لماذا لم يكن غزو أوكرانيا خياراً روسياً صائباً؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
TelegramWhatsApp

من يستطيع أن يقرر ما إذا كان لأوكرانيا الحق في السيادة، وللشعب الأوكراني الحق في تقرير المصير؟ 

الغزو الروسي لأوكرانيا سار بشكل سيئ للغاية.

أخطأ الزعيم الروسي فلاديمير بوتين في حساباته بشأن أوكرانيا. فقد قلل من شأن القدرات العسكرية الأوكرانية، واستعداداتها مذ غزت روسيا أوكرانيا للمرة الأولى، وضمت شبه جزيرة القرم وأثارت الحرب في دونباس. فضلاً عن أنه استهان بقدرات النخب الأوكرانية واستعدادها لتنحية خلافاتها السياسية والإقليمية وهوياتها جانباً للعمل معاً ضد الجيوش الأجنبية الغازية. كما كان غير واقعي بشأن الأوكرانيين الناطقين بالروسية وطبيعة دعمهم روسيا؛ فمن الواضح أن حدود هذا الدعم بين الأوكرانيين الناطقين بالروسية لم تشمل غزوهم واحتلالهم وضمهم إلى روسيا.

وقد أخطأ الزعيم الروسي في ما يتعلق بأوروبا. فقد حاول الكثير من الزعماء الأوروبيين التوصل إلى تسوية للأزمة عن طريق المفاوضات، وتبني مواقف سياسية مختلفة عن مواقف الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو). وربما فسر صناع القرار الروس ذلك على أنه دليل على ضعف أوروبا وانقسامها وترددها. وفي الوقت نفسه، ربما كان الانسحاب الأميركي الفوضوي والمهين من أفغانستان قد أقنع الكرملين بضعف الغرب وعدم قدرته على الرد. بيد أن غزو روسيا دولة أوروبية ذات سيادة أجبر أوروبا على إعادة تنظيم صفوفها وفرض عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا، وتقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا باستمرار. وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، أعطى الغزو الروسي هدفاً للناتو.

والأهم من ذلك كله، هو أن بوتين لم يكن واقعياً بشأن قواته وقدرات جيوشه. فقد أبدى الجنود الروس عدم رغبتهم في القتال في أوكرانيا؛ وتشهد على ذلك الحالات التي تخلوا فيها عن الدبابات وغيرها من المعدات العسكرية. ومن الواضح أن المعدات العسكرية الروسية تعاني من نقص الصيانة، فضلاً عن أن اللوجستيات الروسية مُنهَكة، ولكن الأمر الأهم، هو أن الجيش الأوكراني أثبت أنه أكثر مهارة في خوض حرب باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة والجمع بين الأسلحة -الأسلحة المشتركة. علاوةً على ذلك، يبدو أن المؤسسة العسكرية الروسية عاجزة عن خوض هذه الحرب: فقد تحول الهدف الأولي لاحتلال كييف في غضون بضعة أيام إلى فشل ذريع: إذ لم تتمكن القوات الغازية من فرض الحصار على العاصمة الأوكرانية. بعد مرور أكثر من شهر على الغزو، ما زالت القوات الروسية غير قادرة على تحقيق التفوق الجوي، في حين تواصل الطائرات العسكرية الأوكرانية والمروحيات والطائرات المُسيرة عملياتها، وما زالت الدفاعات الجوية الأوكرانية تقاوم الهجمات الجوية الروسية.

كيف لنا أن نفسر أن فلاديمير بوتين وصناع القرار الروس ربما كانوا مخطئين إلى هذا الحد؟ ومقارنة ذلك مع استراتيجيات فلاديمير بوتين الذي أبدى خلالها فهماً تكتيكياً ذكياً للصراعات وتوازن القوى في أماكن أخرى، وتلاعب بخبث بمختلف المصالح المتناقضة لتعظيم قوته. في إطار الدراسات الاستراتيجية، هناك كتابات كاملة تم إعدادها منذ عام 2014 حول “الحرب الهجينة” الروسية، والتي تدور فكرتها الأساسية حول أن روسيا طورت مجموعة معقدة من الأدوات لتعظيم نفوذها الدولي في حين أن لديها اقتصاد عسكري ضعيف وغير متطور، وفجوة تكنولوجية ضخمة مقارنة بالناتو. كانت هذه “الحرب الهجينة” استجابة روسيا على تفاوت القوة، الذي مورس بنجاح في صراعات دولية كثيرة، بدءاً من سوريا إلى ليبيا ووصولاً إلى وسط أفريقيا.

أحد التفسيرات التي كثيراً ما تُطرح في هذا الشأن هو أنه بسبب الفترة الطويلة التي امتدت خلالها جائحة “كورونا”، فقد بوتين حسه بالواقع. فقد كان الرئيس الروسي الذي يتمتع بسلطة أكبر من أي زعيم آخر منذ جوزيف ستالين، يحكم خلال معظم فترة الجائحة في معزل، غالباً من قصره في سوتشي. وقد كان التعبير الأكثر وضوحاً عن هذه العزلة بسبب الخوف من كورونا هو الطاولات الطويلة التي فصلت بوتين عن مرؤوسيه أو كبار الشخصيات الأجنبية. غير أن هذا التفسير لا يكفي. فعند النظر في الطريقة التي أدار بوتين من خلالها الحرب في القوقاز عام 2020، عندما شنت آذربيجان هجوماً على مرتفعات قره باغ الجبلية. فقد اتبع بوتين سياسة ترمي إلى تحقيق التوازن، حيث سمح لآذربيجان بمهاجمة القوات الأرمنية خلال 44 يوماً من الحرب، فقط للتدخل وتوسيع نطاق النفوذ الروسي في جنوب القوقاز.

لعل أفضل مصدر للبحث عن تفسير هو فلاديمير بوتين نفسه. ففي 12 تموز/ يوليو 2021، نشر الرئيس الروسي مقالاً بعنوان “حول الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين”، حيث طرح حججاً تاريخية حول وحدة الشعوب السلافية الشرقية (الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين). فقد وضع المقال الأسس الأيديولوجية لغزو روسيا لأوكرانيا، وجادل بأن الشعب الأوكراني لا يتمتع بهويته المناسبة، وبالتالي فإن الأمة الأوكرانية ليس لها الحق في السيادة كدولة مستقلة. فقد استخدم بوتين، مثل الكثير من المستبدين الآخرين، التاريخ الزائف الذي ليس مجال تخصصه، لتعزيز المطالبات السياسية ذات الطبيعة الأيديولوجية.

من يستطيع أن يقرر ما إذا كان لأوكرانيا الحق في السيادة، وللشعب الأوكراني الحق في تقرير المصير؟ 

هو بوتين الاستبدادي نفسه، الذي ظل في السلطة لأكثر من عقدين من الزمان حتى الآن، تحت ذريعة المصلحة العليا للدولة الروسية، والمهمة التاريخية التي يعزوها إلى نفسه.

 فعندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، كشف بوتين عن بُعد آخر لشخصيته، فهو شخص عاطفي وغير عقلاني وأيديولوجي إلى حد كبير. ومن خلال إعلان أن الحرب تهدف إلى نزع سلاح أوكرانيا و”التخلص من النزعة النازية” فيها، حدد الزعيم الروسي أهدافاً مستحيلة، ما يجعل الحرب الروسية في أوكرانيا عسيرة على النصر.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني