fbpx

ريما خشيش ومارتن أورنشتاين… صوتان عاريان في حديقة الحواس  

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الحفلة الموسيقية التي أقامها الثنائي ريما خشيش ومارتن أورنشتاين تُدخلنا إلى ما يُشبة حديقة الحواس، لنكتشف انّ الصوت الوحيد والعاري ومهما كان مصدره، هو الاجمل والاكثر حساسية وقدرة على التعبير والإطراب.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في حفلاتها الغنائية، تُكرّس المُغنّية اللبنانية ريما خشيش بأدائها شكلاً ونمطاً جديدين يسيران عكس التيار السائد والمتعارف عليه لهذا النوع من الحفلات ذات البرنامج المُتنوع والمُنتقى من الأغاني العربية الكلاسيكية والمعاصِرة على حدٍّ سواء.

يتفرّد هذا التكريس على الاقلِّ بمسألتين على جانبٍ كبير من الأهمية. الأول يتعلّق بِعدد أفراد المجموعة الموسيقية التي ترافق الغناء ونوعية آلاتهم الموسيقية المُستعملة. في حين يطرح الموضوع الثاني إشكالية العلاقة العُضوية بين الصوت الصادر من أوتار الحُنجرة البشرية، كأقدم آلة استعملت في التعبير الغنائي، وبين الآلة الموسيقية المُبتكرة كامتداد لتطور ظاهرة الصوت في تاريخ  الفن الموسيقي.

لا يتقصّد المقال هنا استعراضاً مُفصّلاً لِبرنامج الحفلة ومُجرياتها. إذْ انّ استعراضاً كهذا سيكون غير ضروري ولا فائدة تُرجى منه لأحد. إذاً المقال هو محاولة للبحث عن الدوافع والأسباب التي من شأنها أن تدفع بموسيقيينِ مُحترفين، ينتميان الى ثقافتين مُختلفتين، بالذهاب بعيداً في مغامرة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، يكشفان فيها عُريِّ صوتيْهِما أمام جمهور غير مُعتاد على مثل هذا الانكشاف صوتاً وصورة. 

وانا إذْ لا أُجازف بوصف انطباعي كمُستمع وإنْ أتى على قليل من الموضوعية وكثير من المجازية، في أنّ الحفلة الموسيقية التي أحْياها السبت 6 أيار/ مايو 2023 الثُنائي؛ ريما خشيش (غناء) ومارتن أورنشتاين (كلارينت باص)، في مسرح مونو في بيروت، كانت لي بمثابة وليمة للأُذُن وتحفيزاً للسماع، ومناسبة لطرح الاسئلة حول الأسباب التي تدفع المُغنية خشيش بإصرار وجرأة، في نزع الحُجُب عن غنائها، مُقدِّمة لجمهور المستمعين صوتها بنسخته الأصلية الطبيعية، حُراً مُتخففاً من كل زينة او بهرج، وعارياً إلا من سُتْرٍ قليل تكفّلت به صوتُ آلة موسيقية واحدة.

لعلّي أكون مُصيباً في أنّ ريما خشيش تعمل بجِدٍّ لإنتاج صورة مغايرة لصورة المطربة السائدة التي لا هم لها سوى الاستعراض واطراب الجمهور. 

“تقشف”

لا أحسب أنّ المصادفة والعشوائية، من الأسباب المحتملة التي تقف خلف قرار المُغنية خشيش في اعتماد صيغة متقشفة جداً في مرافقة غنائها. فتعتمد أحياناً على مجموعة صغيرة جداً (ثلاثية أو رباعية) من عازفي الآلات الموسيقية، أو على عازف موسيقي واحد أحياناً أخرى ليُشكُّلا أداءً ثُنائياً. وأجزم أن السبب في اعتماد هذه الصيغة الموسيقية الصعبة لا يكمن أيضاً في عدم القدرة على  تمويل مالي لِمجموعة موسيقية كثيرة العدد والعُدَّة. امّا السبب الأكثر ترجيحاً هنا قد يكون متوارياً خلف متغيرات حصلت أثناء مسيرتها الفنية، بدّلت وعدّلت في الكثير من أفكارها حول طرق الغناء العربي شكلاً وأسلوباً.  

وليمة السماع التي أقامها الثنائي، ريما ومارتن، وكنت أحد المدعوين الى مائدتها المتواضعة، كانت مناسبة أطرح على نفسي مجموعة أسئلة وملاحظات لن أدعي تقديم الإجابة عليها، إلا من باب حُسن النيّة في الافتراض والجدل. 

والسؤال الأهم هنا: كيف لمُغنٍّ أو مُغنِّية لبنانية أم عربية أن تخرج طواعية وعن سابق تصور وتصميم من دائرة التأثير الهائل لصورة المطرب/ة النمطية المُلتبسة في علاقتها مع جمهور يجلس مواجهاً ومُعتاداً على مُطربة تعتلي مسرحاً محشواً بديكورٍ، وأجهزة صوتٍ، واضاءة، وشاشة عملاقة، إضافة إلى عديد الفرقة الموسيقية الكبيرة؟ 

هذه الصورة النمطية عادة ما تنفي عن المُغنية صفة المؤدية الموسيقية مُصنِّفة إياها من عالم العملاقة حيث الظواهر الخارقة فوق البشرية، ومُضْفِية على شخصها جواً من القداسة والأيْقَنة. وفي الصورةِ النمطية نفسها يظهر الموسيقيون العازفون على آلاتهم في الفرقة الموسيقية في خلفية المسرح وزواياه كتفاصيل ثانوية في مشهدية الفُرجة والزينة.

فعلى الرغم من كون صورة تموضع المُغنية في الوسط يُعد مسألة تقنية وشكلية في الموسيقى الغربية والاوروبية، بيد أنّ هذا التموْضع في الفرقة الموسيقية العربية يأخذ بُعداً مختلفاً، بحيث ينتج عنه خللاً فاضحاً قِيَمياً في علاقة المُغنّية المؤدية مع باقي الموسيقيين المؤدين. فلطالما كانت وما زالت هذه الصورة المُنمطة تفرد مساحتها الكُلية للمُغنية المُطربة الخارقة مع تغييب كليّ لأفراد الفرقة الموسيقية، التي كانت في الماضي تدعى تختاً موسيقياً شرقياً لا يتخطى عدد المشاركين فيها خمسة عازفين، فيما أصبحت اليوم اوركسترا تضم فيها عشرات الموسيقيين قد يصل عددها إلى أربعين عازفاً.

 والجدير ذكره هو أنّ هذا التطور في عدد الفرقة الموسيقية العربية أتى شكلياً ومُشوهاً كونه لم يُبنى على أساس تطور الكتابة التأليفية في الأُغينة العربية التي ظلت بمعظمها مونوديّة الطابع مع قليل من توزيع موسيقي شكلانيّ يأتي لإدِّعاء الفخامة والعالمية او من باب لزوم ما لا يلزم.

وكأني بالمُغنية خشيش تريد، ليس فقط، الخروج من دائرة تأثير هذه الصورة المُنمّطة، بل تزيد على ذلك برفضها تلك الصورة طارحة بديلاً منها. فعَبْر متابعتي لحفلاتها وتسجيلاتها الموسيقية يبدو لي وكأن صورة هذا البديل تتضح في وعيها شيئاً فشيئاً مع تقدم الوقت ونضج التجربة.

فتلك الطفلة الصغيرة ريما التي انطلقت رحلتها في دروب الغناء مع والدها كامل خشيش عازف القانون، مروراً بغنائها المنفرد مع مع فرقة الموسيقى العربية التي أنشأها الموسيقي سليم سحاب وانتهاء بدراستها للغناء في المعهد الوطني العالي للموسيقى، هي اليوم مُختلفة تماماً عمّا كان مقدراً لها أن تكون لو لم يكن عندها جرأة التجريب والانفتاح على تجارب الثقافات الموسيقية الاُخرى. 

هذا التطور في الشخصية الموسيقية للمُغنية المحترفة ريما خشيش تحصّل بفضل احتكاكها المستمر مع عازفين موسيقيين أوروبيين مثل عازف الكونترباص طوني أوڤرواتر، وعازف الكلارينت مارتن اورنشتاين، ومايك بنتروس عازف الثِيورب، إضافة إلى المسرحي والموسيقي ربيع مُروة الذي كتب ولحّن لها الكثير من الاغاني. 

عِلماً أن ليس بالضرورة للفنان أن يصل الى خلاصات حميدة، لمُجرد انّه حقق احتكاكاً بثقافات موسيقية أُخرى متباعدة المنابت. إنما قد يعوزه ايضاً في هذا قدرة عالية على فهم وهضم ما يريده من الثقافة الأخرى، وقدراً لا بأس به من الحظ. أعتقد أنّ هذين الشرطين قد توافرا في مسيرة خشيش الغنائية.

صورة بديلة

لعلّي أكون مُصيباً في أنّ ريما خشيش تعمل بجِدٍّ لإنتاج صورةَ مغايرة لصورة المطربة السائدة التي لا هم لها سوى الاستعراض واطراب الجمهور. 

إذًا هي صورة بديلة شكلّت مضامينها المُغنية خشيش من ذاك الاحتكاك الحاصل، وفيها يُرى أفق واسع، بسيط ومركب في آن. ندقق في تفاصيل الصورة فنرى المطربة تستعيد طبيعتها كمُغنية تقف متساوية وعلى مسافة قريبة تؤدي دورها بجانب العازف الموسيقي الآخر. يتشارك الاثنان حوارهما الموسيقي ويتبادلان المهمات في إبراز الخطوط اللحنية والإيقاعية بندّية تفرضها كتابة موسيقية عقلانية لآلتين موسيقيتين: صوت حنجرة مع كلارينت باص أو صوت مع كونترباص، وقد تكون لثلاثة آلات أو أربعة. 

بالعادة حوار الأصوات قليلة العدد في الأداء الموسيقي يكون من أصعب أنواع الأداء، ويُشكّل تحدياً لصوت كل مؤدٍ على حِدة، ذلك لأن النص الموسيقي يُكتب خصيصاً للصوت المحدد ولا يتحقق إلاّ من خلال تكامله مع الصوت الآخر. فيشكّل تحدياً فنياً لقدرات العازف المنفرد في إبراز معظم الجماليات الفنية المختبئة في ثنايا النص الموسيقي. إنه تحدٍ يتطلب شجاعة وشغفاً إضافة إلى جهد التمرين اليومي.   

في الصورة أيضاً تنجح خشيش بجانب المؤدين الآخرين بتحويل الطرب في الغناء العربي من حالة استعراضية يُبالغُ في استخدام تقنياته أثناء الأداء، إلى حال اُخرى من العقلانية والتقشف في الاستعمال. وهذا من شأنه ان يجعل المستمع أكثر تحفُّزاً في انتظار إشاراته القليلة لإلتقاطها والتمتع بجماليتها، كمثل صوت قرار باص كلارينت الدافئ والكثيف في لونه القاتم، ممزوجاً مع لمعان بريق صوت حُنجرة المُغنية.

تقديري ان اختيار خشيش لنوعية الآلة الموسيقية المرافقة، كان خياراً صائباً، ما سمح لغنائها الصحيح والمحصور في مجال صوتيّ غير عريض، أن يكون غناءً جميلاً طبيعاً وحراً لا يخاف من الوقوف وحده عارياً، والحوار مع صوت آلة غير مألوفة لأُذن جمهور الأغنية العربية.     

في اسطوانتها الاخيرة “يا ليت” أو Ombré de mon amant، ذهبت خشيش بعيداً في تجربة صوتها، إذْ أدَّت أغنيات تنتمي لحقبة الباروك الفرنسي، بعد أن عرّب كلماتها المسرحي والموسيقي ربيع مُروَّة، وإلى جانب تلك الأغنيات الباروكية ضمّت الى ذات الألبوم أغنيات عربية لثلاثة مُلحنين راحلين؛ محمد القصبجى، الشيخ سيد درويش وخالد ابو النصر. وقد أعاد مارتن اورنشتاين صياغة اللحن الموسيقي، ليُلائم آلتين موسيقيتين فقط لمرافقة صوتها.

أخال انّ التجربة في أسطوانة “يا ليت” كانت صعبة وشاقة من كل النواحي ولكل طرف مشارك فيها. إنما الأهم في ما يُقرأ من هذه التجربة هو أمران؛ الاول هو انّ الموسيقى العربية التراثية، والغناء الذي يشكّل معظم مساحته، هي ليست موسيقى ميتة أو متحفيّة بالنسبة إلى الزمن الحاضر، إنما المسألة كانت وما زالت هي كيف نستعيدها بأداء متجدد ومعاصر. أمّا الأمر الثاني فيصُبّ في اتجاهٍ موسيقيٍ يفترض وجود قرابة ما بين موسيقى الشرق العربية وبين الموسيقى الأوروبية في مرحلتها الباروكيّة. إذْ يدعو أصحاب هذا الرأي الى أكبر استفادة من هذه القرابة لإيجاد بعض الحلول والصيغ الجديدة في الموسيقى العربية والغناء على وجه التحديد.         

حسبي أن الخلاصة من كل هذه التجارب التي خاضت غمارها الفنانة ريما خشيش تُفيد بأن مسألة الأداء الموسيقي عزفاً أم غناء، وحتى الكتابة الموسيقية نفسها لحناً أم تأليفاً هي كلها ممارسات ابداعية يجب ان لا تنغلق على نفسها في صور مُنمطة، وألا يُعيق تفاعلها اختلاف كبير أو صغير في النُظُم الموسيقية أو في منابت الهويات الثقافية.      

الحفلة الموسيقية التي أقامها الثنائي ريما خشيش ومارتن أورنشتاين تُدخلنا إلى ما يُشبة حديقة الحواس، لنكتشف انّ الصوت الوحيد والعاري ومهما كان مصدره، هو الاجمل والاكثر حساسية وقدرة على التعبير والإطراب.