fbpx

تجميد العدالة إلى أجلٍ غير مُسمّى:
التحقيق في جريمة مرفأ بيروت رهن التجاذبات حول القاضي بيطار

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كل ما يُحاولون فعله من أمور غير قانونية بات هدفه واضحاً… لا يهمّهم لا الضحايا ولا أهاليهم، كل ما يريدونه هو طمس هذا الملف”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

عشرة أشهر مرّت على كفّ يد القاضي طارق بيطار قسراً عن التحقيق في قضية جريمة تفجير مرفأ بيروت. 

القضية التي أنهت حياة العشرات ودمرت نصف العاصمة بيروت مركونة والعدالة فيها ممنوعة. 

بتاريخ 6 أيلول/ سبتمبر، توافق وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال هنري خوري ومجلس القضاء الأعلى على مبدأ تعيين محقق عدلي ثانٍ في قضية تفجير المرفأ لمعالجة الأمور الضرورية والملحّة إلى حين زوال المانع الذي يحول دون ممارسة المحقق العدلي الحالي طارق بيطار مهامه. لقي هذا التوافق اعتراضات كثيرة من داخل أوساط القضاء والمحامين حول عدم قانونيته وعدم ملاءمته، كما شهد الشارع البيروتي، لا سيما مبنى قصر العدل، احتجاجات عدة لأهالي الضحايا اعتراضاً على استبدال بيطار. 

منذ ذلك الحين، لا ثابت في الملف سوى أنه مُعطّل إلى أجلٍ غير مسمّى. قد يصدر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود قرار يقضي بعودة البيطار، وقد يصدر آخر عن وكلاء أهالي الموقوفين بردّه. الثابت الوحيد إذاً أنه على رغم محاولات الإنعاش الخجولة لملف انفجار المرفأ، إلا أن المعطيات تُشير إلى مرحلة جديدة من العرقلة والحسابات السياسية، ليعود مجدداً إلى مُربّع الصفر.

“استبدال القاضي يُشكّل مسّاً خطيراً بمعايير استقلالية القضاء ومن أهمها عدم جواز نقل القاضي أو تجريده من الملفات التي تدخل ضمن صلاحياته إلا برضاه”.

“كل ما يُحاولون فعله من أمور غير قانونية بات هدفه واضحاً… لا يهمّهم لا الضحايا ولا أهاليهم، كل ما يريدونه هو طمس هذا الملف”، تقول ماريانا فودوليان، التي فقدت شقيقتها غايا في انفجار المرفأ، مؤكّدة أن الأهالي لا يزالون على موقفهم المطالبة باستقلالية القضاء واستكمال بيطار لما بدأه. 

كل ما تفتعله السلطة السياسية، خصوصاً فريقي “حزب الله” و”حركة أمل”، من عرقلات، يعتبر غير قانوني، وعلى رأسها استبدال المحقق العدلي بآخر. وفق المحامية في “المفكرة القانونية” غيدة فرنجية، لا يجوز قانوناً تعيين محقق عدلي ثانٍ في القضية، “لأن قانون أصول المحاكمات الجزائية نصّ على تعيين محقّق عدلي واحد ولأنه يؤدّي إلى نزع ملفّ من قاضٍ خلافاً لإرادته وخارج الحالات التي ينص عليها القانون”. واعتبرت فرنجية أن “استبدال القاضي يُشكّل مسّاً خطيراً بمعايير استقلالية القضاء ومن أهمها عدم جواز نقل القاضي أو تجريده من الملفات التي تدخل ضمن صلاحياته إلا برضاه”. هذا فضلاً عن تعارضه مع القاعدة التي تمنع تعيين بديل في حال وجود أصيل، ما قد يؤدي إلى تجزئة الملف.

أما عن صلاحيات القاضي الرديف، فهي “البتّ في الأمور الضرورية والملحة في ملف انفجار مرفأ بيروت”، وفق الكتاب الذي وجهه وزير العدل إلى مجلس القضاء الأعلى. في الكتاب الأخير، ظهر بوضوح أن الصلاحية المراد منحها إلى المحقق العدلي الثاني تتجاوز بكثير النظر في طلبات إخلاء السبيل وتتجاوز تالياً معالجة القضايا الإنسانية. فهي تشمل، علاوة على ذلك، الدفوع الشكلية أي الدفوع التي من شأنها “إعلان عدم قانونية المحاكمة أو سقوطها أو وقف سيرها”، ومنها الدفع بعدم صلاحية المحقق العدلي. وعليه، بإمكان أيّ مدعى عليه (سواء كان موقوفاً أو غير موقوف) أن يقدّم هذه الدفوع بحيث يمكن أن تسقط الدعوى ضدّه تماماً. وعليه، ينتظر أن يستفيد من هذه الصلاحية الوزراء المدعى عليهم الذين ما فتئوا يدّعون أن القضاء العدلي ليس صالحاً لمحاسبتهم، وأن محاسبتهم تتمّ حصراً أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء وهو مجلس وهميّ لم ينعقد يوماً. وتالياً، من شأن تعيين هذا المحقّق أن يؤدّي إلى إخراج الوزراء الخمسة وربّما سواهم من المدعى عليهم من المحاكمة وضمان إفلاتهم من المحاسبة والعقاب. 

رغبة السلطة بـ”قاضي تعليمات”…

محاولات طمس ملف انفجار المرفأ متواصلة، وما السعي إلى تعيين قاضٍ رديف سوى حلقة جديدة من مساعي دفن القضية. إذ “تشي ظروف التعيين بتوجّه إلى تعيين قاضٍ غير مستقلّ سيكون بمثابة قاضي “تعليمات” أو مهمة يتولى خلالها تنفيذ تعليمات القوى السياسية التي أسهمت في تعيينه أكثر مما هو محقق عدلي. وما يعزز هذه المخاوف هو حصول هذا المسعى تحت ضغط سياسي يستشفّ منه إرادة ليس في ضمان معالجة قضائية لأمور ضرورية وملحة، إنما قبل كل شيء في ضمان نتيجة بعينها”، وفق “المفكرة القانونية“. هذا عدا عن تعريض سرية التحقيق للخطر بفعل تسليم القاضي الرديف ملف التحقيقات كاملاً، بالإضافة إلى تهريب المدّعى عليهم من الملاحقة نهائياً بعد قبول دفوعهم الشكلية، أو قبول طلبات إخلاء سبيل في حالات قد تضرّ بالتحقيق وتسمح بتهريب موقوفين من قبضة العدالة، كل ذلك مقابل إبقاء الضحايا وذويهم والمتضررين في حالة انتظار عدالة مجمدة. 

لماذا تسعى السلطة إلى استبدال القاضي بيطار؟

“التحقيق في هذه القضية سيبقى متوقّفاً إلى حين تنحّي بيطار عن وظيفته كمحقق عدلي فيها…”، بفمٍ ملآن صرّح الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله عن قراره منع القاضي بيطار من استكمال ملفّه، وذلك في إطلالة تلفزيونية بمناسبة الذكرى الثانية لتفجير مرفأ بيروت. ولكن ما سرّ هذا الإصرار على “تطيير” البيطار؟ 

عقب استدعائه عدداً من الوزراء وإصداره مجموعة من طلبات إذن بملاحقة نوّاب وكبار الموظفين ومحامين، تعرّض المحقق العدلي الأصيل طارق بيطار إلى اعتداءات بلغت أرقاماً ومستويات قياسية، كما تمّ تقديم عشرات دعاوى الردّ والنقل بحقه بهدف تعطيل التحقيق. 

ينص القانون اللبناني الحالي على كفّ يد بيطار عن النظر في أي قضية في حال تقديم دعوى ردّ ضده فور تبلغه إياها وبمعزل عن مدى جديتها وإلى حين البتّ بها. وما أن حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز الجدل بشأن المحكمة المختصة للنظر في طلبات الرد ضد المحقق العدلي، سارع عدد من المدعّى عليهم إلى تقديم دعاوى ردّ ضده أمام المرجع الذي أعلن اختصاصه وهي محكمة التمييز. وقد توقّف بيطار عن إجراءات التحقيق فور إبلاغه بطلب دعوى تقدم به الوزيران السابقان والنائبان الحاليان علي حسن خليل وغازي زعيتر لردّه أمام محكمة التمييز. كل ذلك كان منذ 10 أشهر تقريباً، ولا يزال عدّاد تعطيل العدالة يعمل…