، فيتقاسمان الأرباح في ما بينهما.

يخوض محمود في تفاصيل إضافية تبيّن مدى استفادته من عمله سائقاً للـ”توك توك”، فيذكر أنّ الـ”توك توك” يؤمّن له دخلاً يتراوح ما بين 200 ألف ليرة لبنانية و400 ألف ليرة لبنانية يومياً. وبرأيه، إنّ هذا الرقم مقبول لإعالة أسرته، مشيراً إلى أنّ التكلفة التي يدفعها لقاء البنزين والزيوت وصيانة العربة، لا تتجاوز الـ 200 آلاف ليرة يومياً، علماً أنّ الـ “توك توك” المزوّدة بـ 20 ليتراً من مادة البنزين، تسير حوالي 750 كيلومتراً، وهو معدّل صرف لا منافس له. 

ويضيف محمود: “أصبحت الـ”تكاتك” رائجة في القرى، نظراً لتعدّد استعمالاتها، من النقل إلى توصيل البضائع بكلفة قليلة. كما أنها أصبحت باباً للاستثمار بفضل تأجيرها والتعاقد مع مؤسّسات عديدة لنقل موظفيها وبضائعها”.

أمّا مراد، الشاب البقاعي، فيشرح وضعه قائلاً: “بعت سيارتي ذات الدفع الرباعي واشتريت بثمنها ثلاث عربات “توك توك”. أعمل أنا على واحدة، وقمت بتأجير العربتين الأخريين لشابين من الجنسية السورية مقابل 150 ألف ليرة في اليوم للـ”توك توك” الواحد. وهذا ما جعلنا، نحن الثلاثة، نعمل بشكل جيّد ونساعد بعضنا البعض في إيصال الطلبات. وفي بعض الأحيان، نتساعد في إصلاح إحدى هذه الـ”تكاتك”في حال تعرّضها لأي ضرر أو مشكلة.” 

ويشير مراد إلى أنّ المشكلة الكبرى قانونية وتتمثّل بتسجيل آلية الـ”توك توك” في مصلحة تسجيل السيارات، فلا قوانين ترعى عملها على الأراضي اللبنانية بسبب ندرتها في السابق. أمّا حالياً، فيتمّ التعامل معها كدرّاجة، وبالتالي لا يحقّ لصاحبها أن يستعملها لنقل الركّاب تحديداً، أو للنقل بشكل عام، ما يجعل استخدامها كوسيلة للعمل في هذه المجالات أمراً غير قانوني. وهي حجّة رفعها أصحاب الحافلات وسيارات الأجرة الذين رأوا في الـ”توك توك” “منافسة غير شريفة”، للاعتراض على استخدامها على نطاق عام. 

استخدامات عديدة

لقد شاركت هذه الآلية الصغيرة في التظاهرات العراقية عام 2019 وأطلقت عليها تسمية “توك توك الإسعاف” إذ ساهم سائقوها في نقل المصابين، من دون مقابل، إلى أقرب مكان لتلقّي العلاج، خصوصاً أنّه لا يمكن للسيارات العادية أن تخترق حشود المتظاهرين. كما كان أصحابها يوفرون الأغطية والطعام وبقية الخدمات للمتظاهرين. وكما في لبنان اليوم، يمثّل سائقو هذه العربات أبناء الطبقة الفقيرة، بل المعدمة، من المجتمع العراقي، وأيضاً أولئك الذين لم يتمكّنوا من الحصول على وظيفة بعد تخرّجهم. وازداد تعاطف الرأي العام معهم، خصوصاً أنهم تخلّوا عن بحثهم عن لقمة العيش كي يساهموا في إنقاذ الجرحى والمصابين في الساحات، وتعرّضوا للاختناق بالغازات المسيلة للدموع وحتى للموت، فتجاوز عدد القتلى في صفوفهم 200 قتيل.

لم يصل الأمر في لبنان إلى حدّ تحوّل الـ”توك توك”، كما في العراق، إلى رمز للثورة بعد دخول نواب مقرّبين من أحزاب منبثقة عن الاحتجاجات الشعبية إلى مبنى البرلمان العراقي مستقلّين عربات الـ”توك توك”. إنجازٌ من نوع آخر حقّقته آلية الـ”توك توك” في لبنان. لقد جمعت مسار ومصير لبنانيين وسوريين في سعيهم المشترك لتحسين ظروف عيشهم واستطلاع آفاق مصير أفضل.