fbpx

اختبار القدرة على البقاء من دون اتفاق نووي
على ماذا تراهن إيران؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إيران ستواصل استراتيجيتها في تعزيز أوراق الضغط، بما في ذلك تخفيض الالتزامات النووية، واختبار القدرة على البقاء من دون الاتفاق النووي.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

إثر إعلان السلطات الإيرانية إعدام نائب وزير الدفاع الإيراني، علي رضا أكبري، والذي يحمل الجنسية البريطانية، عاودت بريطانيا النظر في الملف النووي، وفي علاقتها بطهران. 

يبدو أنّ الملفات بين لندن وطهران ستكون قيد المراجعة، إذ استُدعي السفير البريطاني في إيران موقتاً إلى المملكة المتحدة لمراجعة سياسات التعامل مع النظام الإيراني. 

وتحدث وزير الخارجية البريطاني، جيمس كليفرلي، عن مجموعة إجراءات لمواجهة إعدام رضا أكبري، منها العقوبات التي ذكر أنّها تؤكد عزم بريطانيا على محاسبة طهران لـ”انتهاكاتها المروّعة لحقوق الإنسان”. فضلاً عن تصنيف الحرس الثوري ضمن المنظمات الإرهابية، وهي الخطوة التي تتوقّعها صحيفة “تلغراف” البريطانية.

في المقابل، طالبت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، أليسيا كيرنز، الحكومة برفع السرية وتبادل المزيد من المعلومات الاستخبارية في شأن نشاطات إيران “المشبوهة”. ثم إغلاق المنظمات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في بريطانيا.

ومع استمرار الاحتجاجات في طهران منذ أشهر بعد مقتل الفتاة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، فإنّ هناك نذر صدام تتصاعد وتيرته بين الغرب وإيران. وعلى رغم تفاؤل بريطانيا بمفاوضات إحياء الاتفاق النووي، حتى بعد ظهور المسيرات الإيرانية في الحرب على أوكرانيا، واصطفاف إيران مع روسيا، إلا أنّ دول أوروبا تراجع حساباتها، السياسية والبراغماتية، تجاه عملية إحياء الاتفاق النووي، بخاصة بعد وتيرة القمع غير المسبوقة، وتنفيذ الإعدامات بحق المتظاهرين. 

إثر إعلان السلطات الإيرانية إعدام نائب وزير الدفاع الإيراني، علي رضا أكبري، والذي يحمل الجنسية البريطانية، عاودت بريطانيا النظر في الملف النووي، وفي علاقتها بطهران.

بريطانيا، التي تعد لاعباً أساسياً في مفاوضات فيينا، تستبعد، راهناً، خياراتها السابقة في شأن إحياء الاتفاق النووي. وهناك اصطفاف غربي في الاتجاه ذاته، مع توسيع نطاق العقوبات التي طاولت المدعي العام الإيراني، محمد جعفر منتظري.

وثمّة مراجعة لافتة لمواقف الدول الغربية من الاتفاق النووي منذ الحرب الروسية- الأوكرانية، التي تؤشر إلى تحولات جيوسياسية جمّة، يعاد على إثرها تشكيل قمة العالم، حيث أنّ اصطفاف موسكو وإيران من خلال ظهور المسيرات الإيرانية في الحرب على كييف، جعل الطرف الأوروبي يراجع مقارباته المرنة في شأن نووي إيران، والتي كانت أقل تشدداً من واشنطن. 

وقد سرّعت الحرب الروسية- الأوكرانية بتأزيم الوضع في شأن المفاوضات النووية بعد الإشارات المتكررة بوجود انفراجة مرتقبة والتوقيع على اتفاق نهائي. فمع اندلاع الحرب، غادر كبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقري كني، العاصمة النمساوية، فيينا، التي تقام فيها المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران لإحياء الاتفاق النووي. فيما نفى المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران، روبرت مالي، وجود أيّ تسوية أو اتفاق وشيك.

إخفاق خطة أو خارطة الطريق الأوروبية التي شكلت انفراجة، موقتة، حول الملف النووي، تفاقمها الاحتجاجات الإيرانية والوضع المحلي المأزوم، تحديداً بعد مقتل مهسا أميني. 

ومع هذا المستوى من الصراع المحتدم، أعلنت الإدارة الأميركية خروج الاتفاق النووي من نطاق أولوياتها، الأمر الذي تزامن مع تصريحات أخرى في شأن احتمالية الخيار العسكري، وتخلّي الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن عن الإطار الديبلوماسي. وبينما كان المبدأ الأخير سبباً في خلافات عنيفة وغير مسبوقة بين واشنطن وتل أبيب، تحديداً في فترة رئيس الحكومة الإسرائيلي نفتالي بينيت، فإنّ الطرفين نفذا أكبر المناورات الجوية العسكرية فوق البحر الأبيض وإسرائيل لمحاكاة ضربات جوية لمواقع نووية إيرانية، نهاية العام الماضي.

وما بين المواجهة الخشنة أو المماطلة في المفاوضات أو التوصّل إلى مقاربة مرنة سياسية وديبلوماسية، يقف النظام الإيراني أمام خيارات محدودة للغاية في شأن الخروج من هذه المعضلة وإنهاء العقوبات الأميركية والأوروبية. مع الأخذ في الاعتبار أنّ بايدن (خصوصاً بعد انتخابات التجديد النصفي والفوز الباهت للجمهوريين بما يعطي هامش مناورة لإدارة بايدن في ملف إيران)، لا يزال يرى أنّ لا بديل لمنع طهران من امتلاك قنبلة نووية سوى بإحياء الاتفاق النووي. والأمر كذلك بالنسبة الى إيران لناحية رفع العقوبات. ففي الحالتين لا بدائل واضحة. 

إذاً، يمكن اعتبار الاحتجاجات الإيرانية وتزامنها مع الانخراط العسكري لإيران في الحرب إلى جانب موسكو ضد كييف، لحظة تحوّل قصوى في المواقف الغربية والأميركية تجاه الملف النووي. ومن ثم، فرضت هذه المستجدات، المحلية والخارجية، جملة شروط واستراتيجيات مختلفة للتعاطي مع إيران. فقد اتهمت واشنطن النظام في طهران بـ”جرائم حرب واسعة النطاق” في أوكرانيا.

وقال نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، إنّ “النظام الإيراني قضى بسرعة على احتمال العودة السريعة إلى الاتفاق النووي. إن العودة إلى ذلك الاتفاق ليست على جدول أعمالنا الآن لأن النظام الإيراني أدار ظهره له، ونكث بالتزاماته السابقة”.

ولمّح برايس إلى أنّ الإدارة الأميركية تركز سياساتها “أولاً وقبل كل شيء، على ما يمكننا القيام به لدعم الشعب الإيراني الشجاع الذي يخرج إلى الشوارع في جميع أنحاء إيران”.

بيد أن جايك ساليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن، ذكر آليات الإدارة الأميركية والغربية لمواجهة سلوك إيران الإقليمي، مشيراً إلى أنّ “العقوبات الأميركية والأوروبية ستجعل تصدير الأسلحة أكثر صعوبة، لكن الطريقة اليدوية التي يستخدمونها لتسليم الأسلحة تجعل من اعتراضها الفعلي تحدياً حقيقياً. لكننا لن نترك وسيلة لتعطيل هذا النوع من التعاون العسكري المستمر، والاستمرار في زيادة تكلفته على إيران”.

وعرّج ساليفان على الممارسات الوحشية التي تمارسها طهران ضد المتظاهرين، والتي اعتبرها “مثالاً على وحشية الحكم في إيران الذي يسحق كرامة شعبه وحريته وحياته”. وأردف: “قتل المحتجين السلميين أمر بغيض، سنواصل التصدي للفاعلين ومعاقبتهم، إضافة إلى دعم الإيرانيين”.

ولم يشهد الملف النووي تطورات تُذكر منذ اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية، إلا مع قمة بغداد 2 الأخيرة في العاصمة الأردنية عمّان. وعلى هامش القمة، أعلن وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، عزم طهران “اختتام مفاوضات فيينا على أساس مسودة حزمة التفاوض”، وذلك بعدما التقى الممثل الأعلى للاتحاد الاوروبي، جوزيب بوريل.

غير أنّ منسق الاتصالات الاستراتيجية لمجلس الأمن الدولي في البيت الأبيض، جون كيربي، قال: “لا نتوقع التوصل إلى اتفاق في أي وقت قريب”.

وتضاعف إدارة بايدن حزمة العقوبات على طهران، لا سيّما بعد موجة الاحتجاجات المندلعة منذ وفاة الفتاة الكردية- الإيرانية على يد “شرطة الأخلاق”. وقد طاولت العقوبات القطاعات والأفراد والشركات داخل إيران، إضافة إلى الجهات المتعاونة مع النظام الإيراني في الخارج، والميليشيات التابعة لها. ومن القطاعات التي تعرضت للعقوبات الأميركية، النفط والبتروكيماويات. فضلاً عن الأجهزة والمؤسسات التي تتعاون مع موسكو، عسكرياً، وتحديداً في ما يخص المسيرات الإيرانية. 

وشملت العقوبات الأفراد والكيانات المتورّطة في قمع الاحتجاجات، ومنهم وزير الداخلية الإيراني، أحمد وحيدي، ووزير الاتصالات الإيراني، عيسى زارع بور، فضلاً عن خمسة من كبار قادة الأجهزة الأمنية الإيرانية على خلفية تورّطهم في ممارسات قمعية، وحظر الوصول إلى الإنترنت في إيران.

كما أُدرجت ثلاثة كيانات إيرانية على لائحة العقوبات، نهاية العام الماضي. وهي: القوة الجو- فضائية للحرس الثوري الإسلامي، وشركة القدس لصناعة الطيران التي تصنع طائرة مهاجر-6 المسيرة، ومركز شاهد لأبحاث صناعة الطيران.

وزعم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، أنّ الولايات المتحدة تقوم بمحاولات فاشلة لتكرار التاريخ وعمل نسخة إيرانية من الربيع العربي الذي شهد احتجاجات في عواصم عربية عدة عام 2011. ثم صرح المرشد الإيراني بعد ذلك، بأنّ “التفاوض مع الولايات المتحدة لن ينهي الاضطرابات التي تشهدها البلاد، وأنّ الولايات المتحدة ستطالب دائماً بالمزيد، لأنّها تسعى إلى إفشال الثورة”.

وعليه، صعّدت إيران موقفها من خلال الإعلان عن صاروخ جديد يحمل أقماراً صناعية، في خطوة اعتبرتها واشنطن “غير مفيدة ومزعزعة للاستقرار”، وفق الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، محمود حمدي أبو القاسم. 

ويردف لـ”درج”: “اعترفت إيران بأنّها شحنت طائرات مسيرة إلى روسيا قبل حرب أوكرانيا، ومعلوم أنّ الولايات المتحدة تتّهم إيران باستخدام برنامج الفضاء كغطاء لتطوير برنامجها الصاروخي”.

وفي ظل هذه العسكرة الإيرانية، قال قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال مايكل كوريلا، أنّ قوة بحرية بقيادة الولايات المتحدة ستنشر أكثر من 100 سفينة مسيرة من بعد في مياه الخليج، العام الحالي، لمواجهة التهديدات البحرية. كما أطلقت القيادة الوسطى الأميركية مقاتلات متمركزة في منطقة الخليج باتجاه إيران، كجزء من حالة التأهب الشاملة للقوات الأميركية.

ولمّح الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، إلى أنّ الولايات المتحدة وإيران تعلنان عن تمسّكهما بمسار المفاوضات، لكنّهما لا تملكان الجرأة للمضي قدماً نحو الخطوة الأخيرة للوصول إلى تسوية تنتهي بالعودة الى الاتفاق النووي. وأوضح أنّ لدى الولايات المتحدة قلقاً من أنّ إيران تصر على “سلوكها العدائي”، وعلى تحدّي “القواعد التي تريد أن ترسيها الولايات المتحدة للنظام الدولي، وهو ما اتضح جلياً من موقف إيران إلى جانب روسيا في الحرب على أوكرانيا. وقد وصلت الطائرات الإيرانية المسيرة إلى قلب أوروبا”. إضافة إلى ذلك، لا تزال الإدارة الأميركية تواجه معارضة داخلية وإقليمية للعودة “المجانية” الى الاتفاق النووي.

من جانب آخر، ترى إيران أنّ التحولات الدولية والإقليمية تعطيها ميزة لكسب المزيد من الوقت، وممارسة ضغوط جديدة لتفادي تقديم تنازلات “جوهرية” على طاولة المفاوضات، كما أنّها ترى أنّ “عدم غلق ملف تحقيقات الوكالة قد يكون مبرراً لتعرّضها لضغوط في المستقبل”، ناهيك بأنّه قد يفرغ أيّ عودة الى الاتفاق النووي من مضمونها، ومن ثم، إعادة العقوبات الأميركية كافة عبر استخدام آلية “سناب باك”، يقول حمدي أبو القاسم.

ويختم حديثه قائلاً إنّه مع عدم وصول المفاوضات إلى مرحلة النضج، فإنّ التصعيد المحسوب من الجانبين سيظل هو العامل المتحكّم في التفاعلات. وستضغط الولايات المتحدة على النظام الإيراني من خلال العقوبات، وتقديم الدعم للاحتجاجات، ثم إدانة النظام الإيراني دولياً. وفي الوقت ذاته، فإنّ إيران ستواصل استراتيجيتها في تعزيز أوراق الضغط، بما في ذلك تخفيض الالتزامات النووية، واختبار القدرة على البقاء من دون الاتفاق النووي.

18.01.2023
زمن القراءة: 7 minutes

إيران ستواصل استراتيجيتها في تعزيز أوراق الضغط، بما في ذلك تخفيض الالتزامات النووية، واختبار القدرة على البقاء من دون الاتفاق النووي.

إثر إعلان السلطات الإيرانية إعدام نائب وزير الدفاع الإيراني، علي رضا أكبري، والذي يحمل الجنسية البريطانية، عاودت بريطانيا النظر في الملف النووي، وفي علاقتها بطهران. 

يبدو أنّ الملفات بين لندن وطهران ستكون قيد المراجعة، إذ استُدعي السفير البريطاني في إيران موقتاً إلى المملكة المتحدة لمراجعة سياسات التعامل مع النظام الإيراني. 

وتحدث وزير الخارجية البريطاني، جيمس كليفرلي، عن مجموعة إجراءات لمواجهة إعدام رضا أكبري، منها العقوبات التي ذكر أنّها تؤكد عزم بريطانيا على محاسبة طهران لـ”انتهاكاتها المروّعة لحقوق الإنسان”. فضلاً عن تصنيف الحرس الثوري ضمن المنظمات الإرهابية، وهي الخطوة التي تتوقّعها صحيفة “تلغراف” البريطانية.

في المقابل، طالبت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، أليسيا كيرنز، الحكومة برفع السرية وتبادل المزيد من المعلومات الاستخبارية في شأن نشاطات إيران “المشبوهة”. ثم إغلاق المنظمات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني في بريطانيا.

ومع استمرار الاحتجاجات في طهران منذ أشهر بعد مقتل الفتاة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، فإنّ هناك نذر صدام تتصاعد وتيرته بين الغرب وإيران. وعلى رغم تفاؤل بريطانيا بمفاوضات إحياء الاتفاق النووي، حتى بعد ظهور المسيرات الإيرانية في الحرب على أوكرانيا، واصطفاف إيران مع روسيا، إلا أنّ دول أوروبا تراجع حساباتها، السياسية والبراغماتية، تجاه عملية إحياء الاتفاق النووي، بخاصة بعد وتيرة القمع غير المسبوقة، وتنفيذ الإعدامات بحق المتظاهرين. 

إثر إعلان السلطات الإيرانية إعدام نائب وزير الدفاع الإيراني، علي رضا أكبري، والذي يحمل الجنسية البريطانية، عاودت بريطانيا النظر في الملف النووي، وفي علاقتها بطهران.

بريطانيا، التي تعد لاعباً أساسياً في مفاوضات فيينا، تستبعد، راهناً، خياراتها السابقة في شأن إحياء الاتفاق النووي. وهناك اصطفاف غربي في الاتجاه ذاته، مع توسيع نطاق العقوبات التي طاولت المدعي العام الإيراني، محمد جعفر منتظري.

وثمّة مراجعة لافتة لمواقف الدول الغربية من الاتفاق النووي منذ الحرب الروسية- الأوكرانية، التي تؤشر إلى تحولات جيوسياسية جمّة، يعاد على إثرها تشكيل قمة العالم، حيث أنّ اصطفاف موسكو وإيران من خلال ظهور المسيرات الإيرانية في الحرب على كييف، جعل الطرف الأوروبي يراجع مقارباته المرنة في شأن نووي إيران، والتي كانت أقل تشدداً من واشنطن. 

وقد سرّعت الحرب الروسية- الأوكرانية بتأزيم الوضع في شأن المفاوضات النووية بعد الإشارات المتكررة بوجود انفراجة مرتقبة والتوقيع على اتفاق نهائي. فمع اندلاع الحرب، غادر كبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقري كني، العاصمة النمساوية، فيينا، التي تقام فيها المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران لإحياء الاتفاق النووي. فيما نفى المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران، روبرت مالي، وجود أيّ تسوية أو اتفاق وشيك.

إخفاق خطة أو خارطة الطريق الأوروبية التي شكلت انفراجة، موقتة، حول الملف النووي، تفاقمها الاحتجاجات الإيرانية والوضع المحلي المأزوم، تحديداً بعد مقتل مهسا أميني. 

ومع هذا المستوى من الصراع المحتدم، أعلنت الإدارة الأميركية خروج الاتفاق النووي من نطاق أولوياتها، الأمر الذي تزامن مع تصريحات أخرى في شأن احتمالية الخيار العسكري، وتخلّي الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن عن الإطار الديبلوماسي. وبينما كان المبدأ الأخير سبباً في خلافات عنيفة وغير مسبوقة بين واشنطن وتل أبيب، تحديداً في فترة رئيس الحكومة الإسرائيلي نفتالي بينيت، فإنّ الطرفين نفذا أكبر المناورات الجوية العسكرية فوق البحر الأبيض وإسرائيل لمحاكاة ضربات جوية لمواقع نووية إيرانية، نهاية العام الماضي.

وما بين المواجهة الخشنة أو المماطلة في المفاوضات أو التوصّل إلى مقاربة مرنة سياسية وديبلوماسية، يقف النظام الإيراني أمام خيارات محدودة للغاية في شأن الخروج من هذه المعضلة وإنهاء العقوبات الأميركية والأوروبية. مع الأخذ في الاعتبار أنّ بايدن (خصوصاً بعد انتخابات التجديد النصفي والفوز الباهت للجمهوريين بما يعطي هامش مناورة لإدارة بايدن في ملف إيران)، لا يزال يرى أنّ لا بديل لمنع طهران من امتلاك قنبلة نووية سوى بإحياء الاتفاق النووي. والأمر كذلك بالنسبة الى إيران لناحية رفع العقوبات. ففي الحالتين لا بدائل واضحة. 

إذاً، يمكن اعتبار الاحتجاجات الإيرانية وتزامنها مع الانخراط العسكري لإيران في الحرب إلى جانب موسكو ضد كييف، لحظة تحوّل قصوى في المواقف الغربية والأميركية تجاه الملف النووي. ومن ثم، فرضت هذه المستجدات، المحلية والخارجية، جملة شروط واستراتيجيات مختلفة للتعاطي مع إيران. فقد اتهمت واشنطن النظام في طهران بـ”جرائم حرب واسعة النطاق” في أوكرانيا.

وقال نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأميركية، إنّ “النظام الإيراني قضى بسرعة على احتمال العودة السريعة إلى الاتفاق النووي. إن العودة إلى ذلك الاتفاق ليست على جدول أعمالنا الآن لأن النظام الإيراني أدار ظهره له، ونكث بالتزاماته السابقة”.

ولمّح برايس إلى أنّ الإدارة الأميركية تركز سياساتها “أولاً وقبل كل شيء، على ما يمكننا القيام به لدعم الشعب الإيراني الشجاع الذي يخرج إلى الشوارع في جميع أنحاء إيران”.

بيد أن جايك ساليفان، مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن، ذكر آليات الإدارة الأميركية والغربية لمواجهة سلوك إيران الإقليمي، مشيراً إلى أنّ “العقوبات الأميركية والأوروبية ستجعل تصدير الأسلحة أكثر صعوبة، لكن الطريقة اليدوية التي يستخدمونها لتسليم الأسلحة تجعل من اعتراضها الفعلي تحدياً حقيقياً. لكننا لن نترك وسيلة لتعطيل هذا النوع من التعاون العسكري المستمر، والاستمرار في زيادة تكلفته على إيران”.

وعرّج ساليفان على الممارسات الوحشية التي تمارسها طهران ضد المتظاهرين، والتي اعتبرها “مثالاً على وحشية الحكم في إيران الذي يسحق كرامة شعبه وحريته وحياته”. وأردف: “قتل المحتجين السلميين أمر بغيض، سنواصل التصدي للفاعلين ومعاقبتهم، إضافة إلى دعم الإيرانيين”.

ولم يشهد الملف النووي تطورات تُذكر منذ اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية، إلا مع قمة بغداد 2 الأخيرة في العاصمة الأردنية عمّان. وعلى هامش القمة، أعلن وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، عزم طهران “اختتام مفاوضات فيينا على أساس مسودة حزمة التفاوض”، وذلك بعدما التقى الممثل الأعلى للاتحاد الاوروبي، جوزيب بوريل.

غير أنّ منسق الاتصالات الاستراتيجية لمجلس الأمن الدولي في البيت الأبيض، جون كيربي، قال: “لا نتوقع التوصل إلى اتفاق في أي وقت قريب”.

وتضاعف إدارة بايدن حزمة العقوبات على طهران، لا سيّما بعد موجة الاحتجاجات المندلعة منذ وفاة الفتاة الكردية- الإيرانية على يد “شرطة الأخلاق”. وقد طاولت العقوبات القطاعات والأفراد والشركات داخل إيران، إضافة إلى الجهات المتعاونة مع النظام الإيراني في الخارج، والميليشيات التابعة لها. ومن القطاعات التي تعرضت للعقوبات الأميركية، النفط والبتروكيماويات. فضلاً عن الأجهزة والمؤسسات التي تتعاون مع موسكو، عسكرياً، وتحديداً في ما يخص المسيرات الإيرانية. 

وشملت العقوبات الأفراد والكيانات المتورّطة في قمع الاحتجاجات، ومنهم وزير الداخلية الإيراني، أحمد وحيدي، ووزير الاتصالات الإيراني، عيسى زارع بور، فضلاً عن خمسة من كبار قادة الأجهزة الأمنية الإيرانية على خلفية تورّطهم في ممارسات قمعية، وحظر الوصول إلى الإنترنت في إيران.

كما أُدرجت ثلاثة كيانات إيرانية على لائحة العقوبات، نهاية العام الماضي. وهي: القوة الجو- فضائية للحرس الثوري الإسلامي، وشركة القدس لصناعة الطيران التي تصنع طائرة مهاجر-6 المسيرة، ومركز شاهد لأبحاث صناعة الطيران.

وزعم الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، أنّ الولايات المتحدة تقوم بمحاولات فاشلة لتكرار التاريخ وعمل نسخة إيرانية من الربيع العربي الذي شهد احتجاجات في عواصم عربية عدة عام 2011. ثم صرح المرشد الإيراني بعد ذلك، بأنّ “التفاوض مع الولايات المتحدة لن ينهي الاضطرابات التي تشهدها البلاد، وأنّ الولايات المتحدة ستطالب دائماً بالمزيد، لأنّها تسعى إلى إفشال الثورة”.

وعليه، صعّدت إيران موقفها من خلال الإعلان عن صاروخ جديد يحمل أقماراً صناعية، في خطوة اعتبرتها واشنطن “غير مفيدة ومزعزعة للاستقرار”، وفق الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، محمود حمدي أبو القاسم. 

ويردف لـ”درج”: “اعترفت إيران بأنّها شحنت طائرات مسيرة إلى روسيا قبل حرب أوكرانيا، ومعلوم أنّ الولايات المتحدة تتّهم إيران باستخدام برنامج الفضاء كغطاء لتطوير برنامجها الصاروخي”.

وفي ظل هذه العسكرة الإيرانية، قال قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال مايكل كوريلا، أنّ قوة بحرية بقيادة الولايات المتحدة ستنشر أكثر من 100 سفينة مسيرة من بعد في مياه الخليج، العام الحالي، لمواجهة التهديدات البحرية. كما أطلقت القيادة الوسطى الأميركية مقاتلات متمركزة في منطقة الخليج باتجاه إيران، كجزء من حالة التأهب الشاملة للقوات الأميركية.

ولمّح الباحث المتخصص في الشأن الإيراني، إلى أنّ الولايات المتحدة وإيران تعلنان عن تمسّكهما بمسار المفاوضات، لكنّهما لا تملكان الجرأة للمضي قدماً نحو الخطوة الأخيرة للوصول إلى تسوية تنتهي بالعودة الى الاتفاق النووي. وأوضح أنّ لدى الولايات المتحدة قلقاً من أنّ إيران تصر على “سلوكها العدائي”، وعلى تحدّي “القواعد التي تريد أن ترسيها الولايات المتحدة للنظام الدولي، وهو ما اتضح جلياً من موقف إيران إلى جانب روسيا في الحرب على أوكرانيا. وقد وصلت الطائرات الإيرانية المسيرة إلى قلب أوروبا”. إضافة إلى ذلك، لا تزال الإدارة الأميركية تواجه معارضة داخلية وإقليمية للعودة “المجانية” الى الاتفاق النووي.

من جانب آخر، ترى إيران أنّ التحولات الدولية والإقليمية تعطيها ميزة لكسب المزيد من الوقت، وممارسة ضغوط جديدة لتفادي تقديم تنازلات “جوهرية” على طاولة المفاوضات، كما أنّها ترى أنّ “عدم غلق ملف تحقيقات الوكالة قد يكون مبرراً لتعرّضها لضغوط في المستقبل”، ناهيك بأنّه قد يفرغ أيّ عودة الى الاتفاق النووي من مضمونها، ومن ثم، إعادة العقوبات الأميركية كافة عبر استخدام آلية “سناب باك”، يقول حمدي أبو القاسم.

ويختم حديثه قائلاً إنّه مع عدم وصول المفاوضات إلى مرحلة النضج، فإنّ التصعيد المحسوب من الجانبين سيظل هو العامل المتحكّم في التفاعلات. وستضغط الولايات المتحدة على النظام الإيراني من خلال العقوبات، وتقديم الدعم للاحتجاجات، ثم إدانة النظام الإيراني دولياً. وفي الوقت ذاته، فإنّ إيران ستواصل استراتيجيتها في تعزيز أوراق الضغط، بما في ذلك تخفيض الالتزامات النووية، واختبار القدرة على البقاء من دون الاتفاق النووي.

18.01.2023
زمن القراءة: 7 minutes

اشترك بنشرتنا البريدية