fbpx

الانهيار اللبناني… هل وصلنا إلى الارتطام الكبير؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

القرار الوحيد الذي تتخذه الطبقة السياسية هو “اللاقرار” بانتظار حدث خارجي يفعل ما يفعله، وربما يأخذ البلد صوب مسار إنقاذي أو صوب مسار عنفي، وفي الحالتين يبدو أن الانتظار سيّد الموقف.

علامات استفهام كثيرة يقف عندها من يتابع الأزمة المالية والاقتصادية اللبنانية، ومن أهمّ الأسئلة التي يطرحها المعنيّون في أروقة المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية التي تلعب دوراً في أزمات من هذا النوع: متى سيحدث الارتطام الكبير؟ وما الذي يحول دون هذا الارتطام؟ وما العوامل التي علينا رصدها لنفهم ما يحصل؟

لست من محبي الزهو في النموذج اللبناني، ولست من المسوّقين لفرادة تجربة هذا البلد، ولكن هناك أسئلة مشروعة يطرحها المقيم قبل غير المقيم ومن الصعب إيجاد أجوبة شافية عليها: لماذا لا ينهار البلد بشكل كامل؟ وقد يسبقه سؤال عما إذا كان البلد بالفعل قد انهار بشكل كامل. 

والسؤالان يتقاطعان مع سؤال أساسي نغفله في أحيان كثيرة، وهو “ما معنى الانهيار الكامل في النموذج اللبناني؟”. هل الانهيار الكامل صورة مشابهة لواقع الحال ولكنه سيتخذ مسار انحدار بوتيرة أسرع وتأثيرات أقسى لتتوقف سبل العيش للأكثرية العظمى من السكان، وتصبح مشهدية الانهيار واضحة بالعين المجردة دون أن تتأثر بمشهد اكتظاظ مطعم هنا وهناك؟ 

أسئلة كثيرة وبدهية تقول شيئاً واحداً وهو أن ما يعيشه سكان لبنان اليوم هو نموذج هجين من الانهيار الغريب الذي يصعب على المراقبين أن يستعملوا أدوات تحليلية معينة ومفاهيم محددة لفهمه والتنبؤ بما سيحصل.

فهذا بلد اعتبره رئيس جمهوريته “ذاهباً إلى الجحيم” في أيلول/ سبتمبر 2020، كما اعتُبرَت الأزمة اللبنانية الأسوأ في تاريخ لبنان وصنّفها البنك الدولي عام 2021 بأنها ضمن ثلاث أسوأ أزمات في العالم. ولكن برغم تدهور المؤشرات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، مع انزلاق أكثر من 80 في المئة من سكانه تحت خط الفقر وانسداد حلّ سياسي وسلمي للتلبّد الحاصل على الساحة السياسية منذ الانتخابات النيابية في أيار/ مايو 2022، والمأزق الدستوري من شغور رئاستي الحكومة والبلاد، لا يبدو أننا وصلنا إلى هذا “الارتطام الكبير” الذي يألفه العالم في أزمات كهذه وفي بلد لا يخلو تاريخه الحديث من موجات عنف مجتمعي وانزلاق نحو مواجهات مسلّحة.  

ما يعيشه سكان لبنان اليوم هو نموذج هجين من الانهيار الغريب الذي يصعب على المراقبين أن يستعملوا أدوات تحليلية معينة ومفاهيم محددة لفهمه والتنبؤ بما سيحصل.

وقد يبدو لبعض المتابعين أن اعتبار ما يعيشه لبنان حالياً مغايراً للشكل الذي سيأخذه الارتطام الكبير، هو مجرد مقاربة إنكارية لواقع الحال أو مقاربة تخفيفية للمآسي التي يعيشها سكان هذا البلد من لبنانيين ولاجئين وسكان أضحوا في عداد المهجّرين قسراً، عندما فُرضت عليهم  الهجرة الشرعية أو القانونية للاستمرار، وبعضهم للأسف قضى في البحر. 

بحسب الباروميتر العربي (نيسان/ أبريل 2022)، فإنّ نصف سكان لبنان (48 في المائة) يفكّر في الهجرة ولدى سؤالهم عن الأسباب الرئيسية التي تدفعهم إلى الرغبة في الهجرة، لم يعطوا أولوية للأوضاع الاقتصادية (7 في المئة)، إنما كان الدافع الأكثر شيوعاً هو الفساد (44 في المئة)، ثم الأوضاع الأمنية (29 في المئة) وتليهما أسباب سياسية (22  في المئة)، على عكس الأردن مثلا الذي عبّر نصف سكانه أيضا عن رغبتهم في الهجرة ولكن الدافع الرئيسي هو اقتصادي. وفي غياب أرقام رسمية لعدد المهجّرين من لبنان، فقد رجّحت “الدولية للمعلومات” أن عدد المهاجرين والمغادرين وصل منذ بداية العام 2022 وحتّى منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2022 إلى 42199 شخصاً مقارنة بـ 65172 شخصاً للفترة عينها من العام 2021.

وطبعاً أمام هذه الأرقام التي تخفي ملامح عائلات تفكّكت وأحلام أضحت تراوح الحدّ الأدنى من كلّ شيء، وضمن نموذج من الإدارة العامة وصفه البنك الدولي في العام الماضي بمخطط “البونزي”، وقد أنفق موارد الدولة اللبنانية وأفقر الشعب اللبناني، هل من المنطقي أن نسأل لماذا لا يمكننا اعتبار ما وصلنا اليه بمرحلة “الارتطام الكبير”؟ وما الذي يمكن أن يعنيه الأخير غير اضمحلال سبل العيش في مستويات الحدّ الأدنى لشعب منزوع الكرامة، مجبر على تحمّل محاولات تغييرية تأخذ شكل المهزلة الاستعراضية، كتمضية ليلة أو أكثر في مجلس نواب ينقسم ما بين أسلوب التكتكة التقليدية وأسلوب التيك توك tiktok.

إقرأوا أيضاً:

وإضافة إلى عدم قدرتنا على تحديد ما إذا كان البلد قد وصل بالفعل الى مشارف مرحلة الارتطام الكبير، تظهر معضلة أخرى وهي أنه عند مقارنة الأزمة اللبنانية مع أزمات مالية واقتصادية أخرى في التاريخ الحديث، يظهر لنا أن تطوّر الأزمة في لبنان يأخذ مساراً تغيب عنه الأحداث الكبرى ذات الصلة، برغم كل الضجيج الذي يعيشه البلد. فمنذ تشرين الأول 2019، شهد لبنان ثلاثة أحداث مهمة، وهي انفجار بيروت في آب 2020 والانتخابات النيابية في أيار 2022 واتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل في تشرين الأول 2022، ومن الصعب تصنيف هذه الأحداث على أنها تتعلق بصورة مباشرة بالأزمة المالية والاقتصادية، بل على العكس بالنسبة إلى الحدثين الأخيرين. فعقد انتخابات نيابية في موعدها وأيضاً توقيع اتفاق تاريخي مع إسرائيل، يتطلبان جهوزية مؤسساتية ومناخاً سياسياً، يصعب تأمينه في الظروف التي يعيشها بلد صُنفت أزمته بأنها الأشد في تاريخه وثالث أسوأ أزمة اقتصادية- عالمية في العالم.

فما هو المألوف في أزمات كهذه؟ وما المقصود بعجائبية أن يمرّ لبنان في أزمة مالية واقتصادية تغيب عنها الأحداث؟ وهنا تتضح عجائبية “الانهيار الغريب” الذي يعيشه لبنان إذا استحضرنا تجربة اليونان. فالبرلمان اليوناني بين 2010 و2011 صوّت على خمس حزمات تقشفية، وقد ألحقها بقانون اصلاحي عام 2013 وذلك تلبية لشروط القروض الانقاذية التي كانت متاحة لليونان. ويراد من هذا التشبيه البسيط أن يوضح كيف تكون الأزمات الاقتصادية- المالية مشحونة بالأحداث ذات الصلة، طبعاً آخذين بالاعتبار دور الاتحاد الأوروبي ومؤسساته المالية. ولكن التشبيه يبقى قائماً إذا ما قارنّا لبنان مع سريلانكا التي تمرّ بأزمة اقتصادية خانقة. 

أما لبنان، فلا يبدو أن طبقته الحاكمة تشعر بأي حرج من عدم اتخاذ قرارات لوقف الانهيار أو الحد من ارتداداته. ويبدو أن القرار الوحيد الذي تتخذه الطبقة السياسية هو “اللاقرار” بانتظار حدث خارجي يفعل ما يفعله، وربما يأخذ البلد صوب مسار إنقاذي أو صوب مسار عنفي، وفي الحالتين يبدو أن الانتظار سيّد الموقف. وذلك باستثناء بعض القرارات المتفرقة التي تُسحب سريعاً، وسياسات تصدر عنها بيانات توضيحية لأكثر من جهة، ليتبين أن هدفها دسّ النبض ومحاولة التلويح وتوجيه رسائل عبر صندوق بريد لم يعد يُقنع أحداً… وكل ذلك بانتظار أن يطرأ أمر ما أو يحدث شيء!

إقرأوا أيضاً: