fbpx

وزير الثقافة اللبناني: استقواء في وجه الحقيقة وانحياز إلى القتلة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نشر وزير الثقافة اللبناني محمد وسام المرتضى على حسابه الخاص على “تويتر” تعليقاً على قضية محاولة اغتيال الكاتب سلمان رشدي، دافع فيه عن الإمام الخميني صاحب فتوى هدر الدم التي طاردت رشدي على امتداد العقود الماضية. هذا المقال يقتفي سيرة الوزير الوصي على الثقافة وحرية الإبداع في لبنان.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يحمل على حساب “تويتر” الخاص فيه صفتين. واحدة تسبقه، وهي صفة “القاضي”، وثانية تتبعه: “وزير الثقافة”. وهكذا يتشكّل لدينا الاسم “الكامل” للحساب: “القاضي محمد وسام المرتضى وزير الثقافة”. والصفتان، ترتبطان بوظيفتين. الأولى كان يشغلها في القضاء، وهي وظيفة حسّاسة تتطلب شخصية رصينة غير منحازة وعادلة، والثانية على رأس وزارة الثقافة، وهي الوزارة التي يفترض أن تعكس صورة منفتحة وتنويرية واستيعابية، شاسعة غير ضيقة، إنسانية غير فئوية، وتُعلي من شأن الرأي فوق أي “مقدّس” آخر.

الآن، دعونا نتخيل السيناريو  الآتي: تقع جريمة طعن سلمان رشدي في صرح أكاديمي هنا في لبنان، ويساق الشاب الذي طعن الروائي إلى المحاكمة. على قوس العدالة يجلس “القاضي محمد وسام المرتضى وزير الثقافة”. الشاب سيشعر برهبة كبيرة: قاض ووزير ثقافة في الآن عينه، يحاكمه في قضية تتعلق بطعن روائي. خلطة مثالية لكي ينال أشدّ الأحكام التي ينصّ عليه القانون في هذه الحالات. سيشعر بلا عدالة أن يكون وزير ثقافة قاضياً يحكم في قضيته، وقد يطالب، وهذا حقّه، في عزل الوزير القاضي لتضارب المصالح أو لـ”الارتياب المشروع”. سيعتبره الخصم والحكم في الآن عينه. لكنه قبل أن يقدم على التفوه بأي شيء، يفاجأ بالقاضي وزير الثقافة وهو يقوم بتبرير الجريمة وتدعيمها بـ”متمّماتها” الدينية والعقائدية في مرافعة يصعب تصديق أنها تصدر عن قاض ووصي على الثقافة. يفاجأ به وهو يحمّل الضحية مسؤولية دمها المهدور، بسبب آرائها وأفكارها. سيصدم الشاب بوزير الثقافة وهو يحاكم الروائي الأعزل المضرّج بدمه. ولن يصدّق عيونه حين يقوم القاضي، بأخذ أداة الجريمة والانقضاض على الضحية لتنفيذ الفتوى بيده هو، ويجهز على الروائي الذي نجا بأعجوبة.

هذا السيناريو متخيل، لكنه مبني على أسس تجعل حدوثه ممكناً، وممكناً جداً. فالوزير سبق أن وقف مع زميله في مجلس الوزراء المطلوب بمذكرة توقيف علي حسن خليل ضد ضحايا انفجار المرفأ وضد زميله في القضاء المحقق العدلي طارق البيطار. ونقلت وسائل إعلام لبنانية (في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2021) وقائع إحدى جلسات مجلس الوزراء، حين قال مرتضى “نازل آخدو لعلي حسن خليل عالمنارة وخلي ابن مرا يوقفو!”، وضرب يده على الطاولة. فردّ رئيس الجمهوريّة ميشال عون، على ما نشرت المواقع الإخبارية آنذاك: “كأنو عم يهددنا ما منقبل هالطريقة بالكلام”، فردّ مرتضى: “أنا ما عم هدد أنا عم حذّر، رح تشوفوا شي غريب عجيب بالبلد!”. وتوجّه إلى وزير الداخلية بسام مولوي بالقول: “وإنت مذكرات التوقيف ما بتنفذهم”. وعاد مرتضى بعد الجلسة لينفي ما تم تناقله قائلاً: “نحن لم نهدد ولم نعلّق جلسات مجلس الوزراء ولم نفرض بند تغيير البيطار بل عرضنا ملاحظات على ادائه لكل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء”.

عاد القاضي وزير الثقافة ليفعل افتراضياً ما هو مشابه. أصدر بياناً ونشره على حسابه، في معرض الردّ كما بدا واضحاً على الاعلامية ديما صادق من دون أن يسمّيها، وبدا ردّه بمثابة مرافعة مع المجرم ضد الضحية، ومع “ثقافة” القتل ضد ثقافة الحياة: “كل أحد وما اعتقد. أما القدح والذم فآية شيطانية تتمثل في قيام إبليس باستعمال من هو دون، وسيلة يتعرض بها لمن هو فوق. (ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) صدق الله العظيم. أما حرية القول فينبغي لها أن تكون مهذّبة، فالتطاول على الكبار بالشتيمة والضغينة السوداء لا يمت إلى الأخلاق بصلة ولا إلى “الصدق” بنسب أو شهرة. وليعرف من يجب أن يعرف أنه لولا آيات الله وجهاد أبنائهم وحلفائهم ضد الظلامية والظلم والطغيان على جبهات الدم الممتدة وسع هذا الشرق، لما بقي لنا مكان على هذه الأرض ولكان جل الرجال شهداء وكثير من النساء سبايا لدى أعوان الشيطان”.

لا عجب أن يصدر مثل هذا الكلام عن وزير محسوب بشكل صريح على “حزب الله” في الحكومة، وهو كان على ما يقول عارفوه مستشاراً قانونياً لمسؤولين في “حزب الله”، وهو على عكس الشائع، ليس تابعاً لحركة “أمل”، بل وصل إلى الحكومة كممثل للثنائي الشيعي، لكن من سمّاه هو “حزب الله”.

 وبحسب مطّلعين على كواليس تشكيل الحكومة، كانت مطروحة للتوزير قبله زوجته القاضية مايا كنعان، لكن عدم ارتدائها الحجاب حال دون توزيرها ممثلة لـ “حزب الله”، لأسباب “شرعية” على ما يبدو، فوقع الاختيار على زوجها. وقد تساءلت صحيفة “النهار” اللبنانية عن سبب توقّف جهات سياسية شيعية وغير شيعية عند سرّ طرح اسم القاضي مرتضى لوزارة الثقافة في التشكيلة التي يعدّها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي، وتقول النهار في خبرها إن “الرئيس سعد الحريري كان قد وضع في تشكيلته اسم زوجة مرتضى القاضية مايا كنعان من حصة “حزب الله” إبّان محاولته تشكيل حكومته قبل أن يتّجه إلى الاعتذار”. 

وبناء على هذه المعطيات، يتوقع من مرتضى، إذا ما استمر بالنهج الديني المتشدد الذي ينتهجه، أن يذهب بعيداً ربما إلى محاولة إجبار زوجته على لبس الحجاب التزاماً بفتاوى المرشد الأعلى.

إقرأوا أيضاً:

والوزير القاضي “المثقّف”، كان رئيس محكمة الجنايات في بعبدا، وعضواً في مجلس القضاء الأعلى، وهو عضو مؤسس في “جمعية التسلح الخلقي”، وهي حركة عالمية على غرار الروتاري و الليونز، ومواقفه تبدو بعيدة كل البعد من أهداف الجمعية والمتمثلة بحسب “العلم والخبر” الصادر عام 2005 المنشور في الجريدة الرسمية بـ”السعي إلى تغيير المجتمع نحو الأفضل عبر تغيير الذات في ضوء مقاييس أربعة هي الصدق المطلق والطهارة المطلقة وعدم الأنانية المطلقة والمحبة المطلقة، والتمرس في الإصغاء الداخلي لصوت الله والانقياد له”، و”العمل على أساس الروحية المتقدمة على بث وتعزيز روح المصالحة والحوار والخدمة”. واسمه بين المؤسسين بهذه الصيغة “محمد وسام العلي عدنان المرتضى”، لكنه حصل على قرار قضائي بحذف “العلي” من الاسم عام 2004، لأسباب غير بيّنة، وتم تغيير اسمه المعتمد في السلك القضائي بمرسوم صادر عن رئاسة الجمهورية عام 2010، جاء فيه: “صحح اسم السيد محمد وسام العلي المرتضى القاضي في ملاك القضاة العدليين في وزارة العدل (رقمه المالي -) بحيث أصبح اسمه وشهرته: محمد وسام المرتضى بدلا من محمد وسام العلي المرتضى”. وهذا الأمر، لحسن حظّ الملياردير الأميركي الذي كان على وشك شراء “تويتر” آيلون ماسك وحظنا، قصّر قليلاً من طول اسمه مع ألقابه على منصة تويتر! 

في تعريفه المثقف، يقول نعوم تشومسكي إنه “من يحمل الحقيقة في وجه القوة”. أما جان بول سارتر فيقول إن المثقف هو “صاحب الموقف الملتزم والمنحاز إلى القيم والعدل والحق والنيات الحسنة”. فيما يقول محمد أركون إن “المثقف هو من يتحلى بروح مستقلة، محبة للاستكشاف والتحري، وذات نزعة نقدية واحتجاجية تشتغل باسم حقوق الروح والفكر فقط”. 

“القاضي محمد وسام المرتضى وزير الثقافة” يمثّل تماماً نقيض كل تعريفات “المثقف” هذه مجتمعة: هو، بكل وضوح، يحمل القوة في وجه الحقيقة. لا يتمتع بروح الاستقلالية، ويفتقد النزعة النقدية والاحتجاجية. وينحاز إلى الجلاد ضد الضحية.

إقرأوا أيضاً: