علم قوس القزح ما عاد يرمز إلى الحب يا سارة حجازي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هذا المقال الثالث الذي أكتبه عن سارة، وفي كل مرّة أشعر أنّني أعيد نفسي. أكتشف مشاعر جديدة متضاربة وغير متّزنة. أتمنى أن لا يموت أحد لأجل الحب، او لأجل راية.

تقول سارة حجازي في مذكراتها التي كتبتها في سجن القناطر عام 2017 “إنّنا خدعنا حينما اعتقدنا أنّ الحب قد يغير العالم”. سارة اكتشفت في مذكراتها أنّ الدماء والأشلاء والموتى هي التي تغير العالم، ونحن الذين شعرنا أنّ الحبّ وسيلة التغيير، نكتشف لاحقاً أنّ الأدب والفن والأحاسيس والمشاعر هي أمور محصورة بنا نحن، ولا مكان لتغيير العالم بها.

لا تعبّر سارة هنا سوى عن الاستسلام، فما عاد الحبّ يعني لها شيئاً هنا. هي كانت سجينة حينها، والسجن بحسب تعبيرها “هو أرض المعاناة والرعب – ومقاومة ما يبثه هذا السجن من شعور قبيح لهو أمر صعب”. ربما هذا هو الانعكاس لما كانت تمر به في السجن، ليس من يأس وحزن، بل من عنف واضطهاد. فلا مكان هنا لوصف ما مرت به من “انهزام” أو “اكتئاب” أو “وحدة”، هو أكثر من ذلك لأنّه هو كل هذا مع تعنيف وألم وتحرش. 

مرّت سنتان منذ انتحار سارة أو رحيلها عن العالم، وما زال علم قوس القزح هو رمز الخوف لا الحب، هذا الجزء التشاؤمي منّي اليوم على الأقل، بالأخص حينما أقرأ مذكرات سارة حجازي من السجن. هذا مجرد انعكاس للصدمة التي شعرت بها حينما قرأت أنّ علم قوس القزح دمّر حياة فتاة في مكانٍ ما. فلا يستحق أن يموت أحد بسبب رفع العلم. ربما لهذا كرهت سارة الحبّ، ربما رفعت العلم، كتعبير عن قوة الحبّ، وإذ بها تصبح سجينة هذه الفعلة، تتغير حياتها بالكامل، لتعي أنّ الحبّ لا يغير العالم. لا تعلم ساره اليوم أنّ رمزية علم قوس القزح منذ وفاتها تغيرت. أتمنى أنها على دراية بذلك، بطريقة ما. أصبحت رمزية العلم أقوى بالنسبة لي على الأقل، فهذا العلم يخيفني، ويجعلني أتمنى لو لم يكن موجوداً ليأخذ سارة منّا. 

“إنّنا خدعنا حينما اعتقدنا أنّ الحب قد يغير العالم”.

لا أحد هنا يعلم إن كان العلم مخيفاً أو رمزاً الحبّ الذي خدع سارة، فحتى علاقتنا بالراية أصبحت متعارضة، ومشاعرنا متضاربة. هذا ما تفعله السلطة والشرطة، تلخبط مشاعرنا وتضعها في خاناتها  الشريرة. وتترك لنا شعور “اللعنة”، نلعن الحبّ والسلام، ومن وضعنا في هذه الجهة من العالم. تختم سارة مذكراتها بـ”اللعنة يا رفيق علينا لأننا أحببنا السلام والحب والحياة وآمنا بالاختلاف”. 

جميل أن نمر بكتابات سارة بعد موتها، أن ننشرها ربما ونركّز على مشاعرها، فهي قالت كل ما نريد أن نقوله اليوم عن موتها وسجنها وعذابها والمنفى والمنزل والحب. هي كتبت كل هذا قبل الانتحار. تعلم سارة هذه المشاعر في غربتها، وبقيت متعلقة بمصر وناسها، مع أنّ جحيم السجن غيّر مشاعرها تجاه الأمور هذه كلّها. ماتت سارة في المنفى، ولم تنس في رسالتها أحد، لا أصدقاءها ولا اخوتها ولا العالم حتى. برّرت رحيلها لأخوتها وأصدقائها، وسامحت العالم. صفر أنانية. لا خوف من الموت، ولا هروب من المسامحة. قد يكون ما فعلته وما كتبته قاسٍ لنا، ومريحاً لها، قد يكون رمزية جديدة للعلم، وفكرة أخرى عن الحبّ. قد يكون الكثير من الأشياء التي لا نعرفها ولن، حتى لو قرأنا كل ما كتبته سارة. 

تشاجرت مع صديقي منذ فترة على فكرة رفع علم قوس القزح. لا أكترث حقاً إن منعت قطر رفع العلم في المونديال. لا أريدها أن تسمح بذلك اصلاً. لا أريد أن أرفع علماً يذكرني ببشاعة انتحار سارة في بلد لا يستحق ذلك. العلم هو قضية، وهذه الدول لا تستحق قضية عن الحبّ. العلم في هذه البلدان ما هو إلّا تذكير أنّ الشرطة أقوى من الحبّ، وأنّ السلطة أبشع من لحظة فرح ودوبامين في حفلة غنائية. هو لا يذكرني سوى بالمنفى والانتحار، فقَدَ بالنسبة لي أي رمزية أخرى. 

إقرأوا أيضاً:

كانت للأعلام وما زالت رمزية كبيرة. ففي الثورة في لبنان أذكر أنّ شباناً من “حزب الله” أحرقوا علم إسرائيل في وسط ساحة الشهداء، ليصرخ صديقي علي فيهم: “شو عم تزايدو علينا بكره إسرائيل؟”. ونتشاجر جميعاً في الساحة بسبب العلم… الأعلام إن رفعناها أو حرقناها، غالباً ما تحمل رمزية قوية، هي ما يمثل بلداً أو حالة، هو صرخة من نوع آخر. ومع هذا سواء في حالة الحرق أو الفرح لم يعد يعني شيئاً، هو حالة تعبير، وأحياناً نُحاسب على التعبير بالسجن والتعذيب. هل حقاً نريد أن ندفع ثمن كل ذلك؟ تسجل الأعلام مواقف، وهي غالباً ما ترتبط بوطن أو بلد، فحتى السوريون فرقوا علم المعارضة عن علم الدولة. إنّ الرايات في دولنا هي تسجيل موقف، وحرب سياسية ناعمة، إلا علم قوس القزح. لا يرفع أحد علم قوس القزح ليُسحل أو يموت أو يعارض، نرفعه للفرح، والابتهاج وفي لحظة سعيدة، نرفعه في حفلة غنائية، لا في مظاهرة وبين الخصوم، ولا في حرب أو ثورة. ومع هذا، يعاقب رافعه بموت وعذاب وسجن. 

الخيبة اليوم تشبه كتابات سارة، فلا اتساع للفرح بانتصارات صغيرة. أحاول أن أجد شيئاً جميلاً في قصة سارة، ربما في نشر مذكراتها من السجن أو مقالاتها. ربما أن أحيي مأساتها بطريقة لطيفة وجميلة، لكن لا شيء. ما زالت الخيبة قوية بعد عامين. ما زال العلم مخيفاً، وما زالت هذه البلدان الصغيرة غير مستحقة لفرحة أعلام قوس قزح. 

هذا المقال الثالث الذي أكتبه عن سارة، وفي كل مرّة أشعر أنّني أعيد نفسي. أكتشف مشاعر جديدة متضاربة وغير متّزنة. أتمنى أن لا يموت أحد لأجل الحب، او لأجل راية…

إقرأوا أيضاً:

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

الأكثر قراءة

لبانة غزلان – كاتبة سورية
أن تعيش بهوية جندرية مختلفة أو خاصة فهذا أمر مربك ومعقد في المنطقة العربية، والأمر يزداد صعوبة وخطورة في دولة خليجية صغيرة مثل الكويت.
Play Video
يزخر المشهد الخليجي بالكثير من الأحداث الاحتفالية فنياً وثقافياً في سياق ما يعرف بسياسة الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي، لكن الحفاوة التي تطغى لا تخفي مساحات مظلمة عديدة خصوصا تلك المتعلقة بالقضايا الحقوقية والسياسية.

41:35

Play Video
عن سالي وزينب وأخريات، تعرّضن للخيانة والتخلي من قبل شركائهنّ، إثر إصابتهنّ بالسرطان… والحجة جاهزة دائماً، تلبية الحاجات الجسدية!

3:20

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني