fbpx

مصر: ما الذي يرعب السلطة من “مسرحية” الانتخابات؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

قد لا يكون أحمد طنطاوي مرشح المعارضة المثالي، لكن إقلاقه النظام بتلك الطريقة، قد يشير إلى تحول في اللعبة كلها. والمثير للإعجاب في شخصية طنطاوي، إدراكه أنه يلاعب نظاماً لا يتورع عن شيء، سواء باغتياله المادي أو المعنوي، أو حتى زجه في السجون، كما فعل مع كل من شعر أنهم قد يحظون بشعبية تهدّد وجوده.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تتعرض حملة المرشح للانتخابات الرئاسية في مصر أحمد طنطاوي لانتهاكات ومضايقات، تكثّفت وتيرتها مع فتح الباب الضيق أصلاً، 10 أيام لكل مرشح، لجمع 250 ألف توكيل. إذ اعتُقل ما يقرب من 73 عضواً في حملته الانتخابية، ولم ينجح بحسب بيان له، في جمع أكثر من توكيلين خلال يومين. 

 في ظل الحصار الأمني للحملة ومماطلة السلطات المختصة في السماح بعمل أي توكيلات، رغم أن عدد أعضاء حملته الانتخابية فقط- فضلاً عن مؤيديه-  يتجاوز الـ 23 ألف متطوّع.

كذلك، أعلن عدد من أعضاء حملة طنطاوي أنهم تعرضوا للضرب والتهديد من بلطجية في مقرات الشهر العقاري، أثناء محاولتهم الحصول على توكيل لطنطاوي.

قد لا يكون أحمد طنطاوي مرشح المعارضة المثالي، لكن إقلاقه النظام بتلك الطريقة، قد يشير إلى تحول في اللعبة كلها. والمثير للإعجاب في شخصية طنطاوي، إدراكه أنه يلاعب نظاماً لا يتورع عن شيء، سواء باغتياله المادي أو المعنوي، أو حتى زجه في السجون، كما فعل مع كل من شعر أنهم قد يحظون بشعبية تهدّد وجوده.

تصاعد التضييق

قبل أيام عدة، كشف مختبر سيتزن لاب الكندي المعني بالفضاء الإلكتروني والأمن الرقمي، أنه تم التجسس على هاتف البرلماني المصري السابق والمرشح المحتمل للرئاسة المصرية، منذ أن أعلن اعتزامه الترشح لانتخابات الرئاسة التي يفترض إجراؤها العام المقبل، ما دفع طنطاوي إلى تعليق حملته الانتخابية لمدة 48 ساعة.

ربما، كانت السلطة ترغب هي نفسها في أن يرشّح طنطاوي نفسه في وقت سابق، وتذهب تحليلات عدة، من بينها تحليل الكاتب بلال فضل، الى أنها لعبة عضّ أصابع بين السلطة وأحمد طنطاوي، واختبار المدى الذي يمكن أن تذهب إليه حملته، فهل سيلتزم بدوره المرسوم كمرشح ثانٍ أو ثالث للمعارضة يساهم في تفتيت الأصوات لصالح الرئيس عبد الفتاح السيسي؟ لا سيما أن طنطاوي يمتلك حيثية شعبية، على عكس الأسماء الأخرى التي طُرحت أخيراً كجميلة إسماعيل، مرشحة حزب الدستور، وفريد زهران، مرشح الحزب الديمقراطي، وعبد السند يمامة، مرشح حزب الوفد، الذي أثار ترشحه موجات من السخرية، ورغم أنه رئيس حزب عريق، إلا أن المصريين لم يسمعوا باسمه إلا عند إعلانه الترشح للانتخابات.

ترشّح فاق خطره التوقعات

كانت السلطة إذاً في حاجة الى طنطاوي، الذي أثبت أن بإمكانه الذهاب أبعد من مجرد التمثيل المشرف. ومنذ اللحظة الأولى، تجاوز الخط المرسوم والسقف المحدد له سلفاً، بخاصة في ظل حالة الغليان الملموسة في الشارع، والتي شبهها البعض بحالة الغليان التي سبقت انتفاضة الخبز عام 1977، إذ يعاني المواطنون من ارتفاع حاد في أسعار السلع الأساسية. وقد شهدت السوشيال ميديا فيديوات فضفضة من مواطنين عاديين تحت خط الفقر، ورسائل بعضها غاضب وبعضها الآخر يناشد الرئيس السيسي للتدخل، وعلى رغم أن البعض منهم أعلنوا أنهم مؤيدون في الأساس للرئيس، قامت الداخلية بالقبض عليهم.

يبدو أن طنطاوي الذي أعلن ترشّحه للرئاسة المصرية، فاق خطره لدى السلطة التوقعات، فقد كانت أقصى الآمال من هذا الترشح أن يدرك النظام أن الانتخابات ليست مضمونة له كما يظن، وأن هناك عدداً لا بأس به يرفضه حقاً، وهو ما لن يتمكن من إنكاره حتى لو قام بتزوير الانتخابات كما هو متوقع. وقد ذهب أكبر المتفائلين كالمؤرخ خالد فهمي، صاحب البيان الأشد تأثيراً في مسار حملة طنطاوي الانتخابية، على الأقل لدى ما يمكن تسميته النخبة السياسية، الى أن تأييده ترشيح طنطاوي ليس بأمل الفوز، لكن بأمل ما سينتج من خوضه الانتخابات من خبرات جمعية قد تساهم في دفع المشهد السياسي إلى ما هو أبعد. واعتبر فهمي أن حاجة النظام ماسة الى مرشح يهزمه عبد الفتاح السيسي فيما صارت شرعيته على المحك بسبب الخراب الاقتصادي الواضح، الذي أدت إليه سياساته، وهو هفوة من نظام سلطوي، يرتكبها كل نظام مماثل في فترة من فترات من حكمه، وهو ما ثبتت صحته في دول كثيرة سابقاً، بخاصة دول أميركا اللاتينية التي نجحت، عبر خيار المشاركة في “مسرحيات” أعدتها السلطات الديكتاتورية للنجاة من مآزقها، في تحويل تلك المسرحية إلى زخم وحراك أدى مع الزمن إلى إسقاط تلك الأنظمة، حراك لم يكن نتيجة مشاركة واحدة في مسرحية، بل سمح للمعارضة بأن تضع قدماً حقيقية على الأرض، فيما انعدم ما يُعرف بمساحة الرأي.

لم نكن نأمل بفوز طنطاوي أو أي مرشح آخر، فكلنا صرنا رغماً عنا واقعيين، ونعلم أن السيسي رفض حتى الخيارات العاقلة بعدم الترشح مرة ثالثة، وأن يحل محله بديل من داخل النظام نفسه، في ظل مركب يغرق، إلا أنه حتى الخيارـ غير المثالي- هو حل غير مطروح على طاولة الرئيس.

أثبت ما حدث من تضييقات، رعب النظام من مرشح لا يحظى بأي فرص كبيرة في الفوز، الى درجة منعه في الأساس من فرصة دخول الانتخابات، لا التحكم في اللعبة الانتخابية أو التزوير حتى.

ترافق ذلك مع إعلان شديد الغرابة، وهو شراء صبري نخنوخ شركة فالكون للحراسة والأمن، ورغم أن نخنوخ نفى بعد ذلك – ربما عقب موجة من الانتقادات- تلك الأخبار، إلا أن تأييده المعلن للرئيس عبد الفتاح السيسي، يشي بما هو أكبر من مجرد إعلان لمواطن، فنخنوخ شخصية بارزة في مجال السرقة والبلطجة في مصر، وقد اشتهر بارتكابه سرقات في محلات التجارة الكبرى في البلاد، ما أثار رعب المصريين وجعل السلطات الأمنية تلاحقه وأشخاص آخرين مشاركين معه. ويعمل نخنوخ في مجال الحراسات الخاصة بالمباني الكبيرة، ويمتلك جواز سفر دبلوماسياً، وله علاقات قوية برجال الشرطة. وأثير حوله الكثير من الجدل في الآونة الأخيرة، إذ يعد واحداً من أشهر الشخصيات في البلاد، وساهم عبر  رجاله في تزوير الانتخابات في عصر مبارك، وقد قُبض عليه عقب الثورة في آب/ أغسطس 2012، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، إلا أنه حصل على عفو رئاسي عام 2018.

نظام في حالة ذعر!

تشكّل عودة نخنوخ إلى تصدّر المشهد السياسي، وحاجة النظام إليه رغم كل ما يتوافر له من آليات للقمع والتوغل وبلطجية لضمان بقائه، أمراً مرعباً، إذ إن نظاماً باطشاً واثقاً من نفسه سيكون بالتأكيد أقل وطأة من نظام باطش يعيش لحظة ذعر، رغم تحكمه في مقدرات البلاد كافة. وبحسب الكاتب والباحث محمد نعيم، فإن “نظاماً يعمل لديه أكثر من 3 ملايين ضابط، وفي النهاية لا يجد الثقة إلا في بلطجي، يجعل الحديث عن انتخابات رئاسية مسألة عبثية من الأساس”.

الاستعانة بالبلطجية لمنع حملة طنطاوي من إرشاد الناس حول كيفية عمل التوكيلات، ليس أمراً جديداً، لكن التعرض لهم بالضرب هو الأمر الجديد بحسب المؤرخ  خالد فهمي، الذي رغم ملاحظاته على طنطاوي، يرى أن النقطة الأهم تكمن في اقتناعه بسيادة الشعب كفكرة حاكمة لفلسفته في الحكم ورؤيته لمنصب رئيس الجمهورية.

في مقال نشره باللغة الإنكليزية بعنوان Ahmed Altantawy: Towards an alternative elite في نيسان/ إبريل عام 2021، استخدم سيف دويدار أدوات تحليل الخطاب السياسي، محللاً المضامين الرئيسية لخطب طنطاوي وتصريحاته، وقد توصّل في مقاله إلى ثلاثة أمور مقلقة حقاً للنظام الحالي:

الأول، أن طنطاوي يمثل استبدالاً لنخب التيار الذي ينتمي إليه، والثاني أن طنطاوي سينجح في التحوّل الى حزب جماهيري ومعالجة أزمة تياره العميقة، والثالث أن طنطاوي والمشروع المتبلور عن حملته وفي حال نجاته من الاغتيال المادي أو المعنوي، سيمثل التيار الذي سيدخل في مفاوضات مع النظام بعد الانهيار الكبير المتوقع خلال أشهر.