fbpx

الحرب في السودان
تزويج القاصرات لـ”حمايتهن” من العنف الجنسيّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تتضاعف الحاجة إلى حماية الفتيات والنساء والأطفال من العنف بجميع أنواعه، لكن الخوف أن يتزايد العنف ضد الطفلات في ظل عدم وجود ضغوط محلية ودولية كافية تردع الدعم السريع عن ارتكاب مزيد من الانتهاكات. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تُدمر الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ 15 نيسان/ أبريل 2023، البنية التحتية فقط، بل بدت وكأنها تتخذ طابعاً انتقامياً، يتمثل في زيادة معدل اغتصاب الفتيات والنساء واختطافهن، ما جعل الأسر تتجه إلى تزويج الطفلات بذريعة حمايتهن من العنف الجنسي المتصل بالنزاع الآخذ في الاتساع جغرافياً، خصوصاً أن الحرب تمدد من العاصمة الخرطوم إلى مدن أخرى في كردفان ودارفور.

وفي 30 حزيران/ يونيو، والذي تزامن مع اليوم الثالث لعيد الأضحى، عقد مهدي خير ــ إسم مستعار ــ قران ابنته البالغة من العمر 12 عاماً، في إحدى قرى ولاية الجزيرة المجاورة للعاصمة الخرطوم، التي فر منها مع أسرته بعد أسبوع من اندلاع الحرب.

يقول مهدي، لـ “درج”، إنه وافق على تزويج طفلته لعدم قدرته على حمايتها من العنف الجنسي، في ظل مخاوف انتقال الصراع إلى مدن وسط السودان وشماله، ويشير إلى أن هذا الأمر أصبح شائعاً في أوساط الفارين من النزاع، بخاصة أن شباب القرى والمدن الصغيرة يفضلون الزواج من صغيرات السن.

على رغم كل الجدل المحيط بتزويج القاصرات، وانتهاكه القوانين الدوليّة، إلا أنه منتشر في السودان، وقد أباح المشرعون في قانون الإجراءات الشخصية تزويج “المميزة “التي حُدد عمرها بـ 10 سنوات، ما يعني السماح بزواج القاصرات. ويؤكد مسح الأسرة الذي أجرته الحكومة في 2010، انتشار زواج القاصرات على نطاق واسع، إذ بيّن أن 37.5 في المئة من النساء في عمر 20 إلى 49 تزوجن قبل الـ 18 عاماً.

تفيد نتائج المسح العنقودي المتعدد المؤشرات لعام 2014، بأن 12في المئة من النساء متزوجات قبل سن الـ15 عاماً، و38 في المئة قبل عمر الـ18 عاماً، وتقول وزارة التنمية الاجتماعية عن هذا الأمر، إن “هذه المعدلات أعلى بالنسبة إلى المناطق الريفية والأسر الأقل تعليماً والأسر الفقيرة”.

أبدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، قلقها من تزايد حالات اختطاف النساء والفتيات – لا سيما القاصرات- في مناطق النزاع، بخاصة العاصمة الخرطوم

تضييق الخناق على القاصرات

يرجح أن يكون زواج القاصرات ذا دواعٍ لـ”توفير الحماية لهنّ”، مع ارتفاع حالات العنف الجنسي المتصل بالنزاع، وعدم وجود ضغوط محلية ودولية على قوات الدعم السريع تدفعها إلى ضبط سلوك عناصرها ومنعهم من ارتكاب الانتهاكات. تقول الأمم المتحدة إن الفتيات المراهقات يواجهن خطراً متزايداً جراء زواج الأطفال، إذ يُزعم أن بعض العائلات تلجأ إليه، في محاولة لـ”حمايتهن” من المزيد من مخاطر العنف الجنسي أو الاعتداء أو الاستغلال.

انتشرت حديثاً في العاصمة الخرطوم، ظاهرة اختطاف الفتيات القاصرات، ما دعا غرف الطوارئ، وهي منظمات شبابية تطوعية تكونت في الأحياء الشعبية بعد اندلاع القتال، الى رصد الانتهاكات وتقديم الخدمات والأدوية للسكان الأشد احتياجاً، وتحفيز الشباب على حماية الأحياء.

وفي 2 تموز/ يوليو، اختطفت قوات الدعم السريع فتاتين من منطقة الحلفايا بالخرطوم بحري، قبل أن تعيدهما بعد 5 ساعات نتيجة ضغوط أهلية، وحاولت القوات ذاتها في اليوم التالي، اختطاف فتاة في بداية العشرينات من منزلها تحت تهديد السلاح في منطقة شمبات القريبة جداً من الحلفايا، كما اختطف عناصر الدعم السريع في 24 حزيران/ يونيو، طفلة قاصراً من منطقة المسالمة بأم درمان، فيما لا تعرف أسرتها مصيرها حتى الآن.

لا يقتصر الأمر على قوات الدعم السريع، إذ أشار تقرير لوكالة الأنباء الفرنسيّة إلى انتهاكات قام بها الجيش السودانيّ، إذ سُجلت شهادات لنساء اغتُصبن في منازلهن أثناء اقتحامها، كما يتعرض الناشطون المسؤولون عن توثيق هذه الحالات لضغوطات لتجاهل ما يحصل.

أبدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة والطفل، قلقها من تزايد حالات اختطاف النساء والفتيات – لا سيما القاصرات- في مناطق النزاع، بخاصة العاصمة الخرطوم، وطالبت قيادة الدعم السريع بضبط عناصرها ومنع هذه الجرائم والانتهاكات وضمان محاسبة مرتكبيها.

تقول الوحدة إنها وثقت 42 حالة عنف جنسي في العاصمة الخرطوم، و25 حالة في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور غرب السودان، و21 حالة في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، وقد قيّدت معظم حالات العنف في الخرطوم ضد قوات الدعم السريع، التي اعتدت على نساء الجنينة ونيالا، وفقًا لإفادة الناجيات. 

تشير الوحدة أيضاً، إلى أن حالات العنف الجنسي الموثقة لا تتجاوز الـ 2 في المئة من العدد الفعلي، بحسب تقديرات الخدمات المقدمة وشهادات الشهود العيان والرصد من مواقع التواصل الاجتماعي. وتوضح أن التقارير التي تصلها تُفيد بتزايد جرائم الخطف والعنف الجنسي الجماعي، التي تستهدف صغيرات السن (12 ـــ 17 عاماً).

دقت الوحدة ناقوس الخطر مشيرة إلى أن 9 ولايات من أصل 18 ولاية سودانية، ترزح تحت تهديد استخدام العنف الجنسي المتصل بالنزاع سلاحاً للحرب وأداةً لإثارة الفوضى والتحقير العرقي، ووسيلةً لتهجير مواطنين آمنين من بيوتهم وشوارعهم ومدنهم.

القاصرات أكثر تعرضاً للعنف

تقول مديرة الوحدة سليمى إسحاق، لـ “درج”، إن آليات الحماية التي تستخدمها الأسر عادة ما تكون مشوّهة جداً، مثل الختان والزواج المبكر، لكن هذه الآليات لا تُشكل حماية ضد العنف المتصل بالنزاع. وتضيف: “هناك اعتقاد سائد في المجتمع السوداني، يتعلق بعدم تعرض المرأة المتزوجة للعنف، وإن تعرضت له يكون تأثيره أخف، إذ إن الحفاظ على عذرية الفتاة طاغٍ جداً ويحكم طريقة تفكير الناس”.

تشير إسحاق أيضاً، إلى أنه لا توجد مناعة في ما يخص العنف الجنسي المتصل بالنزاع، فكل النساء معرضات له، لكن الفتيات الصغيرات معرضات أكثر نظراً الى وجود أفكار مشوّهة تجاه ممارسة الجنس مع القاصرات بذريعة أنه يضاعف الفحولة، وعدم الخوف من انتقال الأمراض الجنسية بحكم أن الصغيرات لم يمارسن الجنس سابقاً. 

تقول الطبيبة ناهد السنوسي، إن الفتيات أقل من 20 عاماً غير مستعدات للزواج، بخاصة في ظل الحرب التي عادة ما يحتاجن فيها الى دعم نفسي، ناهيك بزيادة الأعباء عليهن، وتوضح، لـ “درج”، مخاطر تزويج الطفلات من تأخر النمو البدني، وبالتالي وقوعهن فريسة في أيدٍ سوء التغذية وربما أمراض جسدية أخرى، الى جانب قابلية التعرض لاضطرابات في الدورة الشهرية وتأخر الحمل، والذي إن حدث يُرجح أن يؤدي إلى إصابتهن بالالتهابات المهبلية والتناسلية والولادة القيصرية، نظراً الى عدم اكتمال نموهن الجسدي.

قلق دولي متزايد

طالب كبار مسؤولي بالأمم المتحدة، في بيان مشترك، بضرورة وضع حد فوري للعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الجنسي، وعدم استخدامه كوسيلة من وسائل الحرب لترويع الأشخاص.  وأكدوا أن العدد الحقيقي لحالات العنف أعلى بكثير من المبلّغ عنها، إذ تجد كثيرات من الناجيات صعوبة في الإبلاغ عن العنف الجنسي بسبب مفهوم الخزي والوصمة والخوف من الانتقام.

منذ اندلاع الحرب، ارتفع عدد النساء والفتيات اللاتي بحاجة الى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي من ثلاثة ملايين امرأة وفتاة إلى 4.2 مليون؛ وهو أمر يوضح مدى العبء الذي خلفه القتال على النساء. ويقول مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تروك، إنهم يتلقون تقارير مروعة عن العنف الجنسي ضد النساء والفتيات، بما في ذلك حالات الاغتصاب”.

تمدّد نطاق الحرب إلى مناطق جغرافية أخرى وانخراط المدنيين بفعالية في النزاع مع الطرفين. في المقابل، تتضاعف الحاجة إلى حماية الفتيات والنساء والأطفال من العنف بجميع أنواعه، لكن الخوف أن يتزايد العنف ضد الطفلات في ظل عدم وجود ضغوط محلية ودولية كافية تردع الدعم السريع عن ارتكاب مزيد من الانتهاكات.