أصغر فاتورة كهرباء في الحيّ!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لقد حقّقت انتصاراً مهماً قبل أيام، لقد استطعت تشغيل الغسّالة خلال إحدى ساعات التغذية من "كهرباء لبنان"... لا لشيء، لكنني أحاول أن أحافظ على لقب صاحبة أصغر فاتورة كهرباء في الحيّ!

كان عليّ أن أتعامل مع فاتورة المولد الكهربائي كأنني أستلم جائزة، السيّدة قالت إن فاتورتي هي الأصغر في الحيّ كله. قالت ذلك وضحكت، قبل أن تستلم الأموال وتضحك قليلاً لتعود إلى دكانها. عدت إلى شقّتي وأنا أحمل الفاتورة في يديّ وضحكة السيّدة تترنّح في رأسي. 855 ألف ليرة فقط لا غير، هكذا كُتب على الإيصال. إنه مبلغ يفوق الحد الأدنى للأجور الذي يراوح مكانه على عتبة 675 ألف ليرة لبنانية. 

صرت أفكّر، كيف قد يعيش شخص بمبلغ كهذا، كيف يستطيع تقسيم راتبه الذي أصبح غير مرئي مع دولار يناطح الـ30 ألف ليرة. 

صورة من أحياء بيروت

حين فاتحت صديقتي بالأمر، أخبرتني عن سبل لتخفيف الفاتورة، كأن “أطفئي جميع الأنوار قبل الخروج”، “حتى فيشة الإنترنت شيليها”، وأضافت: “أوعى تتركي شي، وبس تكوني بالبيت بس لمبة وحدة، لمبة وحدة باسكال”، ورمقتني بنظرة العارفة بأنّ هذا الكار ليس كاري. ثمّ أخبرتني بأنّ عليّ أن أكون “ذكية” في التعامل مع الكهرباء، كأن أغتنم فرصة ساعات التغذية المعدودة من “كهرباء لبنان” لتشغيل الغسّالة والمدفأة. شعرت بأنني في ورطة حقيقية، إنه همّ إضافيّ على الفوضى التي أعيش فيها.

إنها الفاتورة الأولى التي أدفعها بعد انتقالي إلى شقة منفردة بعد سنوات طويلة في مساكن الفتيات. وفي الشهر الأول ذاته، ارتفع إيجار البيت 500 ألف ليرة، وهو مرشح للارتفاع في الأشهر المقبلة، وفق مزاج منصات الدولار.

على مقربة مني يعيش رجل متقاعد من الجيش، راتبه لا يتعدّى المليون ونصف المليون ليرة، وتعمل زوجته في تنظيف البيوت. قرر الرجل قطع اشتراك المولّد عن بيته، يكتفي الزوجان بكهرباء الدولة التي تأتي ساعتين في اليوم في أحسن الأحوال، لتشغيل البراد والغسالة وشحن لمبة صغيرة تعمل على البطارية، يستخدمانها في ساعات العتمة الطويلة. ابنتهما الوحيدة انتقلت للعيش مع جدّتها حتى تستطيع متابعة دروسها وعيش حياة شبه طبيعية لطفلة في السابعة عشرة، تحضّر لامتحان رسمي يفترض أن يجرى في نهاية السنة الدراسية، قبل أن تسافر مباشرة إلى فرنسا حيث تعيش ابنة خالتها. هناك ستدرس وتعمل وتحصل على الضوء والكهرباء دون منّة من أحد، كما تروي أمّها. 

30

لا يمنعني الشتاء من ممارسة عادتي في الجلوس على الشرفة مساءً، إنها متعة قديمة أقاتل بها البرد والمشاعر القاسية. من شرفتي أشاهد البنايات قبالتي، الشقق مغلقة بإحكام بستائر تلف الشرفات وكأن الناس هاجروا إلى الأبد. أفكّر في ما يعنيه ذلك، إنها مسألة مرتبطة بالخصوصية ربما، لكنها أيضاً مرتبطة بالحزن والعزلة. حين أمشي في الحي، يبدو وكأنه غير مأهول بسبب هذا الإغلاق التام كأننا في حالة طوارئ، وحدها بردايتي الصفراء تطلّ من فتحة الشباك ويشدّها الهواء نحو العالم. أفكّر بأنني خارجة عن النظام، لا أحمي عزلتي كما يجب ولا أطوّق حزني كما يفعل جميع الناس هنا، أبدو غريبة جداً عنهم.

إنهم لا يطلون من النوافذ، إلا نادراً، حتى إنني أنتظرهم أحياناً حتى يخرج أحدهم رأسه مشعلاً سيجارة أو ناظراً إلى الخارج. لكنني لا أشعر أن بإمكاني إلقاء أي تحية عليهم، إنهم عابسون، منقبضون، متعبون، يدفعون فواتير ضخمة مقابل السكن في هذه الشقق القديمة البائسة خلف أسوار من القماش.

في الحي الجديد، أحاول حقاً أن أقاوم الفوضى وأن أكون إدارية وأقسّم مدخولي على مصاريفي، لكن الأمر يبدو مستحيلاً، لأنني ببساطة أعيش في بلد لا يكف عن تحطيمنا وتحطيم حياتنا والأنظمة التي نضعها لأنفسنا حتى لا نقع في ديون إضافية ومتاهات جديدة.

لقد حقّقت انتصاراً مهماً قبل أيام، لقد استطعت تشغيل الغسّالة خلال إحدى ساعات التغذية من “كهرباء لبنان”… لا لشيء، لكنني أحاول أن أحافظ على لقب صاحبة أصغر فاتورة كهرباء في الحيّ!

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

عبدالله بكر – صحافي مصري
حوادث الاعتداء على الأطباء وأطقم التمريض، صارت أشبه بالظاهرة في مصر، حيث تشهد المستشفيات، منذ العام 2012 ، على الأقل، عشرات الحوادث كل عام.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني