رسالة من الأمم المتحدة إلى الحكومة اللبنانية المقبلة:
 استعادة الثروات المنهوبة وتعزيز المساءلة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

14.05.2022
من المفارقات التي يجب التوقف عندها أن مصرف لبنان (البنك المركزي) وهو المالك الأول للثروة الوطنية يشكل أحد أكثر المؤسسات العامة إشكالية خصوصاً لجهة الشفافية

أوليفييه دي شوتر، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان

ستتاح للشعب اللبناني فرصة لتغيير مسار تاريخه خلال انتخابات 15 مايو/أيار 2022. وحدها حكومة لديها خطة واضحة للقضاء على الفساد، وخفض مستوى الفقر وعدم المساواة على نطاق واسع، وإعادة الخدمات العامة سينظر إليها السكان والمجتمع الدولي على أنها حكومة ذات مصداقية.

بصفتي المقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان، قدت بعثة لتقصي الحقائق إلى لبنان لتقييم استجابة الحكومة الحالية للأزمات المتعددة التي تؤثر على البلاد، ولإجراء تحقيق معمق في الأسباب الهيكلية لهذه الأزمات وآثارها. نُشرت اليوم نتيجة التحقيق الذي أجريته في تقرير للأمم المتحدة. والاستنتاج واضح؛ فالدولة اللبنانية، بما في ذلك الحكومة والمصرف المركزي، مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي نتجت عن الأزمة، بما في ذلك الإفقار غير الضروري لملايين السكان في لبنان. وليغيّر لبنان مساره، سيتعيّن على الحكومة المقبلة أن تضع الحقيقة والشفافية والمساءلة فوق المناورات السياسية الفارغة، والمشاحنات العقيمة وأشكال الطائفية المدمرة.

تظهر الاحصاءات بين عامي 2017 و2021 ، أنّ الودائع التي يحتفظ بها المقيمون في لبنان في الخارج قد تضاعفت، ما يعني أن اصحاب النفوذ والعارفين ببواطن الامور وحجم الازمة الملوّحة في الأفق قد عمدوا الى نقل أموالهم إلى خارج لبنان، ما أدى إلى القضاء على قدرات غالبية الشعب اللبناني.

الفساد هو السبب الرئيسي وراء رغبة اللبنانيين الشديدة في مغادرة بلدهم، ولسبب وجيه: إذ أظهر مؤشر مدركات الفساد لعام 2021 الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية أنّ لبنان يحتل المرتبة 154 من أصل 180 دولة. كما ظهرت في أوراق بنما العديد من الأثرياء الذين شاركوا في السياسة والمصارف في لبنان. كما لا تزال المشتريات العامة غامضة، إذ تُلزّم العديد من عقود البنية التحتية العامة بقيمة مليارات الدولارات إلى 10 شركات مرتبطة سياسيًا. إلى ذلك، هناك تضارب مصالح هائل في النظام السياسي حيث يسيطر بعض كبار المسؤولين في الحكومة على أصول القطاع المصرفي أو حتي أنهم يشغلون عضوية مجالس إدارة أكبر البنوك في لبنان.

تبيّن لي خلال مهمة تقصي الحقائق التي قمت بها في لبنان أن القيادة السياسية بعيدة عن هموم الناس واليأس العارم الذي تسببوا به لدى مختلف شرائح الشعب اللبناني الذي تسببت الطبقة السياسية بتدمير سبل عيشه، والاسوأ من ذلك ان حياة هذه القيادات السياسية تستمر وكأن شيئًا لم يكن.

قال لي احد الوزراء: “الناس يأكلون في المطاعم” – مدعياً ان هذا الامر دليل إيجابي على فعالية مزعومة لسياساتهم – لكن حقيقة الامر ان تناول الطعام في المطاعم ليس علامة على الانتعاش بأي معيار جاد وعلمي، خصوصًا بعدما أظهرت التقديرات أن 90 في المائة من السكان يعيشون في الفقر. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى الترابط الوثيق بين الفقر وعدم المساواة، ورغم ذلك بدت القيادة السياسية العليا متجاهلة عمدًا لهذه العلاقة ومدى أهمية السياسات الضريبية العادلة القائمة على مبدأ إعادة التوزيع التي تحول العبء الضريبي نحو أصحاب الثروات والدخل الأعلى. ويتعارض التجاهل المتعمد لهذه الوقائع مع الأدلة الراسخة على أن عدم المساواة يؤدي الى المزيد من الاضطرابات المدنية ويقوّض الثقة بالدولة، ويزيد بشكل كبير من مخاطر التخلف عن السداد. واستطراداً فان المزيد من عدم المساواة يؤدي إلى مزيد من الضغط على الخدمات العامة. وفيما يتحول الأثرياء إلى اعتماد بدائل خاصة بهم للتعامل مع الكثير من المشكلات، فان اوضاع الشعب اللبناني عموماً تتدهور ولا سيما في قطاع الخدمات العامة. ورغم كلّ ما تقدم، فإن السياسيين اللبنانيين حولوا بلدهم عمداً إلى بلد من أكثر البلدان التي تسودها أوجه عدم المساواة في العالم لصالح من هم في سدّة الزعامة.

يفترض ان تتحمل الحكومة المقبلة مسؤولية النهوض بمهمة ضخمة لإظهار مصداقيتها والتأكيد أنها تستطيع مكافحة الفساد المستشري في لبنان وإنهاء الحالة الشاذة في الإفلات المستمر من العقاب وتدمير سبل عيش الشعب اللبناني

ويعود هذا التفاوت الشديد بين الغنى والفقر إلى اسباب عدة، منها الانخفاض الكبير في ضريبة الدخل والضريبة على الشركات في تسعينيات القرن الفائت والتي افاد منها اصحاب الدخل المرتفع والأثرياء. وفي المقابل أدّت الزيادة التدريجية في الاستهلاك والضرائب الأخرى الى “معاقبة” الفقراء أكثر من غيرهم. كما أدّت هذه القرارات [الضرائب] إضافة الى المستويات العالية من التهرب الضريبي والاستثمارات العشوائية على مدى عقود الى تحويل لبنان عمليَّا إلى نموذج بلد صُنع للأثرياء فقط يتمتعون فيه بملاذ ضريبي إلى جانب خدمات عامة مخصخصة، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية، بحيث لا يستطيع غالبية اللبنانيين الحصول على هذه الخدمات ولا يمكن إلا لقلة قليلة من الاثرياء تحمل كلفتها الباهظة. مع الاشارة الى ان المؤسسة السياسية اللبنانية وأعوانها “يتمتعون” بسياسة الإفلات القانوني من العقاب على ما يقومون به ويتركون غالبية اللبنانيين تحت نير المعاناة. 

يفترض ان تتحمل الحكومة المقبلة مسؤولية النهوض بمهمة ضخمة لإظهار مصداقيتها والتأكيد أنها تستطيع مكافحة الفساد المستشري في لبنان وإنهاء الحالة الشاذة في الإفلات المستمر من العقاب وتدمير سبل عيش الشعب اللبناني، وهناك حاجة ماسة الى وضع خريطة طريق واضحة لاعادة النهوض بلبنان استناداً الى مبادئ حقوق الانسان. والخطوة الاولى في هذا الاطار يجب أن تخضع مؤسسات القطاع العام، وهي مؤسسات ملك الشعب ومن المفترض أن تكون في خدمته، للتدقيق.

ومن المفارقات التي يجب التوقف عندها أن مصرف لبنان (البنك المركزي) وهو المالك الأول للثروة الوطنية يشكل أحد أكثر المؤسسات العامة إشكالية خصوصاً لجهة الشفافية، إذ لطالما اختلفت الممارسات المحاسبية لمصرف لبنان عن المعايير الدولية المعتمدة، خصوصاً لجهة التعتيم الجزئي على بياناته الكاملة منذ العام 2002 والاعتماد على مستويات عالية للغاية من الإيرادات المستقبلية، إضافة الى عدم الإفصاح عن الخسائر المقدرة بأكثر من 60 مليار دولار والتي تراكمت منذ العام 2015 ومن دون أي رقابة. إلى ذلك، وبحكم الأمر الواقع، أُجبر صغار المودعين ومن يتقاضون أجورهم بالعملة الوطنية الذين تبخّرت مدخراتهم على تحمّل هذه الخسائر،  بدون ان يتم التدقيق في حقيقة ما جرى من ممارسات من قِبل أي لجنة برلمانية، علمًا أنّ اللجان البرلمانية المتخصصة هي الأداة الرئيسية لمسائلة البنوك المركزية في بلدان عدة.

اولاً، يجب العمل على منح التفتيش المركزي في لبنان التمويل المناسب للإشراف على كافة المؤسسات العامة، وتأمين الدعم المعنوي والسياسي له لكي يمارس دوره الرقابي للتحقيق في الشكاوى الفردية بشأن الفساد والرشوة. وتجدر الاشارة الى ان بعض الهيئات العامة مستثناة من التدقيق وهو أمر غير معروف على نطاق واسع في لبنان ولكنه لا يزال ساريًا على الرغم من القوانين الكثيرة التي صدرت لمكافحة الفساد. الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وعلى سبيل المثال، هو المؤسسة الرئيسية التي تقدّم التأمين الاجتماعي للشعب اللبناني، وصندوق الضمان هو المالك الرئيسي للأصول العامة على شكل مساهمات يتقاضاها على كل الرواتب، لكن ورغم أهمية هذه المؤسسة ودورها الكبير إلا ان وضعها مبهم للغاية الى درجة أن أحداً لا يعرف حقيقة وضعها المالي الفعلي.

إقرأوا أيضاً:

ثانيًا ، يجب أن تتولى الحكومة الجديدة مهمة المسائلة في قضايا عدة بدءًا من تهريب الاموال اللبنانية وبكميات هائلة الى خارج البلاد تحت غطاء الفراغ القانوني في هذه الناحية (لجهة غياب قانون كابيتال كونترول) والذي أفاد الطبقة السياسية والمتعاونين معها من القطاع الخاص. وتظهر الاحصاءات بين عامي 2017 و2021 ، أنّ الودائع التي يحتفظ بها المقيمون في لبنان في الخارج قد تضاعفت، ما يعني أن اصحاب النفوذ والعارفين ببواطن الامور وحجم الازمة الملوّحة في الأفق قد عمدوا الى نقل أموالهم إلى خارج لبنان، ما أدى إلى القضاء على قدرات غالبية الشعب اللبناني. والأسوأ من ذلك، أن  خطة التعافي المالي في نسختها الأحدث لا تتضمن أي آلية لاسترداد اموال المودعين والمكاسب غير المشروعة في حالات سوء السلوك، وهي طريقة رئيسية لضمان إمكانية مقاضاة المخالفات المالية في المستقبل. وفي هذه الحالة يجب محاسبة النخب السياسية والمصرفية المتآمرة على تدمير اقتصاد البلاد.

لقد سئم الناس في لبنان من كونهم “صامدين” وهم  يريدون بديلاً نظيفًا للمؤسسة السياسية الحالية، ويريدون الحصول على حقهم في الخدمات العامة والقدرة على عيش حياتهم بكرامة. وفي الوقت الذي يخوض فيه لبنان غمار ما أصبح يعرف بألازمة الطويلة الأمد، فلا بد إنشاء آليات مساءلة فوراً لمحاسبة المسؤولين عنها.

* السيد أوليفييه دي شوتر هو المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان منذ الأول من شهر أيار/مايو 2020. ضم وفد المقرر الخاص إلى لبنان (1-12 تشرين الثاني /نوفمبر 2021) كبيرة المستشارين، بولا فرنانديز وولف، وموظفي مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. والمقرّرون الخاصون جزء ممّا يُعرَف بالإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان. وهي التسمية العامة لآليّات المجلس المستقلّة المعنيّة بالاستقصاء والمراقبة والرصد. والمكلفون بولايات في إطار الإجراءات الخاصة هم من خبراء حقوق الإنسان الذين يعيّنهم مجلس حقوق الإنسان كي يعالجوا إمّا أوضاعًا محدّدة في بلدان محدّدة، وإمّا قضايا مواضيعيّة على مستوى العالم كلّه. وخبراء الإجراءات الخاصة يعملون على أساس طوعي؛ وهم ليسوا من موظّفي الأمم المتّحدة ولا يتقاضَون أجرًا لقاء العمل الذي يقومون به. كما أنّهم مستقلّون عن أيّ حكومة ومنظّمة، ويقدّمون خدماتهم وفق قدراتهم الفرديّة.

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
هناك مراوغة وعنصرية غربية في تناول مونديال قطر، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون هذا النفاق الذي تمارسه دوائر غربية درعاً لحماية قطر أو أنظمة مشابهة عبر إثارة مسألة “احترام الثقافة والعادات” بوصفها مسلّمة أو جواباً حقيقياً على تلك الازدواجية.
Play Video
هل أصبحنا أمام شرطة أخلاقية جديدة ومحاكم تفتيش تراجع حال كل عمل فني وكاتب ومبدع؟

4:37

Play Video
مصطفى الأعصر كاتب وباحث مصري، شارك في التظاهرات الاحتجاجية خلال الثورة المصرية ثم أعتقل وبقي في السجن دون محاكمة ثلاث سنوات. زامله في الاعتقال شادي حبش مخرج أغنية “بلحة” التي مُنعت بسبب انتقادها الرئيس المصري.

3:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني