fbpx

التطرّف العنيف في ساحل شمال أفريقيا: التصوّرات ومكامن الضعف

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يزدهر التطرف العنيف ويجد أرضية خصبة على وجه الخصوص في السياقات التي تتسم بمحدودية الوصول إلى الخدمات والسلع العامة، وضعف المؤسسات السياسية… السمة التي تحضر في الكثير من البلدان والأقاليم والمناطق الحدودية في منطقة الساحل بهذه الصفات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ارتفعت حصيلة الوفيات وأعداد الضحايا الناجمة عن النزاع  في الساحل الأفريقي عشر مرات بين عامي 2007 و2021. تصاعد نسبة العنف، لا سيما ذاك المرتبط بأشكال التطرف العنيف، أدى إلى تغييرات هيكلية وبنيوية ضارة متعددة الأوجه في المجتمعات القاطنة في المنطقة، وإعاقة محاولات بناء التنمية والسلام. 

يزدهر التطرف العنيف ويجد أرضية خصبة على وجه الخصوص في السياقات التي تتسم بمحدودية الوصول إلى الخدمات والسلع العامة، وضعف المؤسسات السياسية، وسهولة اختراق الحدود، والتدخلات العسكرية والأمنية، ووجود الجماعات المسلّحة، وانتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، السمة التي تحضر في  الكثير من البلدان والأقاليم والمناطق الحدودية في منطقة الساحل بهذه الصفات. 

يتناول تقريرنا الأخير بعنوان “التصورات ومكامن الضعف وسُبل المنع: تقييم تهديد التطرف العنيف في مناطق مُختارة من الأراضي الحدودية بجنوب ليبيا وشمال غرب نيجيريا”، العوامل التي تدفع نحو التطرف العنيف جنوب ليبيا، وشمال تشاد، وشمال شرقي النيجر، وغرب السودان، وشمال غربي نيجيريا (الخريطة 1)، نشر هذا التقرير من قبل برنامج مسح الأسلحة الصغيرة ومقرّه جنيف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

اعتمد التقرير، على الدراسات الاستقصائية الكمية لمعرفة تصورات الناس حول العوامل والدوافع والجهات الفاعلة والقيم المرتبطة بالتطرف العنيف. وأجرى فريق البحث مقابلات مع 6852 مستجيباً في مناطق حدودية مُختارة بين كانون الأول/ ديسمبر 2020 وحزيران/ يونيو 2021، باستخدام منهجية العينات العشوائية والاستبيان الكمي. وبالتالي، تعاملنا مع التطرف العنيف في هذا التقرير، من منظور المجتمعات المحلية المتأثرة – أو المحتمل تأثرها– وهدفنا إلى إرشاد صنع السياسات من المنظور الوقائي.

استخدم التقرير سبع عدسات تحليلية ليوفر فهماً أفضل للعوامل التي تدفع المجتمعات نحو التطرف العنيف، وهذه العدسات هي: المشقة والحرمان؛ غياب الأمن والعدالة؛ محدودية الوصول إلى الخدمات الأساسية؛ تنامي أهمية الهويات العرقية أو الدينية؛ انعدام الاستقرار والأمن على نحو مزمن؛ حظر المشاركة السياسية وتأثير الجماعات المسلّحة غير التابعة للدول؛ وانتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة غير المشروعة. 

تحرّى التقريرُ أيضاً، مدى معرفة المقابَلين والمستجيبين باستراتيجيات التجنيد التي تستخدمها الجماعات المسلّحة المختلفة في مجتمعاتهم، واستقرأ مواقفَهم إزاء مجموعات متطرفة عنيفة معينة والقيم المرتبطة بها، هنا نتائج المسح الذي قمنا به.

تباينت التصورات إزاء الاستقرار والأمن بشكل كبير، بين دراسات الحالات الإفرادية. ففي نيجيريا، شعر 61 في المائة من المستجيبين بانعدام الأمن أو انعدام الأمن الشديد في أحيائهم، مقارنة بـ 12 في المائة فقط في النيجر، و17 في المائة في ليبيا، و21 في المائة في تشاد، و38 في المائة في السودان.

ووصَف 71 و56 في المائة من المستجيبين في النيجر والسودان، على التوالي، حياتهم بوصفٍ سلبي. وأفاد ما يزيد عن نصف المستجيبين في البلدان الخمسة جميعها، بأنهم افتقروا إلى الدخل النقدي في “معظم الأحيان” أو “بعض الأحيان” في العام السابق للدراسة. 

عبّر سكان المجتمعات الحدودية عن تصورات معقدة ودقيقة إزاء قدرة الدولة على توفير الأمن والعدالة. فبينما كان المستجيبون في ليبيا ونيجيريا والسودان ساخطين بشكل خاص على الحكومة، وبدرجة أقل نسبياً على قوات الأمن، كان العكس صحيحاً في تشاد والنيجر. وقد أشارت جميع دراسات الحالات الإفرادية إلى أن الثقة في قوات الأمن كانت أعلى قليلاً عندما تشارك كل من القوات المحلية (الحكومية أو غير حكومية) والقوات الوطنية أو الفيدرالية في توفير الأمن.

رصد المستجيبون في نيجيريا والسودان، ارتفاع مستويات انتشار الأسلحة الصغيرة. وشملت مصادر تلك الأسلحة، السوق غير الشرعية والسوق الشرعية، والتصنيع اليدوي، والميراث، وسلطات الدولة، وأرباب العمل. وتشير نتائج الدراسة الاستقصائية إلى أن تهريب السلاح من ليبيا إلى البلدان المجاورة يتجاوز تدفّقات الأسلحة إلى ليبيا.

كان المستجيبون السودانيون أكثر مَن أكّد أنه يمكن أحياناً تبرير قتل الأفراد أو الجماعات للمدنيين (52 في المائة)، يليهم المستجيبون في نيجيريا (32 في المائة) وتشاد (22 في المائة) والنيجر (17 في المائة).

وأفاد 19 بالمائة من المستجيبين في تشاد والنيجر ونيجيريا والسودان، بأنهم على دراية بأن جماعات مسلّحة محلية أو أجنبية تعكف على التجنيد في مجتمعاتهم. وقال 11 في المائة إنهم على دراية بقيام جماعات متطرفة عنيفة بالتجنيد في مناطقهم.

وأعربَ حوالى 3 في المائة من المستجيبين في تشاد والنيجر ونيجيريا والسودان، عن وجهات نظر إيجابية جداً تجاه الجماعات المتطرفة العنيفة الرئيسية، وعن سخط شديد على مجموعة من المؤسسات والمجتمعات والمنظمات – بما فيها كيانات تابعة للدول وغير تابعة للدول وكيانات دولية. وأبدت هذه المجموعة الفرعية كذلك، تأييداً قوياً للعنف ضد المدنيين، ومستوياتٍ عاليةً من الاستعداد للموت فداءً للزعيم.

توفر هذه النتائج، المبنية على تصورات وآراء 6852 مستجيباً في البلدان الخمسة المذكورة أعلاه، رؤى أصلية إضافية، محورها الأشخاص المبحوثون، حول مكامن الضعف والأخطار المتعلقة بالتعرض للتطرف العنيف في منطقة الساحل. وعلى رغم أن الجماعات المتطرفة العنيفة لم تسيطر بالضرورة على المناطق المشمولة بالدراسة الاستقصائية، إلاّ أن التحليل يشير إلى أن الوضع يمكن أن يتدهور بسرعة ما لم تُتَخذ إجراءات للحيلولة دون وصول الناس إلى “نقطة تحوّل” محتملة.

لذلك، ولتجنّب الوصول إلى “نقطة التحول” تلك، يتعين على أصحاب المصلحة المعنيين استخدام نُهج محورها الناس تجاه الأمن والعدالة، واستخدام النُهج والأطر الإنمائية بدلاً من النُهج الأمنية المحدودة (نهج التنمية المستدامة المتمحورة حول والمبنية على الناس بدل نهج الأمننة الداعي الى تقوية سطوة المؤسسات الأمنية وقبضتها)، وتحقيق التوازن بمهارة بين الاحتياجات لتحسين الأمن والاستقرار من دون تعطيل مصادر الرزق المحلية.

د. علاء الترتير، مستشار برامج لدى الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، وباحث رئيسي ومنسق أكاديمي في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف، وزميل بحثي في معهد أبحاث السلام في أوسلو.

دارين عطوه، باحثة ومساعدة مشاريع في برنامج مسح الأسلحة الصغيرة التابع للمعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف.