fbpx

غزة تحت القصف… ماذا عن الجهاد الإسلامي و”حماس”؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حماس”، بصفتها حكومة الأمر الواقع في القطاع، لن تذهب إلى أي مكان. إنها تطمح إلى قيادة الشعب الفلسطيني بأكمله في إسرائيل والشتات في المستقبل بدلاً من “منظمة التحرير الفلسطينية” و”فتح”، اللتين أفرغتا من كل مضمون.

عميرة هاس 

من الصعب، بل من الوقاحة، سؤال الناس في غزة عبر الهاتف، بينما يستمر القصف، إن كانوا يؤيدون قرار “حركة الجهاد الإسلامي” بالرد بوابل صاروخي لمقتل أحد كبار قادتها العسكريين، تيسير الجعبري ورفيقه. لماذا هو صعب؟ بادئ ذي بدء، من الناحية الفنية. في غياب الملاجئ والقبة الحديدية وأجهزة الإنذار، عانى سكان قطاع غزة البالغ عددهم حوالى مليوني نسمة مراراً وتكراراً من لعبة الروليت الروسية التي مروا بها في أربع حروب منذ عام 2008 وفي عمليات عسكرية صغيرة لا حصر لها.

إنهم منشغلون بالقلق على حياتهم وحياة أقاربهم وأحبائهم، وهم خائفون ولا يسعهم إلا تخيل الأسوأ، ومحاولة قمع الرعب بالنوم العميق أو الثرثرة حول أي شيء آخر غير الحرب الحالية. إنهم مشغولون بمعرفة أي من أقاربهم في جباليا أو رفح قُتل وكيف حال أصدقائهم الذين يعيشون بالقرب من المبنى الذي تم قصفه. يتبادلون المعلومات ومقاطع الفيديو التي تصعب مشاهدتها والتي تظهر من بين الأنقاض أطفالاً يصرخون، ونساء يحاولن، ومنازل تنهار وسط سحابة من الدخان والرماد. غزة مضغوطة وصغيرة، ويبدو أن الجميع يعرف الجميع ويخافون على الجميع.

بين الخوف وأصوات الطائرات بدون طيار والانفجارات، يلجأ الناس إلى استخدام مولد الكهرباء في الحي، لأن الكهرباء لا تأتي إلا 3 ساعات يومياً، إضافة إلى مشكلة انقطاع المياه عن المنازل بطريقة غير منتظمة، ومياه الصنبور غير الصالحة للشرب. لهذا يخاطر الناس ويغادرون منازلهم بحثاً عن متجر مفتوح لشراء غالونات مياه نظيفة أو طعام، إذ نفدت سلع كثيرة، مع إغلاق إسرائيل معبر كرم ابو سالم. كما عاش أهل غزة قلقاً على سلامة الجدات والأبناء الذين لم يذهبوا للعلاج في القدس الشرقية أو نابلس، حين أغلقت إسرائيل حاجز إيرز.

ولماذا هو سؤال وقح؟ لأنه يطوي ضمنه الافتراض الإسرائيلي ذاته بأن “الفلسطينيين قد بدأوا من جديد”، وأن هذا وضع متماثل بين دولتين تتمتعان بسيادة، دون الأخذ  في الحسبان استمرار إسرائيل في تحديد حياة الفلسطينيين في القطاع، وفي الضفة الغربية.

إقرأوا أيضاً:

عندما بادرت بعملية الاغتيال وأحبطت الهجوم، بحسب رأيها، راهنت إسرائيل على أن الجهاد الإسلامي سيتبع النص الذي كتبته. أي أنها أعادت عن قصد المستوطنات المحيطة بغزة إلى دائرة الخوف من الصواريخ وأجهزة الإنذار وأصوات الاعتراضات. عندما اتبع الجهاد السيناريو الذي كتبته إسرائيل، كان عليه أن يفترض أنه لن يكتفي بجولة واحدة فقط من مبادرته وردها. أي أنه كان عليه أن يأخذ في الحسبان أن إسرائيل ستعود وسيعود تفجير القنابل “الجراحية” التي تقتل وتجرح مدنيين فلسطينيين غير مسلحين، وهي قنابل تلحق أضراراً جسيمة بالممتلكات وتعيد مليوني محاصر إلى دائرة الرعب والإرهاب، وخطر الموت.

لهذا طُرح هذا السؤال: هل يؤيد الناس رد الجهاد الإسلامي على العدوان الإسرائيلي؟ الجواب: ما دامت النار مستمرة فهذا ليس وقت اكتشافها، لكن الناس يتهامسون بشيء عن شكوكهم وتعبهم من جولات الحروب والدمار الذي لا يحقق شيئاً ولا ينهي الحصار. في وقت لاحق ربما ستزداد هذه الأصوات. تُظهر التجربة أن هناك عتبة من المجازر والدمار التي إذا عبرتها إسرائيل مرة أخرى- فسكان قطاع غزة، على رغم الرعب والخوف، سيدعمون بالفعل أي رد عسكري فلسطيني وإن لن يمنع إسرائيل من الاستمرار في القصف والقتل والقتل.

في الوقت الحالي، الأمل في غزة باستمرار وقف إطلاق النار هو نوع من الإجابة على السؤال. لكن الجواب الأعلى هو قرار “حماس” بمحاصرة النار. هذه منظمة تستمع إلى همسات قلب الجمهور (على رغم أنها لا تتصرف دائماً وفق ما يريده). هناك أصوات على “فيسبوك” وصفت عدم مشاركتها في الحملة العسكرية بـ”الخيانة”. لكنهم أقلية. وتفترض مصادر في غزة أن غالبية الجمهور راضية عن تراجع “حماس” وعدم مشاركتها في إطلاق النار، كضمان لوقف إطلاق النار الوشيك.

“حماس”، بصفتها حكومة الأمر الواقع في القطاع، لن تذهب إلى أي مكان. إنها تطمح إلى قيادة الشعب الفلسطيني بأكمله في إسرائيل والشتات في المستقبل بدلاً من “منظمة التحرير الفلسطينية” و”فتح”، اللتين أفرغتا من كل مضمون. وكحزب حاكم، فهو بالتأكيد على دراية بالمسح الذي أجرته “منظمة إنقاذ الطفولة” ونشرت في حزيران/ يونيو بعنوان “محاصرون”. ووجد الاستطلاع أنه بعد 15 عاماً من الحصار الذي تفرضه إسرائيل، تتفشى البطالة والفقر الناجمين عن الحصار وأربع حروب- أربعة من كل خمسة أطفال في قطاع غزة (80 في المئة) يعانون من الاكتئاب ويعيشون في خوف وحزن. عام 2018، في استطلاع سابق أجرتهالمنظمة، كان معدلهم 55 في المئة. التبول اللاإرادي، وعدم الرغبة في الكلام، وعدم القدرة على إيجاد طرق إيجابية للتعامل مع الصعوبات، والشعور بأن الأسرة والأصدقاء غير داعمين، وقلة التركيز… كلها بعض العلامات النفسية غير المفاجئة التي ورد ذكرها في التقرير، والتي يعاني منها معظم الأطفال. كما تبين أن أكثر من نصف الأطفال في قطاع غزة يفكرون في الانتحار، وثلاثة من كل خمسة يفكرون في إيذاء النفس.

أموال الصدقات من قطر والدعم العسكري لن تحل هذه المصاعب. حتى لو كانت “حماس” تميل للتشكيك في دقة استطلاعات الرأي “الغربية” القائمة على نظريات نفسية “غربية”، فلا يمكنها تجاهل المعطيات بشكل كامل وارتباطها المباشر بالحروب. إسرائيل ومواطنوها لا يهتمون وكذلك الحكومات الغربية التي تتحدث عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” بينما تتجاهل بشدة سيطرتها على القطاع. إن لم تكن حكومة غزة الفعلية، تحاول التوصل إلى نتيجة مفادها أن توسع الحرب الحالية يضر بالناس… فمن قد يفعل ذلك؟

إقرأوا أيضاً: