fbpx

عرب أم أمازيغ؟ : منتخب أسود الأطلس يفتح سؤال الهوية المغاربية 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

النقاش حول الهوية الذي ظهر في خضم مونديال قطر هو انعكاس لمسلسل متباطئ في مسار تصحيح تاريخ لطالما تم طمسه، بعدما أعطاه اللاعبون المغاربة ومدرب المنتخب نفسا جديدا.

في الوقت الذي كانت فيه كتيبة المدرب المغربي وليد الركراكي، تلعب مبارياتها في ملاعب قطر، وتحقق الانتصار تلو الانتصار؛ كانت مباراة الهوية تُلعب في ملاعب النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يرفض عروبة المنتخب، مؤكدًا أنه منتخب أمازيغي، ومن يرفض أمازيغيته، متمسكًا بعروبته. 

هذا النقاش الذي أذكت جذوته كرة القدم، ليس قديماً، بل هو فصل جديد من جدلية الهوية في المغرب، المنشطرة بين سدنة العروبة وحراس الأمازيغية، كما هو الحال في عموم المغرب الكبير. 

نشر حساب على موقع التواصل فيسبوك، باسم “اسكندر أوس”، عشية فوز المنتخب المغربي على نظيره الإسباني: “على فكرة نحن لا نمثل العرب، نحن أفارقة وهويتنا أمازيغية ومبروك لأبناء الأمازيغ”.

وبعد يوم من نشرها، عاد ونشر أخرى قال فيها “المنشور الأخير الذي كتبته عن كون المغرب يمثل نفسه أولاً كونه بلد أمازيغي الهوية، لم أقصد فيه أن أثير أي نزعة عرقية أو عنصرية، فقط تحدثت عن كون المغرب يمثل هويته كونه بلد أفريقي أمازيغي بدرجة أولى”.

هذا التعليق ورغم كونه تعليقاً فردياً لكنه يحمل نفحة نقاش مزمن يتعلق بالهويات وهو نقاش كثيراً ما يُضبط نقاشه في العلن.

صورة أرشيفية من المغرب تعود للعام 1945

مسار لتصحيح التاريخ 

الأمازيغية هي اللغة الأم للكثير من المغاربة، فالسواد الأعظم ينحدرون من قبائل أمازيغية، في الريف شمالًا، جبال الأطلس وفي سوس جنوبًا، ويعتبر الكثير منهم أن أن “كل ما هو عربي جديد ولم يكن قبل الإسلام”.

في حديثه لـ”درج”، يقول أنيس التايك، وهو ناشط أمازيغي، إن هذا النقاش حول الهوية الذي ظهر في خضم هذه الأحداث الكروية “هو انعكاس لمسلسل متباطئ في مسار تصحيح تاريخ لطالما تم طمسه، بعدما أعطاه اللاعبون ومدرب المنتخب ذوي الأصول المغربية نفسا جديدًا”. فبعض اللاعبين هم من جذور مغربية إذ ولدوا وعاشوا في أوروبا لكنهم يلعبون اليوم مع المنتخب المغربي.

التايك يوضح، أن الدفعة التي أعطاها اللاعبون لهذا النقاش، مسألة بديهية “كيف لا وهم من اكتووا  بنار الغربة مرتين وذاقوا مرارة التشظي الهوياتي وتجرعوا تناقضات و انشطارات لا سبيل للنجاة من تبعاتها سوى الإجابة عن سؤال: من نحن حقا؟”.

ويضيف الناشط الأمازيغي أن هذا المنتخب الذي جاء “في سياق الاعتراف الدستوري بأبعاد الهوية المغربية الحقيقية، والتي يشكل المكون الأمازيغي نواتها الأساس، سهل عليهم إيجاد الطريق الصحيح عمن يكونون”. 

“لقد وجدو في أمازيغيتهم وإفريقيتهم فخراً وتصالحاً مع الذات، ليكتشفوا الجواب الهوياتي الذي يؤكد أن أرضهم التي ينحدرون منها منبع للأمجاد، وبهذا مضوا في صنع مثيلٍ لصنيع أجدادهم” يشرح التايك.

 “الغائب في كل هذا (المونديال) هو المكون الأمازيغي، لأن المنظمين حرصوا على ألا تكون هناك أعلام أمازيغية، وهذا البعد كان متواريًا في هذا المونديال على الرغم من أن هناك لاعبين مغاربة ناطقين بالأمازيغية”.

ويؤكد الناشط المغربي في تصريحه لـ”درج”، على أن “إثارة هذا الموضوع على هذا المستوى فرصة للتذكير بأن اللغة الأمازيغية التي هي إحدى تمظهرات هذا التنوع مهددة بالانقراض، وهي تحت رحمة إرادة المسؤولين وسياساتهم التي لا تستحضر هذا التهديد التي تعاني منه، ناهيك عن باقي التجليات الأخرى كالثقافة والأرض”.

جدير بالذكر، أنه في عام 2011، اعترف المغرب بالأمازيغية كلغة رسمية للبلاد، ومع ذلك، لا يوجد اعتراف عملي بها على مستوى الإعلام والنقاش العام ودوائر الدولة.

ويعود تاريخ الأمازيغ في البلاد إلى عصور ما قبل التاريخ، ما يعني أن السكان الأصليين للمغرب موجودون هنا منذ فترة طويلة.

ومنذ آلاف السنين، حكم الأمازيغ كل شمال إفريقيا، من خلال قبائل مختلفة، وقد عبروا الصحراء وحوض جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله للتجارة والسفر.

وعلى مر القرون، أطلق على الأمازيغ العديد من الأسماء؛ أطلق عليهم الإغريق اسم “الليبيون”، وأطلق عليهم الرومان أسماء مختلفة “النوميديون” و”الأفارقة”، بينما أشارت معظم دول أوروبا في العصور الوسطى إلى هذه المجموعة من قبائل شمال إفريقيا باسم “المور”.

وكان العرب هم من جاءوا باسم البربر، وربما كان إعادة تكييف للمصطلح اليوناني القديم “بربر”، الذي يعني “المتوحشين أو البدائيين”.

شعور الانتماء

لا يتفق المؤرّخ والكاتب المغربي حسن أوريد مع الحديث عن الهوية، بل يرى أن القضية قضية إنتماء، و”شعور الانتماء شعور طبيعي ومشترك، سواء للمغاربة وغير المغاربة”.

وفي حديثٍ مع “درج”، يقول أوريد، “من دون شك أن مشاركة المغرب في مونديال قطر؛ وانتصاراته على بلجيكا، ثم كندا، وبالأخص انتصاره على إسبانيا؛ يشحذ شعور الانتماء، وهذا لا جدال فيه”.

ويضيف أوريد “الشعور السائد هو الاعتزاز والانتشاء من كل الاطياف، وهو الأمر الذي عُبر عنه خلال فرق شعبية وفولكلورية التي تحيل إلى مختلف تلوينات المغرب، من الدقة المراكشية إلى أغاني العيطة، إلى أغاني الشمال والصحراء”.

“لكن اللافت، وبالنظر إلى تنظيم المونديال في قطر، هو غلبة البعد العربي، وهو البعد الذي ظهر جليًا من خلال رفع أعلام فلسطين من الجمهور واللاعبين، في تعبير عن أن انتصاراتهم ليست فقط للمغرب؛ بل هي للعالم العربي”، يشرح الأستاذ الجامعي أوريد.

ويشير إلى أن “الغائب في كل هذا هو المكون الأمازيغي، لأن المنظمين حرصوا على ألا تكون هناك أعلام أمازيغية، وهذا البعد كان متواريًا في هذا المونديال على الرغم من أن هناك لاعبين مغاربة ناطقين بالأمازيغية”.

إقرأوا أيضاً:

هوية مركبة 

هذا النقاش الهوياتي الموجود حاليًا، وفق الباحث نور الدين لشهب، “مفتعل، بين قلة قليلة تحاول أن تتميز بهذا النقاش؛ الذي لا يحمل في صلبه أساسيات النقاش العلمي، ذلك لأن الهوية في المغرب هويةٌ مركبة كما قال عالم الاجتماع بول باسكون”.

ويشير لشهب في تصريحٍ لـ”درج”، إلى أن الهوية المغربية، “تحضر فيها الهوية العربية الإسلامية بشكل متجذر وقوي جدا، كما أن الهوية الأمازيغية حاضرة أيضاً وبارزة، وهاتين الهويتين تلتقيان ولا تتصارعان”.

الباحث المغربي في الإعلام والتواصل السياسي، يرى أن الذين يفتحون هذا الجدل، “يحاولون خوصصة الهوية المغربية، بين أمازيغية وعربية، وهذا غير مطروح، فالهوية المغربية لها عدة روافد؛ العربية، الإسلامية، الأمازيغية والإفريقية كما أن هناك مكونات أخرى كالمكون العبراني، بل حتى الهوية الفرونكوفونية موجودة”.

وبالعودة إلى المحفل الكروي الذي يشارك فيه المنتخب المغربي، والذي فتح هذا النقاش الذي شطر الهوية المغربية إلى إثنين، يقول لشهب: “المونديال عالمي، ويرى العرب أن المغرب يمثلهم، لأنهم جميعًا في أعين الغرب هم دول عربية، وينتمون إلى مؤسسة تسمى جامعة الدول العربية، ولكنهم لا يستطيعون إقصاء الهوية الأمازيغية من الهوية المغربية”.

ويضيف، “الأفارقة كذلك يقولون منتخب إفريقي، لأنه يمثل على المستوى الجغرافي القارة الإفريقية، ومثلا لو كان المونديال بطولة للدول الناطقة بالفرنسية كان المغرب سيشارك، وكنا سنقول المنتخب الإفريقي الفرنكوفوني، ولو كان الكأس إسلامياً كان سيشارك أيضًا، مع كل الدول الإسلامية المتوزعة على خارطة الأرض، ولو كان أيضًا كأساً أمازيغياً كان سيمثلنا منتخبنا، لأن الأمازيغية جزء من هويتنا”.

“لا ينبغي أن نقصي أي أحد من هويتنا، وهذا التركيب الهوياتي ينبغي أن يكون ممثلًا للغنى والتعدد الثقافي والعرقي واللغوي للبلاد”، يختم لشهب.

إقرأوا أيضاً: