fbpx

من “عوالم” شارع محمد علي إلى رباب أمام مرآتها:
الرقص الشرقي كأداة مقاومة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“أشعر حين أهز وسطي بتحرر لجسدي المكبل طوال اليوم، فأسير في الشارع خائفة من التحرش والتعرض لجسدي، وفي العمل أترك مسافة بيني وبين زملائي، ليصبح جسدي بمثابة الطوق الذي يلتف ومع التفافه يقترب من الاختناق”.

يتمايل خصرها على نغمات الموسيقى، تجد جسدها يتحرّك بخفة وكأنه ريشة، مع كل حركة تقوم بها، تتخلص معها من هموم مثقلة على مدار اليوم، تشعر وكأنها دخلت عالماً جديداً يتحرر به جسدها، لا يقطعها عن هذا العالم سوى صوت والدتها من الخارج “وطي الصوت شوية”.

رغم انتشار الرقص الشرقي، وتحوله إلى عادة تُمارس في معظم المناسبات الاجتماعية والمناسبات الاحتفالية، إلا أن فئة واسعة من المجتمع المصري مازالت تنظر إليه بنظرة سلبية، وتتهم من تمارسه بالـ”عيب”، والذي ربما يصل حدّ الوصم.

رباب عبد المنعم تبلغ من العمر 33 عاما، تعمل في مكتب للترجمة في وسط مدينة القاهرة، تحب الرقص، وترى به تحررا من الهموم والضغوط، تمارسه عقب عودتها من العمل، وفي أيام الإجازات، تنهرها والدتها دوماً، وتطبق عليها لقب “الرقاصة”، وبالرغم من أن رباب التي لا ترى في اللقب عيباً، إلا أن الأم تطلقه وكأنه وصم للابنه، برغم ممارستها له داخل جدران غرفتها المغلقة.

تقول رباب لـ”درج”: “تطلب مني والدتي دوما خفض صوت الموسيقى، وتتذكر حين أغلق باب غرفتي، وتطلب مني الانتهاء حين عودة والدي وشقيقيّ من العمل، وكأن ما أقوم به فعل محرم”، ربما لا تشعر الأم بما تشعر به رباب إلا أنها من خلال تلك الحركات “أشعر حين أهز وسطي بتحرر لجسدي المكبل طوال اليوم، فأسير في الشارع خائفة من التحرش والتعرض لجسدي، وفي العمل أترك مسافة بيني وبين زملائي، ليصبح جسدي بمثابة الطوق الذي يلتف ومع التفافه يقترب من الاختناق”.

شوارع المدينة التي تصفها رباب بأنها “أصبحت معادية لأجساد النساء”، تجعلهن يختبرن في اليوم الواحد ضغوطاً نفسية كبيرة، تحتاج إلى التحرر، وهو ما تجده رباب في الرقص. كما تجده أيضاً ميرا عثمان البالغة من العمر 27 عاماً، لكنها اتجهت إلى طريق آخر وهو تعلم الرقص من خلال المدارس المخصصة له.

“تطلب مني والدتي دوما خفض صوت الموسيقى، وتتذكر حين أغلق باب غرفتي، وتطلب مني الانتهاء حين عودة والدي وشقيقيّ من العمل، وكأن ما أقوم به فعل محرم”.

دخلت ميرا عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وبحثت عن مكان لتعليم الرقص الشرقي في مدينتها الصغيرة، لتجد واحدة من المدارس تعلن عن قبول سيدات جدد لبدء كورسات الرقص الشرقي “كتبت تعليق على الإعلان المنشور عبر صفحة الفيسبوك، وفوجئت بكم من التعليقات من رجال مختلفين لا يعرفونني ولا أعرفهم، منها تعليقات تضم شتائم وسخرية، وأخرى إيحاءات جنسية، ووصل الأمر إلى حد إرسال البعض منهم رسائل بالبريد الوارد بنفس المضمون”.

ما واجههته ميرا، يكشف عن التناقض الذي يعيش فيه كثير من الرجال، فعدد كبير منهم يحبون مشاهدة الرقص الشرقي، ولكنهم يصمون من تمارسه بأبشع الصفات كما روت ميرا لـ”درج” “في الأفراح والمناسبات تتجه الكثير من الفتيات والبنات للرقص، يحب الرجال مشاهدتهن، كما يحبون مشاهدة الراقصات في الأفلام وغيرها، لكنهم رغم حبهم لمشاهدة هذا النوع من الفن، يرفضون ممارسته ولا يقبلون ذلك على زوجاتهم أو بناتهم أو أخواتهم”.

اتجهت ميرا لتعلم الرقص الشرقي للتحرر من الهموم “أشعر أن جسدي ليس ملكي، تفرض عليّ أسرتي ارتداء ملابس معينة، وغطاءً للشعر، كما يفرض عليّ المجتمع دون قيود مكتوبة أو صريحة ارتداء ملابس معينة أيضا حتى لا أتعرض للتحرش”، وفي الحصة الأولى لتعلم الرقص، شعرت ميرا أن جسدها أصبح حراً “خلال 60 دقيقة هي مدة الحصة شعرت أنني تحررت من الهموم والضغوط، خلعت حجاب رأسي المجبرة على ارتدائه، وملابسي المجبرة على ارتدائها أيضا، ارتديت تنورة قصيرة وتوب دون أكمام، وهي ملابس لا يمكنني حتى ارتدائها في المنزل أمام أبي وأمي، وضعت إيشارب على وسطي، وأغمضت عينيّ، وتركت جسدي يتحرك مع الموسيقى”.

ذهبت ميرا إلى الحصة الأولى من دون أن تخبر والدتها “كنت أعلم جيدا أنها سترفض الأمر، وتبرر الرفض بأن الرقص عيب ولا يصح، فقررت الذهاب من دون إخبارها، وهو ما أفعله منذ 6 أشهر حتى الأن، أذهب في حصة أسبوعية لمدة ساعة، حتى أصبحت أحب جسدي بلا من الخوف منه”.

مؤخرا عُزلت الدكتورة المصرية منى برنس من منصبها الأكاديمي كأستاذة للأدب الإنكليزي في جامعة السويس. تعود القضية إلى عام 2017 عندما نشرت منى برنس فيديو لها وهي ترقص على سطح منزلها، وفوجئت بتحويلها إلى مجلس تأديب والتحقيق معها داخل الجامعة قبل عزلها، وتقدمت بطلب إلى القضاء الإداري للطعن بقرار عزلها وهو ما رفضته المحكمة مؤيدة قرار الفصل. ورأت محكمة القضاء في حكمها، أن “رقص الأكاديمية والروائية المصرية تحديداً مخالفة تحط من قدرها كأستاذة جامعية، وتنال من هيبتها أمام طلابها، وتجرح شعور طالباتها، وتمس كبرياء زميلاتها رفيقات دروب العلم باعتبارها المثل والقدوة”، كما اعتبر القاضي رقصة منى برنس “إباحية” و”مخالفة لقيم المجتمع وتقاليده وحرية الاعتقاد مكفولة طالما ظلت حبيسة في النفس دون الجهر بها، ولا يجوز لأستاذ جامعي إشاعة الفوضى والدعوة إلى الرقص علناً”.

إقرأوا أيضاً:

في مداخلة تلفزيونية سابقة لمنى برنس قالت إن الرقص بالنسبة إليها يمثل فرحة، وهو من الفطرة والطبيعة وكل المخلوقات تتمايل، “مش فاهمة ايه المشكلة في فيديوات الرقص؟”. واعتبرت أن موقفها من الرقص لا يتعارض مع موقف الطبقة الشعبية والطبقات فوق المتوسطة، وأن المشكلة أحياناً تكمن في الطبقة الوسطى.

 قبل الدكتورة منى برنس تداول رواد مواقع التواصل مقاطع مختلسة لمدرّسة ترقص في رحلة مع أصدقائها، مبدين آراءهم حولها، مع غضّ النظر عما فيه من اختراق للخصوصية، وعدم أحقية استخدام لحظة خاصة لسيدة ترقص وتحويلها إلى مادة للنقاش ورمي الأحكام، في الفضاء العام. وكيل وزارة التربية والتعليم في الدقهلية علي عبدالرؤوف، قال حينها إنه تلقى شكاوى من معلمين مرفقة بأسطوانة تتضمن مقاطع فيديو مصورة لخمس معلمات ترقصن أثناء إحدى الرحلات إلى النيل. وقام الوكيل بإحالتهن إلى النيابة الإدارية للتحقيق. وقالت المعلمة إنها قدمت استقالتها بعد قرار نقلها إلى مدرسة تقع على مسافة بعيدة من مسكنها، وبعد ما تعرضت له من تشهير وتشويه سمعة وعنف اجتماعي، ما دفع زوجها إلى اتخاذ قرار بطلاقها.

كل ما حدث مع المعلمة ومع البرنس، وغيرهن من السيدات، مرتبط بتصورات اجتماعية، تمنع المرأة من الحصول على الكثير من حقوقها أو ممارسة حريات بسيطة، في مقدمتها حرية التحكم في جسدها، وهو ما يدفع الكثير من النساء إلى اتخاذ الرقص كأداة لمقاومة تلك التصورات والموروثات، حتى لو كانت وصلات الرقص تتم في غرف مغلقة، لكنها تحرر أجسادهن من تبعتيها إلى آخرين.

الباحثة والكاتبة النسوية ميريهان فؤاد ترى أن “الوصمة المرتبطة بالرقص لها علاقة بحرية الستات في امتلاك أجسادهن”، وأن السيدات “من حقهن التحكم في أجسادهن بحرية”، مضيفة لـ”درج”: “هذه الحرية  طبعا يرفضها المجتمع الأبوي الذي حاول على مدار التاريخ السيطرة على أجساد السيدات، لتحجيمها في المجال الخاص، ويقتصر دورها على الدور الرعائي فقط”.

كما ترى فؤاد، أن هناك جانباً لتناول الرقص الشرقي في السينما والأعمال الدرامية، والذي يصورها كعملية لإمتاع الرجل فقط، بمنطق ذكوري للتحكم في جسد السيدات، وهو ما دفع السيدات مؤخرا إلى نشر فيديوهات وهن ترقصن وكأنها إعلان عن تملك السيدات لأجسادهن. وتشير فؤاد إلى أن القانون المصري لا يجرم الرقص للنساء، ولكن تجرمه العادات والتقاليد المجتمعية، التي تسعى في النهاية إلى السيطرة على النساء.

تشير دراسة من جامعة أوكسفورد عام 2017 إلى أن الرقص قد يسهم في علاج أعراض الاكتئاب، كما يدعم وظائف الدماغ الحركية والعاطفية والفكرية أكثر من أي نشاط رياضي آخر.فالرقص أداة لتحرّر العقل من خلال الجسد.

وفي تحقيق للكاتب المصري فاروق أباظة، بعنوان “الغروب الكبير فى شارع العوالم”، نُشر عام 1960، تحدث عن بدايات ظهور “العوالم” في شارع محمد علي بالقاهرة، الممتد من ميدان العتبة حتى القلعة. وقال إن الرقص كان محرّماً على المصريات فى القرن التاسع عشر، وبالأخص المسلمات منهن، حتى كسرت فتاة جريئة القاعدة، وأطلقت على نفسها اسم مريم، وهى جدّة الفنانة سميحة توفيق. بعدها، بدأ شارع محمد علي يعرف مواهب نسائية تجيد الرقص، مثل فايزة أم برقع، التي كانت تقدّم فقرتها بالبرقع، وتوحيده، وسعاد محاسن، وزوبة الكلوباتية التي فاقتهن شهرةً، لأنها كانت تجيد الرقص، وهي تحمل الشمعدان على رأسها، بحيوية.

أما رباب، فلا تزال تمارس هوايتها المفضلة أمام المرآة. تطلب منها والدتها خفض الصوت، فتستعين بسماعات الأذن حتى لا يقطع أحد عليها عالمها الذي تدخله باختيارها، وتذهب ميرا أسبوعيا إلى حصة الرقص وتبحث عن حجة لتبرير سبب تأخرها عن المنزل، الذي سيرفض بالطبع تعلمها “هز الوسط”.

إقرأوا أيضاً: