fbpx

التقارب السوري- التركي والحنين إلى “العثمانيّة الجديدة”… كش ملك للإدارة الذاتيّة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ساهمت تركيا خلال الأزمة السورية، في استغلال الأمور لإعادة هيمنتها الجيوسياسية، بخاصة في ظل دعايتها لـ”العثمانية الجديدة”، التي ترى حلب كما الموصل ضمن مناطق نفوذها التاريخية

تتعدد الحمولات السياسية وتداعياتها إزاء الانعطافة التركية تجاه نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهذا التحوّل في المواقف بين أنقرة ودمشق، في ظل الوساطة الروسية، يضغط على الملف الكردي، تحديداً مناطق الإدارة الذاتية، في شمال شرقي سوريا. 

اصطفاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان و”الأسد” مع ضغوط موسكو لتحقيق هذا التقارب، بعد قطيعة دامت نحو 10 سنوات، يؤشر إلى هدف مشترك بين الأطراف الثلاثة، وهو القضاء على الوجود الكردي، الذي ترى أنقرة فيه “تهديداً لأمنها القومي”، بينما تصنّف “وحدات حماية الشعب الكردية” منظمةً “إرهابية”، وتعتبرها ضمن “حزب العمال الكردستاني” الذي يخوض صراعاً مع تركيا، منذ ثمانينات القرن الماضي. 

كما أنّ لموسكو مصلحة قصوى في تصفية حليف الولايات المتحدة في سوريا. ثم إنّ الأسد الذي اشترط إنهاء “الاحتلال” التركي لبدء محادثات مع أردوغان، تنتقل من الأمني إلى السياسي والديبلوماسي، يحتاج إلى إعادة فرض سيطرته على تلك المناطق الغنية بالنفط، والقضاء على التنظيمات الجهادية والفصائل المسلّحة في شمال غربي إدلب. 

وبغض النظر عن الضغوط السياسية المحلية على أردوغان في إطار الاستقطاب الانتخابي بشن حملة عسكرية برية على شمال شرقي سوريا، فإنّ هذا التقارب المحتمل يفاقم التهديدات على الأكراد، وينهي إحدى أهم سردياتهم السياسية بخصوص العداء مع تركيا، في حال انسحاب الأخيرة من المناطق الكردية وحلول الحكومة السورية مكانها.

وثمة تصعيد أمني لافت ونشاط مسلح من العناصر الجهادية، التي بدأت تتحرك على تخوم هذه المتغيرات الجيوسياسية، وقد نفذت بعض هذه الفصائل هجمات عنيفة على مواقع للجيش السوري جنوب محافظة إدلب.

وفي ما يبدو، باتت الفصائل المسلّحة والجهادية تتخوف من غياب المظلة التركية ورفع الحماية والدعم عنها، وذلك في آخر المعاقل التي تسيطر عليها المعارضة. كما أنّ فلول تنظيم “داعش” الإرهابي كثفت حملاتها وهجماتها على مناطق نفوذ الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، بواقع 14 عملية مطلع العام الحالي، وفق ما أعلن “داعش”، و”المرصد السوري لحقوق الإنسان”، مقره لندن، فضلاً عن تقارير صحافية أجنبية. 

وثمة إشارات الى نشاط استباقي تقوم به التنظيمات المرتبطة بالمعارضة المسلّحة، التي تجد بيئة تتوافر فيها شروط الحركة، لتحقيق مصالح محددة والضغط على أطراف بعينها بالتزامن مع حديث المصالحة. وتخشى هذه الفصائل من التضحية بها ورفع الحماية عنها، وتحديداً من تركيا.

وأعلنت “هيئة تحرير الشام” أنّها نفذت غارات وهجمات انتحارية ضد مواقع للجيشين السوري والروسي على طول الجبهات في شمال غربي سوريا، على مدار الأشهر الثلاثة الماضية. 

اصطفاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان و”الأسد” مع ضغوط موسكو لتحقيق هذا التقارب، بعد قطيعة دامت نحو 10 سنوات، يؤشر إلى هدف مشترك بين الأطراف الثلاثة، وهو القضاء على الوجود الكردي.

وقبل أيام، ذكر بيان للجيش السوري أنّ القوات الروسية ساعدته على تصفية مراكز تدريب “للإرهابيين” في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب.

الرئيسة المشتركة في الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، بيريفان خالد، تقول أنّ تركيا ساهمت، خلال الأزمة السورية، في استغلال الأمور لإعادة هيمنتها الجيوسياسية، بخاصة في ظل دعايتها لـ”العثمانية الجديدة”، التي ترى حلب كما الموصل ضمن مناطق نفوذها التاريخية.

وقد باشرت تركيا، منذ احتلالها بعض المناطق السورية، صيف عام 2015، بدعم “المرتزقة” و”الإرهابيين” ومنهم تنظيم “داعش”. وهذه التوجهات التركية كانت تهدف الى إدامة الصراع في سوريا لتحقيق مصالحها السياسية، وفق خالد لـ”درج”.

وتردف: “على رغم الممارسات التركية العدوانية، إلا أنها لم تنجح في تحقيق أهدافها، والتي ترتكز على حجج واهية وافتراضية لدورها الحالي في سوريا. بمعنى أنّ أردوغان والحركة القومية المتشددة في تركيا يدركان أنّ دور الأخيرة في سوريا لا حاضنة له”. 

وترى الرئيسة المشتركة في الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، أنّ من بين دلائل فشل تركيا في سوريا، الاستدارة الى دمشق، الأمر الذي يكشف عن دور وظيفي لأنقرة يرتهن بمواقف قوى أخرى، مثل موسكو. وتتابع: “هذا التقارب البراغماتي يتناقض مع دعاية أردوغان التقليدية، والذي سبق وقال أنّه سيصلي في دمشق مع المعارضة التابعة له، والتي تحولت إلى بازار سياسي تركي لسوريا”. 

وعلى رغم هذه التناقضات، فإنّ التطبيع لا يبدو مباغتاً بالنسبة الى الرئيسة المشتركة في الإدارة الذاتية، موضحة أنّ “زعماء تركيا السياسيين اعتادوا المناورات التكتيكية من موقع تحالفاتهم التاريخية المؤقتة والبراغماتية”. وبالتالي، فإنّ “ورقة المعارضة”، اليوم، هي مجرد “بطاقة ضغط على أيّ جهة في سوريا تراها تركيا مناسبة لتحقيق مصالحها كما هي الحال في ما يتصل بالتطبيع”. 

وحول احتمال حدوث التطبيع قبل الانتخابات التركية، تقول خالد أنّ عملية التقارب “لا تبدو ممكنة وبالسهولة التي يتحدث عنها أردوغان”. وتلفت إلى أنّ هذه الخطوة لن تؤدي إلى شيء سوى تأزيم الوضع الأمني والسياسي في سوريا، وقد دمرت الحرب نحو 70 في المئة من أراضيها. بل إنّ الوتيرة المتسارعة تحركها جملة مصالح مشتركة، فـ”أردوغان يقف على أطرافه بسبب الانتخابات الرئاسية منتصف العام الحالي، بينما دمشق تبحث عن إعادة تعويمها إقليمياً ودولياً بأي شكل”. 

ولمّح المصدر ذاته الى “إعادة تموضع جديد للإرهاب” في ظل التفاهمات بين أنقرة ودمشق. إذ إنّ التقارب السوري – التركي في حال نجاحه، ستكون له ارتدادات مباشرة وسلبية على شمال سوريا وشرقها، بخاصة مع التلميحات بخصوص اتفاقية أضنة، والتي، وإن وافقت عليها دمشق، تشرعن بذلك “الاحتلال التركي” في سوريا وتطلق يده، مرة أخرى، في المنطقة.

وتختم: “مشروع الإدارة الذاتية مستهدف من تركيا بالطبع للقضاء عليه وإنهاء وجوده بشكل كبير. لكن، في ما يبدو، توجهات أردوغان في هذه المرحلة هي توجهات تكتيكية والهدف منها عبور آمن للانتخابات. وهنا أرجّح حدوث هجوم تركي جديد على مناطق الشمال السوري، وهي مسألة وقت، وذلك في حال عدم الوصول مع دمشق إلى أيّ نتائج ملموسة”. 

وتؤشر زيارة وزير الخارجية الإيراني الى تركيا، مؤخراً، المتزامنة مع زيارة وزير الخارجية التركي الى واشطن، بعدما أُعلن عن تأجيل لقاء الأخير بوزير الخارجية السوري حتى مطلع شباط/ فبراير 2023، إلى وجود تحركات لافتة لفض اشتباكات والتباسات عدة، والانفتاح على الموقف الأميركي والغربي في شأن التقارب مع دمشق. 

ويتعيّن النظر إلى زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى دمشق في توقيت مماثل، وعرضه استضافة قمة تجمع بين الرؤساء السوري والتركي والروسي. 

فالانفتاح الإماراتي على دمشق والزيارة الأخيرة للمسؤول الإماراتي، التي جاءت غداة إعلان أميركا رفضها التطبيع مع “الأسد”، يكشفان عن انخراط استكشافي لأطراف إقليمية (من دون استثناء تبعيتها للقوى الدولية) تتقاطع بينها المصالح. فمع المعطيات التي فرضتها الحرب الروسية- الأوكرانية، والتي خففت من الارتدادات السلبية على أردوغان وعلاقته المأزومة بالغرب وواشنطن، فإنّ الرئيس التركي بحاجة إلى مناورته في شرق الفرات لإنجاح فرص التفاوض في شأن ملفات عدة، منها التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط وحوض البحر الأسود وجنوب شرقي تركيا، ثم الحصول على المقاتلات الحديثة من طراز “إف 16″، ومسألة التوسع في حلف الناتو.

إقرأوا أيضاً:

إذاً، فإنّ لأنقرة ودمشق أهدافاً خاصة في ما يتعلق بهذا التقارب. الهدف الأهم بالنسبة إلى أنقرة في هذا التقارب، هو “تدمير وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية وقوات الأسايش، بشكل كامل، في أبعادها العسكرية والمدنية”، كما يوضح الباحث التركي المختص في شؤون الشرق الأوسط، إسلام أوزكان. وذلك بما يجعل فرضية تدشين حكم ذاتي في المستقبل أمراً بعيد المنال.

وفي ما يخص دمشق، فأهدافها مختلفة تماماً عن أهداف أنقرة بالطبع. ويمكن القول أنّ أنقرة لن تكتفي، هذه المرة، ببعض الحلول الموقتة في ما يتعلق بـ”وحدات حماية الشعب” من خلال الانسحاب من أجزاء معينة من سوريا، وفق أوزكان لـ”درج”، الذي يلفت إلى رغبة “الأسد” في “تدمير الشراكة الأميركية – الكردية وكسب الأكراد لحسابه ونطاق نفوذه”. 

ووفق تقارير صحافية أجنبية، فقد رفض وفد دمشق فكرة تشكيل جبهة مشتركة ضد “وحدات حماية الشعب الكردية” و”قوات سوريا الديمقراطية”، خلال الاجتماع الأول بين الطرفين في موسكو. 

ومع الاختلاف في الأهداف، فقد يؤدي ذلك إلى إطالة أمد المفاوضات وتعميق الخلاف بين أنقرة ودمشق. لكن، على المدى الطويل، من المؤكد أنّ “الطرفين سيتوصلان إلى حل وسط، إذ لهما بعض المصالح المشتركة”، يقول أوزكان. 

ويتعين التركيز على العامل الروسي. إذ تبذل موسكو جهوداً غير عادية لتجسير العلاقات وتمتين الصلات بين أنقرة ودمشق. وذلك مذ أقنعت موسكو أنقرة بموضوع التقارب ولم يعد أمام دمشق خيار آخر سوى الخضوع لمطالب موسكو. وعليه، لم تعد دمشق قادرة على مقاومة مطالب أنقرة. فعلى الأقل، يفترض أن توافق على بعض مطالبها، مع الأخذ في الاعتبار بعض التحفظات الروسية في شأن تلبية جميع مطالب أنقرة. 

وفي تصريحات للمعارضة السورية، هناك مطلب لتحويل حلب إلى منطقة حكم ذاتي أو منطقة شبه آمنة لعودة اللاجئين من تركيا، لا سيما بضمان تركي، إضافة إلى إيجاد آلية تمكّن أنقرة من التدخل فيها حال قيام عناصر موالية لدمشق بعملية عسكرية ضد المعارضة هناك. 

ووفق الباحث التركي المختص بشؤون الشرق الأوسط، فمع معارضة البيت الأبيض هذا التقارب، فإنّ واشنطن ليست في معادلة التفاوض الحالية. ينذر هذا بإشكالية ومعضلة كبيرة بالنسبة لقوات وحدات حماية الشعب. وفي ظل هذه الظروف، يبدو من المستحيل على منطقة الحكم الذاتي البقاء على قيد الحياة. ومع ذلك، قد تكون بعض الحقوق الثقافية والسياسية على جدول الأعمال كخيار يرضي الأكراد. يعني هذا الوضع أنّ لا خيار آخر سوى التفكك الكامل لـ”وحدات حماية الشعب” أو اندماجها في الجيش السوري. 

إقرأوا أيضاً: