fbpx

نقاش صريح يحتاجه الفلسطينيون بعد حرب إسرائيل على غزة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا بد من استراتيجية سياسية و كفاحية واضحة لشعب فلسطين، حتى لا يبقى كأنه حقل تجارب، او حقل رماية، وحتى يستطيع ان يستثمر في كفاحه وتضحياته ومعاناته وبطولاته، وعلى أساس أن المقاومة، بكل أشكالها، هي فعل سياسي وكفاحي طويل الأمد.

يحتاج الفلسطينيون إلى نقاش صريح، ومعمق، ومسؤول، في كل شيء يتعلق بهم، بواقع مجتمعاتهم، كياناتهم، خطاباتهم، علاقاتهم، طرق كفاحهم، إدراكهم لماهية إسرائيل، وطريقة صراعهم معها، رؤيتهم لمكانتهم في الإطارين العربي والدولي، بعد كل هذا التدهور في أحوالهم.
بمناسبة الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، ثمة ملاحظات أساسية:
أتت تلك الحرب بعد تجربة قاسية ومريرة وباهظة للفلسطينيين في أربعة حروب وحشية ومدمرة، شنتها إسرائيل عليهم (2008، و2012، و2014، و2021)، وكلها ذهب ضحيتها حوالي 5000 من فلسطينيي القطاع، معظمهم من الشباب، مع إصابة عشرات الألوف بجروح مختلفة (ضمنهم ضحايا الرصاص الإسرائيلي في تجربة مسيرات “العودة” (عامي 2018 ـ 2019)، هذا إضافة إلى تدمير معظم البنى التحتية وعشرات ألوف المنازل.
معلوم أن قطاع غزة، الذي يقطنه مليونان من الفلسطينيين (من المناطق الأعلى كثافة في العالم)، يفتقد إلى الموارد (الماء والكهرباء والمحروقات والمواد الطبية ومواد الإعمار)، ونسبة البطالة والفقر فيه عالية جدا، ويبلغ دخل الفرد فيه 1200 دولار سنوياً، وهذا ثلث دخل الفرد في الضفة الغربية (متوسط دخل الفرد في إسرائيل 51 ألف دولار)، وطبعا إسرائيل هي التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن ذلك، باعتداءاتها على القطاع وحصارها له منذ 15 عاما (2007)، مع مسؤولية فلسطينية، ضمنها السلطة التي تدير القطاع.

كيف شرذمت إسرائيل الفلسطينيين


استطاعت إسرائيل، طوال الفترة الماضية، فصل فلسطينيي الضفة عن فلسطينيي القطاع، لكن ذلك حدث، أيضاً، بسبب الانقسام الفلسطيني، إذ هناك سلطة فتح في الضفة، وسلطة حماس في غزة، وهذا يضاف إلى الوضع الخاص لفلسطينيي القدس، الذين هم تحت السلطة الإسرائيلية، إضافة إلى الوضع الخاص للفلسطينيين في إسرائيل. أي أن إسرائيل استطاعت تقسيم وتجزئة الشعب الفلسطيني، واستطاعت، أيضا، خلق أوهام حول أولويات أو خصائص كل تجمع، فاقم من ذلك افتقاد الفلسطينيين لرؤية وطنية جامعة، و استراتيجية سياسية واضحة، كما فاقم منه تحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرر وطني إلى سلطة (وفقا لاتفاقات أوسلو 1993)، مع رواية أخرى تقارب الرواية الإسرائيلية، (القيادة الرسمية باتت تنطلق من ان الصراع مع إسرائيل بدأ عام 1967، باحتلالها الضفة والقطاع، وليس من النكبة، وولادة مشكلة اللاجئين، عام 1948، بقيامها كدولة استعمارية استيطانية عنصرية) علما إن الحركة الوطنية الفلسطينية انطلقت قبل احتلال الضفة والقطاع!
بديهي أن الانقسام، وتاليا الاختلاف، والتنازع بين السلطتين، أثر سلبا على وحدة الفلسطينيين كشعب، وعلى معنوياتهم، كما أضعف طاقتهم في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
رغم تجربة غنية وطويلة عمرها 57 عاما مازال الفلسطينيون يفتقدون لاستراتيجية سياسية ونضالية مناسبة، وواضحة، ومجدية، لخوض صراعهم مع إسرائيل، بما يمكنهم من استثمار كفاحهم وتضحياتهم وبطولاتهم لانتزاع حقوقهم، وذلك بحكم تخلف قياداتهم، وترهل كياناتهم السياسية، وضعف مراجعتهم لتجربتهم الكفاحية الغنية والمعقدة والباهظة (عمرها 57 عاما)، وتبرمهم من نقد أوضاعهم، عدا عن انقساماتهم واختلافاتهم في كل شيء، وكلها أمور فاقم منها تحول حركتهم الوطنية من حركة تحرر وطني إلى سلطة، قبل إنهاء الاحتلال، وضمنه سلطة تنسق مع الاحتلال (في سابقة تاريخية فريدة من نوعها في العالم)، إلى درجة بات يصح القول معها بأن الفلسطينيين قبل إقامة تلك السلطة كانوا اكثر وحدة وتحررا وجرأة في صراعهم ضد إسرائيل وسياساتهم منهم بعد إقامة تلك السلطة.

إقرأوا أيضاً:


مزايدات الفصائل


في الأيام الماضية تم ترويج ما يفيد أن إسرائيل تعهدت بالإفراج عن قياديين من حركة الجهاد معتقلين لديها، باعتباره، بين تفاهمات أخرى، سببا لوقف الحركة إطلاق الصواريخ، وقبولها وقف الحرب، وزاد قائد حركة الجهاد، من طهران، بأن حركته سجلت انتصارات على إسرائيل. والواقع فإن ذلك الكلام ينطوي على مبالغة، وتضليل، وعدم مسؤولية، فمع الاحترام والتقدير لشجاعة المقاومين، وصمود أهل غزة، وإرادة المقاومة عند شعب فلسطين، فإن الصواريخ الألف التي أطلقت على إسرائيل لم تؤثر، ولم تصب فيها شيئا؛ هذا أولاً. ثانيا، ثمة سذاجة في الاعتقاد بأن اسرائيل تلتزم باتفاقيات او تفاهمات موقعة او شفوية، ولنراجع تجارب الحروب الأربعة الوحشية الأخيرة التي شنتها على غزة، فأين هي التعهدات التي تم التحدث عنها لدى وقف كل حرب من الحروب المذكورة؟ ثم أن اتفاق أوسلو (1993)، الذي وقع بشهادة دولية في البيت الأبيض (ضمنها توقيع الرئيس بيل كلينتون)، قوضته إسرائيل منذ ربع قرن جملة وتفصيلا، فكيف يمكن أن تنطلي فكرة أن لدى حركة الجهاد اتفاقا (غير مباشر) مع إسرائيل في هذه الجولة؟!
كما أن كلام زعيم حركة الجهاد يوحي وكأن حركته تمتلك جيشا، أو كأنها هي التي تمتلك زمام البدء بالحرب أو انهائها، إذ توعد (أيضا من طهران) بأنه في حال لم تنفذ اسرائيل وعدها (لمصر) بإطلاق سراح الأسيرين السعدي وعواودة فسيتخلى عن وقف إطلاق النار، بمعنى إشعال الحرب مجددا. وفعلا ثمة خشية من ذلك لأن هذا ما يريح إسرائيل، وهذا ما تريده، أي استدراج الفلسطينيين إلى المربع الذي تتفوق فيه، لأنه يتيح لها إطلاق ترسانتها العسكرية للبطش فيهم واستنزافهم، وتصوير ذاتها كضحية؛ ولو أن صواريخ الجهاد لم تؤثر بشيء يذكر.
يفيد هنا مناقشة فكرة، أو وهم، جرى الترويج له بعد كل حرب من الحروب السابقة المدمرة، التي دفع ثمنها الفلسطينيون في قطاع غزة، ومفادها أنه تم فرض شروط على إسرائيل لوقف إطلاق النار، بظن وجود معادلة: “ردع متبادل” أو توازن رعب، وما سمى “قواعد اشتباك” متفاهم عليها، وأن المقاومة في غزة تقترب من تغيير المعادلات، وتحقيق الانتصار على إسرائيل، يشجع على ذلك تهديدات لفظية من إيران (التي لا ترد على أي غارة إسرائيلية!)، وخطابات نارية من حسن نصر الله الذي يهدد بقطع يد إسرائيل إذا فعلت كذا وكذا (كأنها لم تفعل ما يكفي منذ قيامها لينفذ وعده)، في حين هو لا يصبر البتة في حربه ضد السوريين وسعيه إخضاع اللبنانيين.
أيضا هذا النقاش يذكرنا بـ “قواعد الاشتباك” التي كانت حركة فتح اعتقدت انها فرضتها في صراعها مع إسرائيل، ابان حرب المدفعية الفلسطينية وقصفها مستوطنات محاذية للبنان (1981)، وبقية القصة معروفة إذ بعد أشهر (يونيو 1982)، غزت اسرائيل لبنان، وقضت على الوجود الفلسطيني المسلح فيه، وحينها كان محمود عباس (أبو مازن عضو اللجنة المركزية لفتح) وضع كتابا اسمه: “استثمار الفوز” على أساس أننا فزنا في تلك الجولة من حرب المدفعية في الصراع مع إسرائيل!

يحتاج الفلسطينيون إلى نقاش صريح، ومعمق، ومسؤول، في كل شيء يتعلق بهم، بواقع مجتمعاتهم، كياناتهم، خطاباتهم، علاقاتهم، طرق كفاحهم، إدراكهم لماهية إسرائيل، وطريقة صراعهم معها، رؤيتهم لمكانتهم في الإطارين العربي والدولي، بعد كل هذا التدهور في أحوالهم.

دور حماس في الحرب الأخيرة


بدا لافتا تجنّب حركة حماس الاستدراج إلى تلك الحرب، بغض النظر إن كان ذلك عن حكمة او لحسابات أخرى، مع ذلك فتلك الحركة تتحمل مسؤولية المبالغة بتعظيم قوتها العسكرية (والصاروخية) كأنها باتت توازي قوة إسرائيل أو تقدر على تحديها عسكريا كأننا في حرب نظامية، ولسنا في نطاق حرب شعبية طويلة الأمد، حرب الضعيف ضد القوي. كما تتحمل مسؤولية تحميل قطاع غزة فوق ما يحتمل، ما ينم عن ضعف تقدير لقوة العدو، وضعف حساسية لمعاناة مليونين من الفلسطينيين المحاصرين منذ 15 سنة، في منطقة تعتمد على الخارج في معظم احتياجاتها، وفي مجتمع يكابد البطالة والفقر، مع مشاعر الغضب والقهر والاحباط.
على أية حال فإن تعقل “حماس” جنب فلسطينيي غزة المزيد من الدمار والقتل، وربما هي استفادت من تجاربها السابقة، أو ربما هي تصرفت كسلطة في مسؤوليتها عن غزة، بضائقته المعيشية والاقتصادية، وفي كل الحالات تكون وصلت إلى حيث انتهت حركة فتح قبلها بعقدين أو ثلاثة. وهذا يؤكد أن الحديث عن توازن ردع او رعب او فرض قواعد اشتباك مجرد اقوال او توهمات عند اصحابها تماما مثل وهم السلطة في الضفة بأنها أضحت بمثابة دولة تحت الاحتلال.
ثمة جانب آخر لم توفق فيه المقاومة، يتمثل برفعها سقف التوقّعات، من الحرب ومن المفاوضة، إذ تم تصوير الأمر كأننا إزاء مقاومة مستمرة، وازاء عملية تحرير، أو إزاء هزيمة اسرائيلية تمكننا من فرض ما نريده وضمن ذلك بناء ميناء ومطار (بحسب تصريحات في حروب سابقة لأبو عبيدة)، في حين أن الحديث يدور عن اتفاق على معادلة “هدوء مقابل هدوء”، أي وقف المقاومة، مقابل رفع الحصار عن غزة والسماح بتحويل الأموال وإدخال مواد البناء، وزيادة مساحة الصيد في البحر، أي مطالب إنسانية ومعيشية.
المغزى أن الحرب والمفاوضة يسيران باتجاه العودة إلى مرحلة ما قبل الحرب، وحتى إلى ما قبل الانتفاضة الثانية (2000ـ2004)، بعد عشرة آلاف شهيد (ضمنهم أربعة آلاف في الانتفاضة الثانية) وأضعافهم من الجرحى ودمار عشرات آلاف المنازل والورش والمنشآت الخاصة والعامة الأخرى، ما يعني أن الكفاح المسلح الفلسطيني لا يشتغل على نحو صحيح، وأن الوضع في المفاوضات ليس أحسن حالا، سيما أنه يتعذر على الفلسطينيين فيها تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في الحرب.
فيما يخص القيادة الرسمية الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، فهي ما زالت، كما في كل حرب، لا تدري ما تفعله، إذ فقدت زمام السيطرة، في مختلف الاتجاهات، فقط تفتق تفكيرها السياسي عن وعد بالتوجه نحو الأمم المتحدة لحث الاعتراف بفلسطين كدولة (في حدود الضفة والقطاع)، وهو وهم أخر يجري تشغيله حتى لا تشتغل ما هو مطلوب منها، وكي تحافظ على ذاتها كسلطة، من دون أن تشرح كيف ستفرض ذلك التحول، ولو حتى مع قرار من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن؟ فهل تظن أن إسرائيل ستنسحب من الضفة وتعطيها السيادة مثلا؟
هل انصاعت إسرائيل في تاريخها أي قرار للأمم المتحدة او لمجلس الأمن؟ وما القوى التي تملكها أو جهّزتها القيادة الفلسطينية لانتزاع ما تريد، وتحويل وهمها إلى واقع بعد كل ما فعلته في إضعاف الوضع الفلسطيني والمجتمع المدني الفلسطيني؟!

مستقبل القيادة الفلسطينية


ما هو واضح هنا أن القيادة الفلسطينية تتخبط في رؤيتها لذاتها، فهي لم تعد تتصرف كقيادة لحركة تحرر وطني، ولا تستطيع التصرف حقا كسلطة حتى على شعبها، وهي ليست قيادة فصيل بمعنى الكلمة، وفوق ذلك تتعمد إسرائيل الحط من مكانتها إزاء شعبها. وباختصار لا يوجد أي ملمح لصوغ رأي عام فلسطيني، لا يوجد إلا عجز وتخبط وانعدام حيلة وضيق أفق، فهي لم تنفذ (منذ العام 2015) أي قرار للمجلسين الوطني والمركزي ينص على وقف التنسيق الأمني، وإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وهي تبدو كسلطة لا يهمها شيء سوى استمرار الطبقة السياسية السائدة.
كل ذلك يحيلنا على حث التفكير في عدة اتجاهات، أولا، بخصوص مكانة قطاع غزة في العملية الوطنية: هل قطاع غزة منطقة ما زالت تحت الاحتلال؟ أم باتت منطقة محررة؟ وهل يمكن تحويل غزة إلى قاعدة لمصارعة إسرائيل بالصواريخ وغيرها وتحميلها عبء التحرير أو دحر الاحتلال من الضفة؟ أم الأجدى تحويلها إلى نموذج لمنطقة محررة، يستطيع الفلسطينيون فيها تنمية أوضاعهم كمجتمع، في التعليم والثقافة والاقتصاد والسياسة بانتظار ظروف أفضل؟
ما هو الشكل الأجدى لكفاح الفلسطينيين؟ فهل مقاومة الفلسطينيين لوحدهم تستطيع تحرير فلسطين، أم إن ذلك يحتاج، أيضا، إلى معطيات عربية ودولية مواتية؟ وهنا مفهوم أن المقاومة الفلسطينية يمكن أن تؤلم إسرائيل، وأن تزيد كلفة وجودها، وأن تهدد استقرارها، لكن هزيمتها التاريخية -الكلية، أو الجزئية- تحتاج إلى عوامل أخرى، لعل أهمها يكمن في حصول تغير في البيئتين الدولية والعربية لصالح الفلسطينيين، وتخليق جبهة عريضة من الإسرائيليين المعادين للصهيونية، ومن الذين يتعاطفون بإيجابية، ومن منطق الحق في الحرية والعدالة والكرامة، مع كفاح الفلسطينيين.
باختصار، لا بد من استراتيجية سياسية و كفاحية واضحة لشعب فلسطين، حتى لا يبقى كأنه حقل تجارب، او حقل رماية، وحتى يستطيع ان يستثمر في كفاحه وتضحياته ومعاناته وبطولاته، وعلى أساس أن المقاومة، بكل أشكالها، هي فعل سياسي وكفاحي طويل الأمد، يتأسس على استنزاف العدو، لا استنزاف شعبنا، أو تقويض استقراره وقدرته على الصمود في أرضه.

إقرأوا أيضاً: